نصوص أدبية

حاتم السروي: ملك المَزَابِل

رجلٌ أربعيني وافته الكهولة بخبرة السنين وقوة ذاتية وفرها له سِنُّهٌ ومنصبه، وفي بدنه أيضًا عافيةٌ ظاهرة؛ إذ لم تداهمه الأمراض بعد، فيما رغبته تعلن عن فحولةٍ لطالما كانت مصدرًا لثقته بنفسه واعتزازه بقوته.

 لم يكن من السهل عليه أن يشاهد تلك الشقراء ثم يمضي في سبيله كأن لم يسافر إلى نشوةٍ حالمة وذكريات الحب في بستان شبابه الواسع النضر.. كان منذ عقدين يجري في البستان منطلقًا بكل مرح وسعادة؛ بل كان يطير مثل النحلة، فيشم رحيق الأزهار البيضاء والحمراء، بَيْدَ أنه لم يكن يحب اللون الأصفر.

رأى كثيرًا أصحاب الوجه الروماني الأصفر؛ فاستقر في ذهنه أنهم باردون مثل الشتاء، ولم يكن يبغض في حياته أكثر من البرود، سواءً في الوجه أو في الطبع.. وسمع الناس يقولون إن الأصفر لون الغدر والخيانة أو لون المكر، وأيًا كان فليس المكر بعيدًا عن الخيانة، إنه وسيلتها على أية حال.. والشقراء ذات الشعر الأصفر كانت ترتدي بلُوزَةً صفراء، أما البنطال الأزرق الضيق جدًا فقد كان السبب..

كيف لرجلٍ بينه وبين زوجته تلك الجفوة التي زادت أيامها على شهرٍ ونصف ألا تجذبه تلك التفاصيل الشهية؟ كيف له أن يتذكر كم سهرت زوجته وهي تكتب ما يمليه عليها من رسالة الدكتوراه التي حصل عليها بامتياز يثير الإعجاب بعلمه والتعجب من ضعفه الطارئ أمام الجنس اللطيف..

عشرون عامًا تقريبًا كان فيها ذاك المثالي.. قراءةٌ جادة شاملة لم تتوقف ليلة، وعملٌ مُتقَن لم يتوقف يومًا، واهتمامٌ كبير ينصب فقط على علمه وأسرته، والآن أصبح يتسائل عن سر الشهوة المستعرة..

 قد نفهم أن مراهقًا تنتابه مثل تلك الشهوة اللئيمة بأفكارها الدَّنِسَة وخيالاتها المخجلة، أما أن توافيه الأربعون بالخبرة ثم تسلب منه رزانته وتمنعه حكمةً لطالما سيطر بها على نفسه فهذا ما لم يتوقعه أبدًا، أين ذهب العلم يا دكتور؟ أين راحت عزيمتك؟؟؟

"يا زوجتي هداكِ الله" هكذا قالها في نفسه مشمئزًا من النكد.. كان وحيدًا بين جلسائه من ذوي السترات الأنيقة..ألقاب ومناصب.. جمال بيه.. مصطفى باشا..والشقراء تغدو أمامهم وتروح ، والعيون الثعلبية تمارس متعتها في صمت فلا داعي الآن لتبادل الأحاديث، وقديمًا قيل: "الصمت في حرم الجمالِ جمالُ" فليصمتوا إذن حتى يتمَلُّوا.. "فَتَّح عينك تأكل ملبن"

وظلوا يحملقون في البِتِلُّو الأبيض، وهي ترمقهم بطرف عينيها وتبتسم، والجميع يمارسون طقسًا مركبًا بين الصمت والنظر وادِّعَاء البراءة، كل "بِيه" في هذا المجلس العبثي يمثل الوقار والتماسك، وينظر فيمن حوله متأملًا نظراتهم له، ثم يهدأ قلقه حين يراهم جميعًا منهمكون في لذةٍ فاضحة لا داعي معها لذكر الألقاب.

وفيما هم يعبثون دخل عليهم القاعة "الأستاذ فَتُّوح" المدير التنفيذي لجمعية "نبض الحياة"..

وّجَّهَ فَتٌّوح أمرًا إلى الفتاة أن اعملي، ولم تكن مفاجأة لهم أن يعرفوا حقيقة الشقراء.. ملكة جمال مُتَوَّجة مهمتها إحضار الشاي والقهوة؛ لكن لماذا لم تعلن هويتها؟؟ نعم سيدي، إنها تمارس نوعًا من التسول، نوع جديد لكنه أكيد المفعول.. تدخل على الزبائن بثيابها الأنيقة وملامحها الأوروبية فيعتقدون أنها إحدى بنات العائلات ذات النسب، ثم تتبختر أمامهم حتى إذا شخصت إليها العيون وكَفَّت الأفواه عن الثرثرة ونسى الجميع كل شيء إلا ذلك الجسد، سألتهم عما يطلبون، وكم يطربها أن تسمع إجاباتهم بين عصير المانجو والكوكتيل والفراولة، فهذا يعني ولا شك أنها فاكهة! وبعد أن تحضر لهم ما يشتهون تتقاضى من كل رجل بقشيشًا سخيًا.. في الواقع كان ما تفعله كله من أجل البقشيش!

مضت الفتاة لتحضر المشاريب، وصاحبنا الدكتور يضرب كفًا بكف ويتسائل عَمَّن وضع هذا الجمال الساخن في "البوفيه"؟ ألهذه الدرجة صار الحظ أعمى والدنيا ظالمة؟! هكذا تسائل..

 جلسة ممتعة تلك التي كانت في قاعة الضيوف بالجمعية الأهلية. تجاذب المثقفون أطراف الحديث، وانغمسوا في مجاملات هم يعرفون أنها سخيفة، ثم تنادوا فيما بينهم بألقابٍ تركية من تراث العهد البائد. هم الذين يعتبرون الاشتراكية إلهًا يُعبَد ليسوا من الاشتراكية في شيء، هكذا رآهم الدكتور، وأكثر من هذا أنه رآهم بلا وجهة ولا هدف، فكل ما يعلنونه على الملأ من مبادئ وأفكار لا يؤمنون به حقيقةً، فلمذا إذن يجلس معهم إذا كان هذا رأيه فيهم؟.. قضاء الوقت في ندوة أفضل عنده مشاهدة مباريات كرة القدم.

"لكن مجلس هواة الثقافة لا يختلف كثيرًا عن مجلس الدهماء في المقاهي" قالها في نفسه ضاحكًا. ألا تراهم يتبادلون فيما بينهم فاحِشَ القول والنِّكَاتِ القبيحة، ألا يُقِيمُونَ وَلِيمَةً ينهشون فيها لحوم الغائبين عن المجلس من معارفهم فيما خيوط الدخان المستورد تنعقد فوق رؤوسهم مُكَوِّنَةً غَماماتٍ بيض.

 واستمر الجالسون في حديثهم اللاهي فيما صاحبنا تراوده فكرةٌ ما.. ماذا لو؟...

انفض السَّامِر وضَجَّت القاعةُ بالصمت ثم استولى الظلام على الكراسي والنجف والسجاد.. وحده ذهب إلى البُوفِيه.. كان يطمع في علاقةٍ ما تبدأ بكلمةٍ مازحة ثم نظرة فموعد فلقاء! إن مشيتها وضحكاتها تخبره أنها لن تمانع، وهو لا ينقصه المال والوسامة، إذن فليدخل في الموضوع "ساعة الحظ ماتتعوضش"!

مشى في الطرقة مسرع الخطى، وحين أصبح على بعد خطوات، اشتعلت النيران، نيران شبقٍ لم تلبث أن خمدت واختفت. لقد ألجمه الذهول وصار لا يصدق عينيه. إنها الشقراء تخلع باروكتها ليبدو شعرها الطبيعي أسودًا خشنًا على رأسٍ قد أصابته الحكة ليليق بامرأةٍ كانت تتسول البقشيش منذ قليل، أما الوجه الأبيض فلم يكن أبيضًا ولا مُشْرَبًا بحُمْرَة، إِنَّهُ المِيكَب اللعين وليس شيئًا آخر، وطبعًا كانت تضع في عينيها عدساتٍ لاصقة.

وحين دخل عليها المدير من الباب الخلفي دار بينهما ذلك حوار الذي يكون بين الرجل ومعشوقته..

- فتُّوحي، إدِّينِي 4000 جنيه

- يا خبر أبيض، ليه؟ دا انا لسه مِدِّيكِي 2000 امبارح.

- عشان خاطري يا روح قلبي.

من أين جاء توحة بكل هذا الورق الذي ينفقه على ......؟

توحة ليس كأي توحة؛ إنه من كبار الموظفين الفسدة في إحدى الوزارات.. مُحاسِبٌ شديد البراعة في الفساد ولا يمكن أن يترك وراءَه أثرًا مهما سرق، كما أنه – فضلة خيرك- مديرٌ تنفيذي فاسد لجمعية أهلية أقامها أحد المحسنين ولا يدري عنها شيئًا لأنه فَوَّضَهُ ونام..

 المهم الآن أنها خلعت قطعة من ملابسها فعانقها وقَبَّلَها، فخلعت الأخرى فورًا، وإذ لم يتمالك نفسه أسرع يَدُسُّ يدَه في جيبه وأخرج منه خمسة آلاف جنيه، ثم تَوَجَّه إلى مكتبه موتورًا ليغلق النافذة ويرد الباب؛ أما الأنثى اللعوب فقد أخرجت من الثلَّاجة علبة بلاستكية بيضاء غير شفافة كانت قد وضعت فيها البقشيش الذي ادخرته على مدار أسبوع.

ضمت البقشيش إلى المبلغ الذي أخذته للتَّوِّ من المدير العاشق، وبدأت تعد أوراق البنكنوت، حتى إذا بلغت سبعة آلاف جنيه بما يعادل راتب موظف الدرجة الثانية لفت الأوراق بعناية لتضعها في حقيبة اليد.. كل هذا ودكتور الأدب المقارن يواجه دهشته فاغرًا فاه كمن لم يفهم الدنيا ذات يوم.

- يَلَّا يا روحي عشان محتاج حضنك الليلة.

- طب ومراتك مش هتقُولَّك اتأخرت ليه؟

- أعوذ بالله، افتكري حاجة عِدلَة.. أنا قايل لها إني هتأخر الليلة دي، وتبقى تتعشى هي والعيال وتنيمهم.

همس الدكتور قائلًا: إخص، الله يخيبك، زوج ورب أسرة وبتخون مراتك؟؟..

 اكتَنَفَهُ شعورٌ بالخزي وتذكر أنه منذ قليل كان سيفعل نفس الشيء، وفيما كان يعض على شفتيه نادمًا خرج العاشقان متشابكا الأيدي غير مُكْتَرِثَيْنِ لوجوده.. لم يجد لتساؤله عن الحياء معنى، فالأنثى اللعوب لا تعرف الأدب طبعًا، والموظف الفاسد ذو جلدٍ ثخين ولاشك أنه ميت القلب.. القبح سيد الموقف والصفاقة بلا حدود..

مضى العاشقان إلى حيث وكر اللذة، ومضى باحث الأدب إلى بيته مُنْتَوِيًا مصالحة زوجته المخطئة!.. وحين وجدها وأطفاله نائمين في أمان الله رق لهم، ثم انتهز الفرصة فأَعَدَّ قَهْوَتَهُ بِعِنَايَة، ودخل مكتبته عازمًا على استكمال بحثه: بين الأدب والكتب المقدسة.. مَلِك المزابل" بَعْلزَبُول"..

***

قصة: حاتم السروي.

في نصوص اليوم