عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

الحسين بوخرطة: حين يختفي المعنى

في صباحٍ رمضانيٍّ بدا ساكنًا أكثر مما ينبغي، كأن الزمن قد خفّف وطأته ليمرّ متخفيا بين عموم الناس، كان الرجل جالسًا إلى طاولةٍ خشبيةٍ قديمة، يقلب بين أوراقٍ صفراء لم يعد يتذكّر متى بدأ يجمعها. كانت كل ورقة تحمل آثار محوٍ متكرر، كأنها نجت من قرارات لم تُنفّذ أو أُلغيت في اللحظة الأخيرة.

منذ زمن، تعلّم أن يختصر العالم في جملتين.

حين طُرق الباب مرتين، فقط مرتين، رفع رأسه ببطء. لم يكن الطارق مفاجئًا، بل بدا كأنه متأخر. نهض، وفي داخله إحساس ثقيل بأن هذا الطَّرْق قد حدث من قبل، أو كان ينبغي أن يحدث منذ زمن ولم يحدث أو حدث بشكل آخر.

فتح الباب. امتدّ أمامه الحقل الأخضر، لكن لونه كان باهتًا، كأن الحياة فيه مؤجّلة. في الأعلى، كانت الغيوم متراكمة على نحوٍ غير طبيعي، لا توحي بمطرٍ، بل بشيءٍ يشبه الامتناع عن المطر. وكأن السماء، مثل الأوراق التي على طاولته، اتخذت قرارًا ثم تراجعت عنه.

سلّمه ساعي البريد ظرفًا دون كلمة، ومضى.

ظلّ الرجل واقفًا عند العتبة، ينظر إلى الختم. ذلك الشمع لم يكن غريبًا عليه. مرّر إصبعه عليه ببطء، كما لو كان يتحسّس أثرًا قديمًا.. أو مسؤوليةً لم تُدفن جيدًا. فتح الظرف. ورقة واحدة. خطّ كوفيّ متماسك، لا يرتجف، لا يتردد، كما لو أن كاتبه لا يعرف الشك.

قرأ: .. توقّف. ابتسم ابتسامةً واهنة، لا فرح فيها ولا سخرية. فقط اعترافٌ متأخر بشيءٍ كان يعرف أنه سيعود. أعاد قراءة الجملتين، هذه المرة بعينٍ مختلفة، لا تبحث عن المعنى، بل تتحقق من التطابق.

"لم يغيّروا شيئًا.." تمتم، بالكاد.

عاد إلى الطاولة. نظر إلى أوراقه القديمة. بعضها كان يحمل بدايات قرارات، وبعضها الآخر نهاياتٍ مبتورة. وفي الهامش، بخطٍ يشبه الخط في الرسالة، كانت تتكرر صياغات مختلفة.. لنفس العبارتين.

عندها فقط، بدأ الصوت. لم يأتِ من الخارج. لم يكن هتافًا جماعيًا كما تخيّل أول مرة. بل كان أشبه بتذكّرٍ قاسٍ، كأن الذاكرة نفسها قررت أن تتكلم دفعة واحدة.

"يا عمي.. أين اختفيت؟"

"نحن في أمسّ الحاجة إليك.."

أغمض عينيه. هذه المرة، لم يشعر بالخوف. بل بشيءٍ أقرب إلى الإرهاق.

نهض ببطء، واتجه نحو النافذة. كانت الغيوم قد اقتربت أكثر، حتى خُيّل إليه أنها تلامس السطح. للحظة، راوده يقين غامض أن ما في الخارج ليس سوى انعكاسٍ لما لم يُحسم بعد في الداخل.

التفت إلى الطاولة. الورقة الجديدة اختفت. لكن إحدى الأوراق القديمة كانت مفتوحة، وقد أُضيفت إليها جملتان.. بخطّه.

تقدّم نحوها، قرأهما، ثم سحب الكرسي وجلس. أمسك القلم. تردّد قليلًا. ثم شطب إحدى الجملتين.

رفع رأسه نحو النافذة. في الخارج، لمع البرق.. دون أن يتبعه صوت.

***

قصة قصيرة

الحسين بوخرطة