نصوص أدبية

فرات المحسن: لوحة / بيت من بيوت الله

بياض الفجر بالكاد يحرر نفسه من غبش الليل. مسجد للرب يتلظى بالنار كموقد. السخام غطى باحته بالكامل، وثقوب عميقة رصعت جدرانه، بدت وكأنها أفواه فاغرة، ما زال الدخان يسحب نفسه خارجا منها بتثاقل. نخلة عجفاء بروح مخلوعة يأكلها اللهب. الباب، تتدلى بقاياه قطعة صغيرة من فحم، بالكاد عالقة بالرتاج الحديدي الذي تشبث ملتصقا بالجدار، هذا ما تبقى من بيت قيل انه من بيوت الله.
من هنا مر الجيش الأمريكي، وعن قرب شديد جدا لامس جدران المسجد، لذا أرسل قذائفه وسيل رصاصه، دون عناية. مجمرة نار كانت، هذا ما حدث، فما احتاجت القذائف للدقة، فالهدف واضح وكبير وقريب جدا. كانت تعرف طريقها بحرفة ودهاء، وحركتها موجهة بكتلة واحدة. تومض مشتعلة تحرق وتهرس في طريقها كل شيء وتلهب جوف المسجد وجدرانه. لم يفعلوا ذلك سهوا، فثمة دوافع كثيرة لا يمكن الشك فيها والجدال حولها بعد الذي حدث، ربما كلمة واحدة كانت تكفي لتبرير كل تلك الوقائع. من الجائز أو على الأكثر أن منارته وفي الكثير من الأحيان تبدو مثيرة للريبة وتوحي للكثير من التحدي، أو أن الزخارف فوق جدرانه قد تكون لافتات تحريضية ساخطة، وهناك أشياء خفية تبرر الذي حدث. هكذا اعتقد وتجادل حوله جنود المارينز. ولكن لا مجال للتساؤل مع ما يصدر عن داخل المسجد من ضجيج، ولا وقت للتمييز عمن وبمن وكيف، فلا وقت لإيقاف القرار ومن الصعب تجزئته.
الجوف الذي استعر مثل جحيم كان مدغماً مغلقاً على أسرار وخفايا تبتلعها جدران بناية الرب. منذ زمن مضى لم يعد المكان مأوى للمصلين، هكذا قيل عنه، وليس بإمكان أحد طيلة النهار، ولا حتى في ظلمة الليل، أن يمد بصره ويستطلع ما وراء بابه الموصدة. ليس مباحا معرفة ما يدور في الجوف سوى من أخفى وجهه بلثام. ولكن من أين لهذا المسجد كل ذاك الضجيج وآهات التوجع والأنين المكتوم؟!
في الجوف القهري المجنون ثمة عشرة أجساد متفحمة انتشرت كتماثيل برونزية عتيقة غطاها السخام وموهها الدخان. في الباحة هناك جوار المنبر المهشم ثلاثة جثث متفحمة جاورتها بقايا حديد ملتوٍي لبنادق. في تلك الظهيرة الملتهبة وفي الزاوية البعيدة عند نافذة ألتوت وتهدلت عوارضها الحديدية، كان جسد متكور ما زال يمسك سيفا . ليس للزمن في تلك اللحظة غير أن يفتح عدسته ليخطف تلك اللوحة المفزعة التي رسمها المارينز بجحيم قذائفهم، وعليه إغلاقها بعجالة وإلى الأبد، بعد أن دون في ذاكرته صورة الأجساد المتفحمة.
لا متسع من وقت لدى الجنود الأمريكان لكي يفصحوا عما جرى في الداخل، فالداخل وحدهم من عرف أسراره، ولن يكون هناك مبررا لكشف ما حدث، فكلمة مطاردة الإرهاب كافية جدا لتكميم الأفواه المعترضة المهذارة.
مَنْ جلله الصمت وفطر الحزن قلبه وقعد يلوك وجعه عن قرب ، عجوز جلس القرفصاء عند الزاوية القصية من الشارع، غارق في تفكير مربك. ما انفك ينظر نحو باب المسجد حتى بعد احتراقه. تتحرك عيناه وتدوران ببلاهة في الفضاء، فقد سره أحد الوشاة من اللئام قساة القلوب، قائلا بخفية وحذر من أن يراه ويسمعه الآخرون، أن ابنه الذي اختطف منذ زمن مضى، موجود داخل المسجد، فرابط الرجل هناك مثل معتوه، يسأل نفسه ويجيبها، لعل وعسى والنفوس لا تخلوا من رحمة رب العالمين، وفي بيوت عبادته خاصة، أليس هذه فطرة البشر؟. يا ربي، لم تكن لي مؤونة غير هذا الابن.
لم يسأله الجنود الأمريكان عن سبب وجوده قرب المسجد، ولا عنّ لهم أن يلتفتوا له ليشاهدوا سيل الدمع الهابط بين ساقيتين غائرتين في وجهه المكدود الشاحب.
لم يكن لدى الأمريكان متسعا من الوقت للانشغال بتوافه الأمور، ولا حتى لطمر الجثث المتفحمة أو التحقق من هوياتها، فما جرى لا يتسم في النهاية بأهمية عظيمة، وبيوت الرب لا يمكن أن تكون دائما للعبادة.
***
فرات المحسن

في نصوص اليوم