نصوص أدبية
الحسين بوخرطة: لعبة السوق
خرج "سلام" قبل أن يتشقق الليل عن خيط الضوء الأول.
الطريق إلى السوق كان رطبًا من ندى الفجر، والهواء باردًا بما يكفي ليوقظ في الصدر إحساسًا غامضًا باليقظة.
في الليلة السابقة، كان جالسًا مع "عبد العليم" في المقهى الصغير عند رأس الحي. دار الحديث طويلًا عن الأسواق. قال عبد العليم وهو يحرّك كأس الشاي ببطء:
- السوق ليس مكانًا للبيع يا "سلام"… إنه امتحان يومي للأخلاق.
ضحك يومها، لكن العبارة ظلت عالقة في ذهنه.
عند بوابة السوق كان الفجر يتسلل مثل لصٍ خفيف.
الخيام ترتفع ببطء، الحبال تُشدّ، بهائم تُساق، ووجوه الناس تتجمع من الطرقات البعيدة.
اختار "سلام" صخرة عند جذع شجرة عتيقة. جذعها مجوف قليلًا، وأغصانها اليابسة تمتد في الهواء كأصابع تتذكر شيئًا ضاع منذ زمن.
جلس يراقب السوق وهو يولد.
صوت بائع يساوم.
صهيل حمار.
ضحكة طفل.
رائحة قهوة تغلي في إبريق أسود.
كل شيء بدا عاديًا… حتى انشق الهواء فجأة:
- لص .. لص..
ثم تكررت الصرخة، أعلى:
- لص ... أمسكوه ...
انتفضت الجموع.
رأى سلام شابًا يركض كأنه يهرب من ظله، وخلفه رجل بدين يلوّح بذراعيه:
- محفظتي.
اندفع أربعة شبان خلفه. كانوا يركضون بخفة الصيادين، يصرخون ويضحكون في الوقت نفسه.
اختفوا جميعًا بين الخيام.
اقترب سلام من خيمة تاجر عجوز يبيع أقمشة بيضاء.
قال:
- ما الذي حدث؟
رفع الشيخ رأسه ببطء، كأن السؤال قديم.
قال:
- لا شيء جديد… مجرد صباح آخر في السوق.
صمت لحظة، ثم أضاف:
- منذ سنوات كان الناس يتركون نقودهم فوق الطاولة ويذهبون للصلاة. الآن يخفونها داخل صدورهم… ومع ذلك تضيع.
أعاد ترتيب قطعة قماش، ثم قال:
- الرجل المسكين باع ثوره قبل قليل… ولم يحتفظ بالثمن إلا دقائق.
عاد سلام إلى صخرته.
جلس.
راقب السوق.
راقب الوجوه.
كان الضوء ينتشر ببطء، كأنه يفضح شيئًا.
بعد نصف ساعة ظهر الشبان الأربعة من بعيد. كانوا يمشون متجاورين. على وجوههم ابتسامة صغيرة… ابتسامة لا تشبه التعب بعد المطاردة.
وقف سلام وسأل:
- أمسكتموه؟
مر ثلاثة منهم دون أن يلتفتوا.
أما الرابع فتوقف. نظر إلى سلام طويلاً، وكأنه يعرفه، ثم اقترب.
مال نحو أذنه وهمس:
- أمسكناه يا عم.
توقف لحظة.
ثم قال:
- لكنه أعطانا نصيبنا.
ابتعد الشاب.
وبقي سلام واقفًا.
بعد دقائق عاد الصراخ.
- لص، لص،...
التفت سلام.
كان فلاح آخر يركض، يصرخ ويضرب كفيه ببعضهما.
أمامه … ثلاثة شبان يركضون.
الوجوه ... الصيحات ... المطاردة...
حدّق سلام طويلًا.
شيء بارد مرّ في صدره.
فهم فجأة أن السوق لم يكن يطارد لصًا.
بل كان يطارد "حكاية".
نظر حوله.
الناس يركضون.
الضحكات تتصاعد.
الصرخات تتكرر.
والشجرة العتيقة وحدها كانت واقفة… كأنها شهدت هذا المشهد آلاف المرات.
مدّ سلام يده إلى جيبه ليتأكد من محفظته.
لم يجدها.
رفع رأسه ببطء.
عندها فقط فهم.
أطبق سلام على جذع الشجرة.
وتمتم بصوت خافت:
- انتهى الكلام.
***
الحسين بوخرطة






