نصوص أدبية
بكر السباتين: زيارة طائشة
انقطعت تداعياتُ الخوف في رأسه الذي اخترقتهُ رصاصةٌ طائشة، خضبت جبينه الشاحب بالدماء، فتحولت تجاعيد وجهه إلى بِرَكٍ حمراءَ وسيول، وهو قابع بأمان في غرفة صفيح، توارت بسوءاتها في زقاق اكتظ ببيوت متكئة على بعضها، فبدا وهو يفيض بزحام سكانه كأنه يوم الحشر، وقد سترت هذه الغرفة البائسة فقرَهُ المدقع.
كان يعيش على فضلات حاوية القمامة المركونة خلف أحد المطاعم حيث توارى باب مطبخها في الزقاق.. وها هو في ذلك الحيز الضيق حيث الرطوبة التي تزكم الأنوف، يسعل بشدة، يشرب الماء من قارورة فخارية، بدا كالإنسان الأول شكلاً ومضموناً.
ربما اختار هذا الحال المزري بإرادته، إذ اكتشف بأن هامش الحياة أكثر رحمة من العيش في أشداق المدينة التي تشبه الرحى وهي تدور بيد الأقدار وسوء الحظ وأنفاس الجشع الذي يتفشى بين العباد.
يفترش هذا البائس البساط الذي أكل الدهر عليه وشرب، ويتدثر مع البراغيث تحت غطاء قذر لا يليق حتى بالقطط التي استباحت ما تبقى من الغرفة؛ لتأخذها قيلولة النهار كأنها من أهل الدار، فتتجاوب مرتعشة كلما علا شخيره، لينخفض الغطاء ويعلو مع أنفاسه التي استهلكها الهم بعد أن جفت الأسئلة في يباب رأسه، وطوحت بصاحبها إلى هامش الحياة كجيفة لا ماضٍ لها ولا مستقبل.
بدا وكأنه شيء مهمل ابتلعته غرفة لا يطرق بابها أحد، كل شيء فيها خامد حتى ضوء المصباح الخافت.
لم يسال عنه أحدٌ في حياته سوى رصاصة طائشة فتشت عن مكانه المتواري في ظلال الغياب والإهمال؛ فاهتمت به ولبت له النداء.
قُتل الرجلُ المُهَمَّشُ في حرب لا عنوانَ لها؛ تتحكم بها رعونة أبناءِ الذواتِ وهم يطلقون الرصاصَ في أفراح كأنها المواخير التي تدور فيها الكؤوس، وتميد أرضُها بالمخمورين؛ وهم يطوِّقون أعناقَ الغواني بدنانير منهوبة، ومصبوغة بعرق الكادحين المهملين.
صاحبُ هذه الغرفة البائسة أراحَ بموتِه وزارةَ التنميةِ الاجتماعيةِ التي لم يُدخَلْ في قوائمها؛ لينحجبَ بالتالي عن قوائم حقوق الإنسان.
لكن الرجلَ في محصلة الأمر مات مبتسماً بعد طول معاناة.. لأنه استراحَ من الرياء المتفشي؛ ولغط الأصدقاء الغائبين عند الحاجة، وثرثرتهم الجوفاء لو صادفوه في الطريق، كأنها قادمةٌ من قاع بئر فارغ!
لم تباغته الرصاصة كما يبدو؛ لأنه كان في الانتظار، فاحتضن مصيره!
وبعد إسبوع من الغياب.. استيقظ سكان الزقاق على رائحة كريهة انبعثت من غرفة الغريب.. وحينما أُخْطِرَ رجالُ الأمنِ بالحادثة، كانت ثرثرة الجيران تنتشر فوق الأسئلة كالذباب.. لا أحد تساءل عن مصدر الرصاصة التي باغتت الرجل البائس وهو مندثر تحت الغطاء!
فيما جعلتِ الأحاديثُ تأخذُ الناسَ إلى كون الضحية عاش وحيداً ولن يسأل عنه أحد! ورغم ذلك تجمعوا حول الغرفة باحثين عن شيء يتمنون وجوده!
تمتم مختار الحي في سره:
استراح الغريب وأراح جيرانه من قذارته الجسدية وغموضه!
وقد شُنِّفَتِ الآذانُ إلى ما قاله أحد العابرين لرجل الأمن حول طبيعة عمل الضحية وهو يفسح الطريق لرجال الإسعاف الذين طوقوا الجثة بالأربطة على الحمالة، ليهبطوا بها نحو السيارة المركونة أمام الزقاق في الشارع العام وهي تدوّي بصوتها المتقطّع:
تذكرته يا سيدي..
فالقتيل قضى عمره وهو يتسول من المارة في وسط البلد.
في الوقت نفسه كانت الأطماع تحرض الجيران على الانتباه.. استجابة لما أشيع بأنّ القتيل الذي أردته رصاصةٌ طائشة، كان يدّخر أموال التسول في صندوق أخفاه كما يبدو تحت سريره المتهالك، أو خلف الخزانة المهملة، أو بين الأكياس التي تكدست بها الأركان الفواحة بالروائح الكريهة.
وكانوا ينتظرون الفرصة للانقضاض على الغرفة النائية عن قلوبهم؛ كي يظفروا من مخلّفاتها بنصيب.. دون أن يتساءلوا عن الجناة الذين افترشوا أفخاذ الغانيات وهم سكارى فتميد ببعضهم الأرض؛ وكأن الحياة مجرد مأخور سخر لملذاتهم.
أما الرجل الغريب! فقد قتلته رصاصة طائشة.. وقيدت القضية ضد مجهول.
***
قصة قصيرة: بكر السباتين






