ترجمات أدبية

هاروكي موراكامي: مع الخنافس

بقلم: هاروكي موراكامي

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

ما وجدته غريبا في التقدم بالسن، ليس أنني كبرت. ليس أن شبابي في الأزمنة الماضية، وبدون أن أنتبه، قد هرم. ما فاجأني على غفلة مني، هو كيف أن الناس المنتمين، لنفس الجيل الذي أنتمي له، أصبحوا طاعنين بالعمر، وكيف أن الفتيات الرائعات والجميلات اللواتي كنت أعرفهن أصبحن الآن كبيرات بما فيه الكفاية ولديهن عدة أحفاد. وهذا محبط قليلا - حتى أنه محزن. ولكنني لم أشعر بالحزن من واقعة التقدم بالعمر. وأعتقد أن ما يجعلني حزينا حيال الفتيات اللواتي عرفتهن وتقدمن بالعمر أن ذلك يجبرني على الاعتراف، مجددا، أن أحلام فترة الشباب تلاشت إلى الأبد. بطريقة من الطريق موت حلم محزن أكثر من حلم كائن حي. هناك فتاة - أقصد امرأة كانت فتاة - وأتذكرها جيدا. ولكن لا أعرف اسمها. ومن الطبيعي أنني لا أعرف أين هي الآن، أو ماذا تفعل. ما أعرفه عنها أنها كانت في نفس المدرسة الثانوية التي أنا فيها، وكانت معي بنفس الصف (لأن الشارة المثبتة على قميصها لها نفس لون شارتي)، وكانت تحب الخنافس فعلا. كان هذا في عام 1964، في ذروة الهوس بالخنافس. كان الوقت في بواكير الخريف. وقد بدأ الفصل الدراسي الجديد وبدأ الروتين يأخذ مجراه. كانت مسرعة في الصالة المعتمة والطويلة من المبنى القديم للمدرسة، وتنورتها ترفرف. وكنت أنا الشخص الآخر الوحيد هناك. وكانت تضغط على صدرها قرصا موسيقيا كاملا LP كأنه شيء ثمين. وكان القرص هو "مع الخنافس". ويحمل صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود، تمثل الخنافس الأربعة وهم في الظل تقريبا. ولسبب ما، ولا أعلم بالتأكيد لماذا، أتذكر بوضوح أنه قرص أصلي، النسخة البريطانية من الألبوم، وليس الأمريكية أو اليابانية. كانت فتاة جميلة. على الأقل، بالنسبة لي، كانت تبدو رائعة. ليست طويلة، ولها شعر أسود طويل، وساقان نحيفتان، وعبير محبب. (قد تكون ذاكرة مزيفة، لست أعلم. ربما لم يكن يفوح منها أي عبير. ولكن ذلك ما أتذكره، كما لو أنه، حينما مرت، فاح منها نحوي عطر يغوي ويفتن). وأصبحت تحت رحمة فتنتها - تلك الفتاة الجميلة المجهولة التي تضغط على صدرها "مع الخنافس". بدأ قلبي يدق، وبحثت عن أنفاسي، وبدا كأن الأصوات كلها غابت، كما لو أنني غرقت في قاع بركة. وكل ما أمكنني سماعه صوت جرس خافت يقرع، في أعماق أذني. كما لو أن أحدهم يحاول يائسا أن يرسل لي رسالة مهمة. استغرق ذلك خمسة عشر أو عشرين ثانية فقط. انتهى كل شيء قبل أن أعلم، وبقيت الرسالة الحاسمة هناك، اختفت مثل خلاصة كل الأحلام. صالة ضعيفة الإضاءة في مدرسة ثانوية، فتاة جميلة، وحفيف تنورتها يدور، "مع الخنافس". تلك هي المرة الوحيدة التي رأيت فيها تلك الفتاة. في السنتين الفاصلتين بين تلك الفترة ويوم نهاية دراستي، لم نعبر من أي ممر مجددا. وهذا شيء غريب جدا إذا فكرت فيه. كانت المدرسة التي انتسبت إليها مدرسة عامة كبيرة إلى حد معقول، وتقبع على قمة هضبة في كوبي، وتضم حوالي ستمائة وخمسين تلميذا في كل صف. (كنا ندعى جيل ذروة الإنجاب، ولذلك كان هناك الكثير منا). ولم نكن نعرف بعضنا بعضا. في الحقيقة لم أعرف أو لم أميز أسماء الغالبية العظمى من أولاد المدرسة. ومع ذلك ومنذ أن بدأت الدوام يوميا في المدرسة، وكنت غالبا أمر من ذلك الممر، لفت نظري لدرجة الاستفزاز أنني لم أشاهد تلك البنت الجميلة مرة ثانية. بحثت عنها في كل مرة عبرت فيها من ذلك الممر. هل اختفت، كالدخان؟. أم أنني في ما بعد الظهيرة من الخريف المبكر لم أشاهد شخصا حقيقيا ولكن رؤية من نوع ما؟. ربما بالغت بتصورها في عقلي لحظة أن حاذى الواحد منا الآخر، إلى درجة أنني لو قابلتها فعلا مرة ثانية لن أتعرف عليها؟. (وأعتقد أن الاحتمال الأخير هو المرجح). لاحقا، تعرفت على عدد من النساء، ورافقتهن. وفي كل مرة أقابل بها امرأة جديدة أشعر كأنني أجتهد في اللاشعور على التخلص من تلك اللحظة المذهلة التي مررت بها في ممر المدرسة ضعيف الإضاءة والتي تعود إلى خريف عام 1964. ذلك الترقب الملح والصامت في قلبي، والشعور الخانق للأنفاس في صدري، والجرس الذي يقرع بهدوء في أذني. أحيانا كنت قادرا على استعادة ذلك الشعور، في أحيان غيرها لم أنجح. وفي بعض الأوقات تمكنت من القبض عليه، فقط لأتركه ينزلق من بين أصابعي. وفي كل الحالات كانت العواطف التي اندفعت حينما حصل ذلك قد عادت لتعمل مثل صمام ما اعتدت أن أقيس به كثافة أشواقي. وحينما لا أستعيد ذلك الشعور في العالم الحقيقي، أترك ذاكرتي عن تلك المشاعر لتستيقظ في داخلي بهدوء. بهذه الطريقة، أصبحت الذاكرة واحدة من أهم الأدوات العاطفية الثمينة، وأسلوبا للبقاء. مثل هرة صغيرة دافئة، التفت بنعومة في جيب معطف كبير المقاس، وأسرعت بالنوم.

إلى الخنافس الآن.

أصبح الخنافس مشهورين إلى حد الجنون لأول مرة قبل أن أشاهد تلك الفتاة بعام. وفي نيسان 1964، حصلوا على أول خمس مراتب في القائمة الأمريكية للغناء الفردي. لم تشهد الموسيقا الشعبية شيئا مثل ذلك. وهذه هي الأغنيات الخمسة الأكثر شهرة: 1 لا يمكنك أن تشتري لي الحب 2 ارقص التويست واصرخ 3 إنها تحبك 4 أريد أن أمسك بيدك 5 من فضلك أسعدني. وحصدت الأغنية المنفردة "لا يمكنك أن تشتري لي الحب" أكثر من مليوني طلب شراء وحدها، وهو ما جعلها تكسب مرتبة بلانتيوم مزدوجة قبل توزيع الإسطوانة المسجلة في الأسواق. بالطبع كان الخنافس مشهورين على نحو واسع في اليابان أيضا. افتح المذياع وستكون لديك فرصة للاستماع لأحد أغانيهم. كنت شخصيا أحب أغانيهم وأعرف الأكثر انتشارا. واطلب مني أن أغنيها وسترى أنه يمكنني ذلك. وفي البيت حينما كنت أدرس (أو أتظاهر أنني أدرس)، أترك في معظم الأوقات الراديو تلعلع. ولكن إن شئت الحقيقة لم أكن ضمن حمى عشاق الخنافس. ولم أبحث بجدية عن أغنياتهم. بالنسبة لي كان الاستماع غير متعمد، فالموسيقا الشعبية تتدفق من مكبرات الصوت الصغيرة لراديو الترانزستور باناسونيك، وتدخل من أذن لتخرج من الأخرى، دون أن تخلف أثرا. موسيقا في خلفية أيام مراهقتي ويفاعتي. ديكور موسيقي. وفي أيام المدرسة الثانوية والجامعة، لم أشتر أي إسطوانة خنافس. وكنت أميل أكثر إلى الجاز والموسيقا الكلاسيكية، وهذا ما كنت أستمع إليه إذا ركزت على هواية الموسيقا. وكنت أدخر لشراء تسجيلات الجاز، وأتابع معزوفات مايلز دافيز وثيلونيوس مونك في بارات الجاز، وأحضر حفلات الموسيقا الكلاسيكية. وقد يبدو هذا غريبا، ولكن لم أجلس للاستماع إلى "مع الخنافس" من البداية وحتى النهاية قبل أن أصبحت في منتصف الثلاثينات. ورغم أن صورة الفتاة حاملة تلك الإسطوانة LP في ممر مدرستنا لم تفارقني، لم أشعر لفترة طويلة أنني أريد أن أستمع له فعليا. لم أكن عمليا مهتما بمعرفة أي نوع من الموسيقا محفور في أخاديد قرص الفينيل الذي تمسكت به وضغطته بقوة على صدرها. حينما كنت في منتصف ثلاثيناتي، بعد الطفولة والبلوغ بوقت ملحوظ، كان أول انطباع لي عن الألبوم أنه ليس عظيما، أو على الأقل ليس من نوع الموسيقا التي تحبس الأنفاس. من بين أربع عشرة مادة في الألبوم، كان ست منها لأعمال فنانين آخرين. كانت معزوفات "من فضلك يا ساعي البريد" لمارفيليتس و"ارقص رقصة الرول على أنغام بيتهوفن" لشاك بيري جيدة، وأثرت بي حتى إلى هذا الوقت كلما استمعت إليها، ولكنها مع ذلك هي معزوفات منسوخة. ومن بين الأغاني الأصلية الثمانية ، بغض النظر عن "كل محبتي" لبول، لم أجد شيئا مدهشا. ولم يكن بينها فرديات رائعة، وبالنسبة لسمعي كان أول ألبومات الخنافس "من فضلك أسعدني" مسجلا بنفس واحد، وهو أكثرها حيوية وجاذبية. وعلى الأرجح بفضل رغبة لا تنطفئ أبداها عشاق الخنافس للأغاني الجديدة، احتل هذا الألبوم الثاني لأول مرة المركز رقم 1 في المملكة المتحدة، وهي مرتبة احتلها لواحد وعشرين أسبوعا. (في الولايات المتحدة، تبدل عنوان الألبوم إلى "قابل الخنافس" وتضمن بعض المواد المختلفة، ولكن بقي تصميم الغلاف تقريبا نفسه). وما ورطني كان خيال تلك الفتاة التي تمسكت بالألبوم وكأنه شيء ثمين. لم يسحرني لا الصورة المطبوعة على غلاف الألبوم ولا المشهد بقدر ما فعله خيالها. كانت الموسيقا موجودة بالتأكيد. ولكن هناك شيء آخر، شيء أهم بكثير. وعلى الفور لمس ذلك التابلو قلبي - مشهد روحي لا يوجد إلا هناك، في عمر حرج، ومكان حرج، وفي لحظة معينة من الوقت. بالنسبة لي لم يكن الحادث الأبرز في السنة التالية، 1965، أمر الرئيس جونسون بقصف شمال فيتنام وشن الحرب، ولا اكتشاف نوع جديد من القطط البرية في جزيرة إيريوموتي، ولكن حصولي على صديقة. كانت مثلي في السنة الأولى، ولكن لم نبدأ بالمواعدات حتى حلول العام الثاني. لتلافي أي سوء فهم، أود أن أمهد للموضوع بالقول أننس لست حسن الطلعة، ولم أكن نجما في ألعاب القوة، وعلاماتي في المدرسة أقل من المطلوب. وصوتي في الغناء ينقصه شيء ضروري أيضا، ولا أمتلك طريقة للتعامل مع الكلمات. وحينما كنت في المدرسة، وفي السنوات اللاحقة، لم يكن لدي فتيات تتزاحمن حولي. وذلك شيء من جملة أشياء يمكن أن أقر بها بشكل جازم في هذه الحياة غير الجازمة. هناك أيضا ودائما يوجد على ما يبدو فتاة بالجوار، وتكون لسبب ما منجذبة لي. لم يكن لدي فكرة عن السبب، ولكنني كنت قادرا على الاستمتاع مع تلك الفتيات ببعض الأوقات السعيدة والدافئة. وكنت صديقا جيدا مع بعضهن، وأحيانا تتطور المسألة للمرحلة التالية. والفتاة التي أتكلم عنها هنا واحدة منهن - وهي أول فتاة أقمت معها علاقة حقيقية. أول صديقة لي كانت ناعمة وفاتنة. في ذلك الصيف، رافقتها في مواعيد غرامية، بمعدل مرة في الأسبوع. وفي إحدى الأمسيات قبلتها قبلة بسيطة على كل شفتيها، ولمست صدرها من خلال حمالة ثدييها. وكانت ترتدي ثوبا أبيض بدون أكمام وكان لشعرها شذا شامبو برائحة الحمضيات. وتقريبا لم يكن لديها اهتمام بالخنافس. وكذلك لا تهوى الجاز. وكانت تحب أن تستمع للموسيقا الهادئة، ما يمكن أن تسميه موسيقا الطبقة المتوسطة - أوركسترا مانتوفاني، وبيرسي فايث، وروجير وليامز، وأندي وليامز، ونات كنغ كول، وما شاكل ذلك (في تلك الفترة لم تكن "الطبقة المتوسطة" مصطلحا مشينا على الإطلاق). وتجد أكواما من هذه الأسطوانات في بيتها - وهو ما يصنف اليوم في عداد المعزوفات التي يستساغ سماعها. في عصر ذلك اليوم، وضعت أسطوانة على القرص الدوار في غرفة معيشتها - كان لدى عائلتها جهاز ستيريو ضخم وممتاز - جلسنا على الكنبة الكبيرة والمريحة وتبادلنا القبلات. ذهبت عائلتها إلى مكان ما ولم يبق غيرنا نحن الاثنين. وبصدق في موقف مثله لا أهتم فعليا لنوع الموسيقا التي تعزف. وما أتذكره عن صيف عام 1965 هو ثوبها الأبيض، والشامبو المعطر بنكهة الحمضيات، واللمسة الخشنة لنسيج حمالة ثدييها (حمالة صدر كانت يومها أشبه بقلعة وليس مجرد ثياب داخلية)، و"معزوفة من 'مكان صيفي'" لماكس ستاين بأداء أنيق لأوركسترا بيرسي فايث. وحتى الآن كلما استمعت لــ"معزوفة من 'مكان صيفي' تتجسد تلك الكنبة في ذهني. بالصدفة وبعد عدة سنوات - كما أذكر في 1968 وحوالي نفس توقيت اغتيال روبيرت كنيدي - علق الرجل الذي كان معلم مجموعتنا، حينما كنا في نفس السنة الدراسية، حبلا فوق إفريز الباب وشنق نفسه. كان يدرسنا علوم الاجتماع. وقيل إن مشكلة إيديولوجية هي السبب في انتحاره.

مشكلة إيديولوجية؟.

لكن هذا صحيح - كان الناس في أواخر الستينات ينتحرون أحيانا لأنهم وصلوا إلى جدار إيديولوجي. غير أن ذلك لا يحصل كثيرا. في ما بعد ظهيرة ذلك اليوم كنت أنا وصديقتي نتخبط على الكنبة بحماقة، وفي الخلفية موسيقا بيرسي فايث الجميلة، حينما انتابني شعور غريب حقا وأنا أفكر أن أستاذ الاجتماعيات كان بالتدريج يقترب من درب إيديولوجي مسدود، أو بتعبير آخر، نحو تلك العقدة الضيقة والصامتة من الحبل. حتى أنني أشعر بشيء سيء حيال ذلك أحيانا. من بين كل المعلمين الذين عرفتهم، كان الأفضل. نجاحه أو عدم نجاحه موضوع آخر، ولكنه حاول دائما أن يعامل طلابه بعدل. ومع أنني لم أتكلم معه خارج الصف أبدا، أتذكره بهذا الشكل. ومثل عام 1964 تبين أن عام 1965 سنة الخنافس. فقد أطلقوا في شباط "ثمانية أيام في الأسبوع"، وفي نيسان "تذكرة للسفر"، وفي تموز "ساعدوني"، وفي أيلول "الأمس" - ووصلت كلها إلى قمة المبيعات في الولايات المتحدة. وبدا كأننا نسمع موسيقاهم تقريبا في كل الأوقات. كانت في كل مكان، تحيط بنا، مثل ورق جدران يغطي تماما كل بوصة من الجدران. وعندما لا تعزف موسيقا الخنافس، يحل محلها "(لا أحتمل عدم) الرضا" لرولنغ ستونز، أو "رجل التامبورين" لبايرد أو "فتاتي" لتيمتايشينز، أو "فقدت ذلك الشعور بالحب" لرايتيوس براذرز، أو "ساعديني يا روندا" لبيش بويز. وكان لدايانا روس ولسوبريمز أيضا نجاحات مذهلة، الواحد بعد الآخر. وهكذا انساب تيار مستمر من الموسيقا الرائعة والمرحة من مذياع ترانزستور صغير ماركة باناسونيك أمتلكه. كانت سنة ناجحة حقا في مضمار الموسيقا الشعبية الناجحة. وسمعتها تقول إن أسعد أوقات حياتنا هي الفترة التي تعني فيها الأغاني الشعبية لنا شيئا. ربما هذا صحيح. ولكن في النهاية قد لا تكون الأغاني الشعبية أي شيء غير أنها أغان شعبية. ولعل حياتنا بالإجمال مجرد أشياء تزيينية نتلفها، أو دفقة من لون عائم لا أكثر. كان بيت صديقتي قرب محطة إذاعة كوبي والتي أضبط مؤشر المذياع عليها. وأعتقد أن والدها يستورد، أو ربما، يصدر التجهيزات الطبية. لا أعرف التفاصيل. وعلى كل حال، كان يمتلك شركته، وعلى ما يبدو أنها ناجحة. وكان بيتهم في بستان صنوبريات بجوار البحر. وسمعت أنها بالأساس فيلا صيفية لرجل أعمال وأن عائلتها اشترتها وعدلت طرازها المعماري. كانت أشجار الصنوبر تخشخش مع نسمات البحر. وهو المكان المثالي للاستماع لـــ "معزوفة 'من مكان صيفي'". بعد سنوات تصادف أنني شاهدت في التلفزيون في وقت متأخر من الليل فيلم "مكان صيفي" من إنتاج عام 1959. وهو فيلم هوليوودي نموذجي عن حب الشباب، ومع ذلك كان متماسكا بما فيه الكفاية. وفي الفيلم بستان صنوبريات على شاطئ البحر، يتهادى في نسمات الصيف بالتوقيت مع فقرة البوق في أوركسترا بيرسي فايث. لفت انتباهي مشهد أشجار الصنوبريات ذاك وهي تتهادى في الريح واعتبرته استعارة تدل على رغبة الشباب الجنسية الهائجة. وربما هذا ما فهمته، وهو رأيي الشخصي المنحاز. في الفيلم تكنس رياح جنسية عاتية تروي دوناهو وساندرا دي، وبسببها، يواجهان كل أنواع المشاكل التي يزخر بها العالم الحقيقي. ويتبع سوء التفاهم المصالحة، وتزول العقبات مثل تبدد الضباب، وفي النهاية يلتقي الاثنان ويتزوجان. في هوليوود الخمسينات، تفترض النهاية السعيدة دائما الزواج - التمهيد لجو يمكن للعشيقين أن يمارسا فيه الجنس القانوني. وطبعا لم أتزوج أنا وصديقتي. كنا في المدرسة الثانوية، وكل ما قمنا به هو العناق الأخرق والتخبط على الكنبة بينما "معزوفة من ' مكان صيفي'" تعزف في الخلفية.

قالت لي ونحن على الكنبة بصوت خافت وكأنها تعترف: "هل تعرف هذا؟ أنا من النوع الغيور فعلا".

قلت لها: "حقا؟".

"أردت أن أتأكد أنك تعرف ذلك".

"حسنا".

"أحيانا تلحق بك الغيرة ضررا جسيما".

لمست بصمت شعرها. في حينها لم أكن قادرا على تخيل الغيرة الملتهبة، وماذا يسببها، وإلى ماذا تقود. وكنت مشغولا جدا بعواطفي الشخصية. ملاحظة هامشية. لاحقا تورط تروي دوناهو، ذلك النجم الوسيم الشاب، بتعاطي الكحول والمخدرات، وتوقف عن إنتاج الأفلام، وتحول إلى متشرد لبعض الوقت. وساندرا دي، أيضا، عانت من الكحول. تزوج دوناهو من الممثلة الشعبية سوزان بليشيت عام 1964، وافترقا بالطلاق بعد ثمانية شهور. وتزوجت دي من المطرب بوبي دارين في 1960، وافترقا بالطلاق في 1967. ولكن هذا ليس له علاقة على الإطلاق بقصة "مكان صيفي"، ولا بمصير صديقتي. وكان لصديقتي أخ أكبر وأخت أصغر. الأخت الصغيرة في ثاني سنة من المدرسة الإعدادية، غير أنها أطول من أختها الكبيرة ببوصتين كاملتين. ولم تكن ظريفة المظهر. عدا أنها تستعين بنظارة سميكة. وقالت لي عنها: "إن درجاتها في المدرسة جيدة فعلا". بالمناسبة أعتقد أن درجات صديقتي معتدلة أو متوسطة. على الأغلب مثلي. في إحدى المرات سمحنا لأختها الصغيرة أن ترافقنا إلى السينما. وكان لدينا سبب لذلك. الفيلم هو "صوت الموسيقا". ازدحمت الصالة، وتوجب علينا الجلوس على مقربة من الصف الأول، وأتذكر أن شريط الفيلم كان 70 مم. فيلم ملأ الشاشة العريضة، ولذلك آلم التحديق عيني. ومع ذلك أغرمت صديقتي بأغاني الفيلم. واشترت الشريط المسجل للموسيقا التصويرية LP، وكانت تستمع إليه باستمرار. أما أنا فقد كنت أفضل النسخة السحرية من "أشيائي المفضلة" لجون كولتراين، وتوقعت أن الكلام بهذا الموضوع معها لا يجدي، ولذلك لم أذكر أي شيء عنه. ولم يكن يبدو أن أختها الصغيرة تحبني كثيرا. وكلما تقابلنا ترمقني بعينين غريبتين، محرومتين من العاطفة تماما - كما لو أنها تحكم على صلاحية سمكة مجففة موجودة في مؤخرة الثلاجة. هل تؤكل أم لا. ولسبب ما، تشعرني تلك النظرة على الدوام بالذنب. وحينما تنظر إلي، يبدو أنها تتجاهل المظهر (وبالتأكيد لم يكن هناك ما يستحق المشاهدة)، وكأنه يمكنها رؤية ما بداخلي حتى أعماقي. وربما شعرت ذلك الشعور لأنه بالفعل يتراكم في قلبي الخزي والذنب. أما شقيق صديقتي فهو أكبر منها بأربع سنوات، ولذلك كان على الأقل في العشرين من عمره. ولكنها لم تقدمه لي، ولم تذكره إلا لماما. وإذا دخلنا بالصدفة في محادثة، سرعان ما تبدل الموضوع بمهارة. ويمكنني الآن أن ألاحظ أن موقفها غير طبيعي قليلا. غير أنني لم أفكر به كثيرا. وكنت غير مهتم بعائلتها. وما جذبني إليها أقرب إلى العارض الملح. وقد قابلت أخاها وتكلمت معه لأول مرة قرابة نهاية خريف عام 1965. في ذلك الأحد، ذهبت إلى بيت صديقتي لأخرج معها. قرعت الجرس مرارا وتكرارا، ولم يرد أحد. وقفت لحظة، وعاودت قرعه، ثانية وثالثة، حتى سمعت في النهاية صوتا يتململ ببطء ويأتي نحو الباب. كان الشقيق الأكبر لصديقتي. وهو أطول مني بقليل وأكثر وزنا بقليل. ليس رشيقا ولكنه أقرب لرياضي، ولسبب ما، لم يمكنه التدرب لبعض الوقت ولذلك زاد وزنه عدة أرطال، دهون مؤقتة فقط. له كتفان عريضان، ونسبيا رقبة طويلة ونحيفة. كان شعره مشوشا، ومبعثرا، كما لو أنه استيقظ لتوه. وكان يبدو قاسيا وخشنا، وكذلك كأنه تمهل على تشذيبه لما يزيد عن أسبوعين. وكان يرتدي بلوزة ذات ياقة زرقاء من نمط عمال البحر، والرقبة مفتوحة، وتجمع عرق رمادي حول الركبتين. وكان مظهره بالعكس تماما من مظهر صديقتي - فهي متأنقة ونظيفة وجاهزة دائما. طرف بعينيه أمامي لبعض الوقت، مثل حيوان بليد زحف بعد قيلولة طويلة ليكون تحت الشمس. وقبل أن أنطق بكلمة قال: "أخمن أنك... صديق سايوكو؟". ثم نظف حنجرته. وكان صوته ناعسا، ولكن شعرت بشرارة في نغمته.

قلت: "صحيح". ثم قدمت نفسي: "كان المفروض أن أتواجد هنا في الحادية عشرة".

قال: "لكن سايوكو ليست هنا حاليا".

قلت مكررا كلماته: "ليست هنا".

"خرجت إلى مكان ما. وهي ليست في البيت".

"ولكن المفروض أن آتي ونخرج معا اليوم في الحادية عشرة".

قال: "هل اتفقتما على هذا؟". ورفع نظره إلى جدار بجواره، كأنه ينظر إلى ساعة جدارية. ولم يكن هناك ساعة، فقط طلاء الجدار الأبيض. ثم مضطرا أعاد نظرته نحوي قائلا: "ربما. ولكنها في الحقيقة ليست في البيت".

لم يكن لدي فكرة عما يجب أن أفعل. وكذلك أخوها كما هو واضح. ومنحني تثاؤبة واسعة ثم حك مؤخرة رأسه. وكل أفعاله كانت بطيئة ومخططا لها. ثم قال: "لا يبدو أنه يوجد أحد في البيت الآن. حينما استيقظت منذ قليل لم أجد أحدا في البيت. لا بد أن الجميع خرجوا. ولا أعلم إلى أين".

لم أنطق بكلمة.

"ربما خرج والدي ليلعب الغولف. ولا بد أن الأختين خرجتا بحثا عن التسلية. ولكن خروج أمي أيضا غريب قليلا. فذلك لا يتكرر كثيرا".

منعت نفسي من التكهن. فهذه ليست عائلتي.

فقال: "لكن إذا وعدتك سايوكو بالتواجد، أنا متأكد أنها ستعود سريعا. لم لا تتفضل بالدخول لتنتظر؟".

قلت له: "لا أريد أن أضايقك. سأتسكع في مكان ما لبعض الوقت ثم أعود".

قال بحزم: "كلا. أنت لا تضايقني. ما يضايقني أكثر أن يرن الجرس مجددا ويتوجب علي المجيء لأفتح الباب. هيا ادخل".

لم يكن أمامي خيار، لذلك دخلت، فقادني إلى غرفة المعيشة. غرفة المعيشة بالكنبة التي تخبطنا عليها أنا وهي في الصيف. جلست عليها، وتراخى شقيق صديقتي في مقعد بمسندين بمواجهتي. ومجددا أطلق تثاؤبة طويلة. سألني مرة ثانية كأنه يريد أن يتأكد: "أنت صديق سايوكو، أليس كذلك؟".

أعطيته نفس الجواب السابق قائلا: "هذا صحيح".

"لست صديق يوكو؟".

نفيت بهزة من رأسي. كانت يوكو أختها الصغيرة والأطول.

سألني ونظرة فضول في عينيه: "هل تستمتع بمرافقة سايوكو؟".

لم أعرف كيف أرد، لذلك لزمت الصمت. فجمد في جلسته هناك بانتظار جوابي. في النهاية وجدت ما آمل أنها الكلمات الصحيحة فقلت: "رفقتها مسلية. نعم".

"مسلية ولكنها غير ممتعة؟".

تعثرت كلماتي وأنا أقول: "لا، ليس هذا ما أعنيه...".

قال: "لا تهتم. المتعة أو التسلية - لا فرق بين الاثنين، كما أفترض. والآن هل تناولت إفطارك؟".

"تناولته، نعم".

"سأهيئ بعض الخبز المحمص. هل أنت متأكد أنك لا تريد قطعة؟".

أجبته: "كلا. أنا على ما يرام".

"ما رأيك بقهوة؟".

"أنا على ما يرام".

كان بمقدوري تقبل بعض القهوة، ولكنني ترددت بالتورط أكثر مع عائلة صديقتي، وبالأخص أنها ليست في البيت. فوقف بدون أي كلمة وغادر الغرفة. بعد فترة سمعت قرقعة الأطباق والأكواب. انتظرت هناك على الكنبة وحدي، جالسا بظهر منتصب وبتهذيب، يداي على حضني، بانتظار عودتها من المكان الذي هي فيه. وكانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة وخمس عشرة دقيقة. نقبت في ذاكرتي لأرى إذا اتفقنا فعلا على المجيء في الحادية عشرة. ولكن مهما فكرت بالموضوع أتأكد أنه التاريخ والوقت الصحيح. فقد تكلمنا بالهاتف في الليلة السابقة، وأكدت المسألة. وهي ليست من النوع الذي ينسى أو يخلف وعده. وكان شيئا غريبا أن تغادر هي وعائلتها في صباح يوم الأحد، وأن يتركوا وراءهم أخاها الأكبر وحيدا. جلست هناك بصبر محتارا من كل شيء. مر الوقت ببطء موجع. سمعت الصوت القادم أحيانا من المطبخ - فتح الصنبور، قرقعة ملعقة تحرك شيئا، صوت فتح وإغلاق خزانة. كان يبدو أن الأخ من النوع الذي يتسبب بالضجة. مهما فعل تأتي أصوات مستمرة وهذا هو حاله. لم تكن الرياح تهب في الخارج، الكلاب لا تعوي. ومثل وحل غير مرئي، زحف الصمت بإصرار في أذني وأغلقهما. وتوجب علي أن أبلع عدة مرات لأفتحهما. القليل من الموسيقا تحسن الجو. "معزوفة من 'مكان صيفي'"، "نبات الإيدلويس"، "نهر القمر" - أي شيء. لم أكن انتقائيا. أي موسيقا فقط. ولكنني لم أتمكن من لمس الاستيريو في بيت شخص آخر بدون إذن. تلفت حولي بحثا عن شيء أقرأه، ولكن لم أجد أي جريدة أو مجلة. بحثت عما يوجد في حقيبة حملتها على كتفي. تقريبا أحمل في الحقيبة دائما كتابا بغلاف ورقي للقراءة، ولكن ليس في ذلك اليوم. كنت أنا وصديقتي كلما خرجنا بموعد تعارف، نتظاهر غالبا أننا في طريقنا إلى المكتبة للدراسة، ولذلك أضع في حقيبتي كتبا مدرسية لتأكيد مزاعمي. مثل مجرم مبتدئ يرتب قرينة حمقاء. والكتاب الوحيد في حقيبتي في ذلك اليوم كان كراسا داعما لكتب المدرسة وهو "اللغة والأدب اليابانيان". سحبته مضطرا وبدأت أقلب في صفحاته. لا يمكنك أن تضعني بين القراء الذين يهتمون بالكتاب على نحو ممنهج وحاذق، ولكنني أقرب إلى النوع الذي يصعب عليه تمرير الوقت بدون شيء للقراءة. ولا أستطيع الجلوس بهدوء وصمت. وعلي دائما تقليب صفحات كتاب أو الاستماع لموسيقا، هذا أو ذاك. وإذا لم أجد كتابا بمتناول اليد، أسحب أي مطبوعة كانت. أقرأ دليل الهاتف، أو دليل تعليمات مكواة بخارية. وبالمقارنة مع ذلك النوع من مواد القراءة، يكون الكراس الداعم لكتاب اللغة اليابانية خيارا أفضل. قلبت عشوائيا في قصص ومقالات الكتاب. عدة مواد كانت لكتاب أجانب، ولكن أغلبها لكتاب يابانيين حديثين ومعروفين - راينوسوك أكوتاغاوا، جونشيرو تانيزاكي، كوبو آبي، وأمثالهم. وكانتةبعض الأسئلة تأتي في عقب كل عمل - جميع المقتطفات باستثناء عدد قليل من القصص القصيرة جدا. ومعظم هذه الأسئلة بدون معنى تماما. ورغم هذه الأسئلة عديمة المعنى من الصعب (أو من المستحيل) أن تحدد على نحو منطقي إذا كان الجواب صحيحا أو لا. وأشك أن الذي وضع الأسئلة، أيا كان، يمكنه أن يحدد. يمكنك أن تقترح أي جواب على أشياء مثل "ماذا يمكنك أن تفهم من هذه الفقرة عن موقف الكاتب من الحرب؟، أو متى وصف المؤلف لصق وخفوت القمر، وما هو نوع الأثر الرمزي المعطى؟". إذا قلت إن صفة لصق وخفوت القمر ببساطة مجرد وصف للصق وخفوت القمر، ولا يوجد وراءه معنى رمزي، لا يستطيع أحد على وجه اليقين أن يقول إن إجابتك خاطئة. بالطبع يوجد جواب معقول نسبيا، ولكن لا أعتقد أن إعطاء جواب معقول نسبيا هو الهدف من دراسة الأدب. وحسب الإمكان قتلت الوقت بمحاولة التوصل إلى جواب عن كل هذه الأسئلة. وفي معظم الحالات قفز إلى الذاكرة - في دماغي، والذي لا يزال ينمو ويتطور، وهو يكافح يوميا للوصول إلى نوع من الاستقلال النفسي - نمط من الأجوبة غير المنطقية نسبيا ولكن غير الخاطئة بالضرورة. وربما بسبب ذلك الحال أتت علاماتي في المدرسة غير مدهشة. عاد شقيق صديقتي إلى غرفة المعيشة وأنا أتابع ذلك. شعره لا يزال مبعثرا بكل الاتجاهات، ولكن ربما لأنه تناول إفطاره، لم تعد عيناه ناعستين كالسابق. وبيده كوب أبيض كبير، بصورة جانبية لطائرة ألمانية ذات جناحين من أيام الحرب العالمية الأولى، ولها مدفعان أمام المقدمة. لا بد أنه كوبه الخاص، ولم يكن بمقدوري أن أتخيل صديقتي تشرب من كوب مثله.

سألني: "هل بالفعل لا ترغب بالقهوة؟".

حركت رأسي قائلا: "كلا. أنا على ما يرام. حقا".

كانت فتات الخبز ملتصقة على بلوزته، وعلى بقع متعرقة حول ركبتيه أيضا. ربما كان جائعا وابتلع الخبز المحمص بدون انتباه للفتات الذي تناثر في كل مكان. وكما أتصور ذلك يقلق صديقتي، فهي دائما شديدة الترتيب والأناقة. وكنت شخصيا أحب أن أكون مرتبا وأنيقا، وهي صفة مشتركة بيننا وأحد أسباب انسجامنا كما أظن. رمى أخوها نظرة نحو الجدار. كانت توجد ساعة عليه، وعقرباها يشيران إلى الحادية عشرة والنصف تقريبا.

قال: "لم تعد. أليس كذلك؟ إلى أي جحيم يمكنها أن تذهب؟".

لم أنطق بكلمة للرد.

"ماذا تقرأ؟".

"ملحق توضيحي لكتاب اللغة اليابانية".

قال وهو يميل برأسه قليلا: "همم. هل يسلي؟".

"ليس تماما. ليس لدي شيء آخر للقراءة".

"هل يمكنك أن تطلعني عليه؟".

قدمت له الكتاب من فوق الطاولة المنخفضة. أخذه بيمناه وكوب القهوة بيسراه، وخشيت أن تسيل القهوة عليه، وبدا أن هذا وشيك الحدوث، لكنه لم يفعل. طرق كوبه على زجاج سطح الطاولة، وقبض على الكتاب بكلتا يديه وبدأ يقلب فيه.

سألني: "ماذا كنت تقرأ فيه؟".

"حاليا كنت أقرأ قصة 'الأقراص الدوارة' لأكوتاغاوا. هناك مقطع من القصة فقط، وليس كلها".

فكر بالموضوع وقال: "' الأقراص الدوارة' لم أقرأها أبدا. ولكن قرأت قصته 'كابا' منذ فترة طويلة. ألا ترى أن 'الأقراص الدوارة' قصة قاتمة جدا؟".

"نعم. فقد كتبها قبل موته بقليل". تناول أوكوتاغاوا جرعة زائدة حينما بلغ الخامسة والثلاثين. ويذكر الدليل الإرشادي للقراء أن "الأقراص الدوارة" نشرت بعد موته عام 1927. وكانت القصة تقريبا وصيته الأخيرة وآخر اعتراف منه.

قال أخ صديقتي: "هممم. هل تعتقد أنك مستعد لتلاوتها لي".

نظرت إليه بدهشة قائلا: "هل تعني أن أقرأها بصوت جهوري؟".

"نعم. أحببت دائما أن يقرأ لي الآخرون. ولكنني لست قارئا جيدا بنفسي".

"أنا لست قارئا جيدا بصوت مسموع".

"لا بأس. لا يتوجب عليك أن تكون قارئا متمرسا. فقط اقرأها بالترتيب، وهذا شيء جيد. أقصد لا يبدو أن لدينا شيئا آخر نفعله".

قلت له: "مع ذلك هي قصة عصابية ومقلقة جدا".

"أحيانا أحب أن أستمع لذلك النوع من القصص. كأنك تقاوم الشر بالشر".

أعاد لي الكتاب، ورفع كوب القهوة مع صورة الطائرة ذات الجناحين وصلبانها الحديدية، وأخذ رشفة. ثم غاص في كرسيه ذي المساند، بانتظار بداية القراءة. وأنهيت يوم الأحد ذاك بقراءة فقرة من "الأقراص الدوارة" لأكوتاغاوا على مسمع من شقيق صديقتي الكبير والغريب. في البداية مضطرا، ولكن سريعا تحمست للمهمة. كان في ملحق القراء المقطعان الأخيران من القصة - "الأضواء الحمر" و"الطيارة" - واكتفيت بقراءة "الطيارة". وهي من حوالي ثماني صفحات، وتنتهي بسطر ورد فيه"هل يوجد شخص لديه ما يكفي من القوة ليخنقني في نومي؟". وبعد كتابة هذا السطر قتل أكوتاغاوا نفسه. حين أنهيت القراءة لم يرجع أحد إلى البيت. لم يرن الهاتف، ولم يرفع ديك صوته في الخارج. وخيم الصمت على كل الأرجاء. أضاءت شمس الخريف غرفة المعيشة من وراء دانتيل الستائر. وشق الوقت طريقه إلى الأمام ببطء ولكن بثبات. جلس شقيق صديقتي هناك، وعقد ذراعيه، وأغلق عينيه، كأنه يحفظ في ذاكرته السطور الأخيرة التي قرأتها وهي: "ليست لدي القوة لأتابع مع الكتابة. تعجز الكلمات عن وصف ما أشعر به من ألم في هذه الحياة. هل يوجد شخص لديه ما يكفي من القوة ليخنقني في نومي؟".

سواء كنت تحب الكتابة أم لا، هناك شيء واحد واضح: هذه القصة ليست مناسبة للقراءة في يوم أحد صاف ومشمس. أغلقت الكتاب، واختلست نظرة من الساعة المعلقة على الجدار. كانت الساعة قد تخطت الثانية عشرة.

قلت: "لا بد من وجود سوء تفاهم. يجدر بي أن أنصرف كما أظن". وشرعت بالنهوض عن الكنبة. فقد نقشت أمي في ذهني منذ الطفولة أنه لا يجب أن أزعج الناس في بيوتهم إذا حان وقت تناول الطعام. وفي كل الظروف والأحوال تسلل هذا في كل كياني وأصبح عادة شرطية منعكسة.

سألني أخوها: "تكبدت عناء الطريق، ألا يحسن بك أن تنتظر ثلاثين دقيقة إضافية، وإذا لم ترجع حينها يمكنك أن تنصرف؟".

كانت كلماته جازمة لحد غريب، فجلست وأسدلت يدي في حضني ثانية. فأضاف بنغمة تدل على التأثر الصادق: "أنت ماهر جدا في القراءة الجهورية. هل أخبرك أحد بذلك؟".

نفيت بحركة من رأسي.

قال: "إن لم تفهم المضمون جيدا، لا يمكنك أن تقرأ كما فعلت معي. ولا سيما الفقرة الأخيرة. كان الأداء جيدا".

أجبته كيفما اتفق: "آه". وشعرت باحمرار في خدي قليلا. وبدا الثناء كأنه موجه إلى شخص آخر، ولذلك شعرت بعدم الراحة. ولكن الرسالة التي وصلتني تفترض أنني سأتورط معه بثلاثين دقيقة من الحوار. ويبدو أنه بحاجة لشخص يتكلم معه. وضع كلتا راحتيه أمامه متلاصقتين، كأنه يصلي، ثم فجأة قال: "ربما يكون هذا سؤالا غريبا، هل توقفت ذاكرتك على الإطلاق؟".

"توقفت؟".

"ما أتكلم عنه، أقصد، أن لا تتذكر ابتداء من نقطة وما يليها، على الإطلاق، أين كنت، أو ماذا كنت تفعل".

هززت رأسي قائلا: "لا أعتقد أنني عانيت من ذلك".

"إذا أنت تتذكر تسلسل الوقت وتفاصيل ما تفعل؟".

"إذا حصل شيء في وقت قريب، نعم، يمكنني أن أقول ذلك".

قال "هممم". وحك مؤخرة رأسه دقيقة، ثم تابع: "أفترض أن ذلك طبيعي".

انتظرته ليتابع. فقال: "حقيقة عانيت من تراجع ذاكرتي عدة مرات. مثلا توقفت عن العمل في الساعة 3 بعد الظهيرة، ولم أسترجع ذاكرتي إلا في السابعة مساء. ولم أتذكر أين كنت، أو ماذا فعلت، خلال الساعات الأربعة تلك. ولم يكن ذلك بتأثير يشبه حادثة طارئة وقعت لي. مثلا بعد ضربة على الرأس أو إذا تعتعني السكر أو ما شابه ذلك. كنت أؤدي عملي العادي وبدون سابق إنذار أغلقت الذاكرة بابها وانقطعت. ولا يمكنني أن أتنبأ متى يحدث ذلك. وليس لدي أي علامة تدل على عدد ساعات المعاناة، ولا عدد الأيام، ولا حتى أن ذاكرتي ستتلاشى".

همهمت لأقنعه أنني أتابع كلامه قائلا: "أفهمك".

"تخيل أنك سجلت سمفونية لموزارت على شريط. وكلما عزفته يقفز الصوت من وسط الحركة الثانية إلى وسط الحركة الثالثة، وما يجب أن يكون في الوسط اختفى وحسب. هذا هو الحال. حينما أقول 'اختفى' لا أعني أنه يوجد مسافة صامتة في الشريط. ولكنه ذهب فقط. هل فهمت ما أقول؟".

قلت له بنبرة مترددة: "أعتقد ذلك".

"هذا أمر غير مريح بنظر الموسيقا. ولكنه لا يضر حقا. صحيح؟. وحين يحصل في الحياة الفعلية، يسبب الألم، صدقني... هل تفهم ما أقول؟".

وافقت بهز الرأس.

"تذهب إلى الوجه المظلم من القمر وتعود خاوي الوفاض".

وافقت بحركة رأس مجددا. لم أكن متأكدا تماما أنني رأيت وجه التشابه.

فتابع: "السبب هو اضطراب وراثي، والحالات الحرجة مثلي نادرة جدا. شخص واحد من عشرة آلاف يعانون من هذا الاضطراب. وحتى أنه توجد فروقات بينهم، وهذا أمر طبيعي. في العام الأخير من المدرسة الثانوية، فحصني طبيب أعصاب في مستشفى الجامعة. وقد رافقتني والدتي إلى المستشفى".

التقط أنفاسه ثم أضاف: "بكلام آخر هي حالة يرتبك فيها سياق ذاكرتك. جزء من ذاكرتك يودع في درج خاطئ. ومن المستحيل تقريبا أن تجده ثانية، أو بالفعل هو مستحيل. هكذا فسروا لي الموضوع. أنه ليس نوعا فظيعا ومميتا من الاضطرابات، وأنت لا تفقد فيه عقلك. ولكنه يتسبب بمشاكل في الحياة اليومية. وقد أخبروني باسم هذا الاضطراب وقدموا لي دواء لأتناوله، ولكن لم تفعل الحبوب شيئا. كانت خدعة نفسية".

لزم شقيق صديقتي الصمت لحظة، وهو يراقبني باهتمام ليرى إذا فهمته. كأنه كان خارج البيت ويحدق في الداخل من النافذة. أخيرا قال: "تعرضت لهذه النوبات مرة أو اثنتين منذ عام. لم تتكرر كثيرا، ولكن الموضوع ليس في تواترها. حينما تحصل تسبب مشاكل حقيقية. وحتى لو أن ذلك النوع من فقدان الذاكرة نادر الحدوث هو مزعج جدا، ولا سيما أنك لا تعرف متى يحصل. أنت تفهمني، أليس كذلك؟"

قلت بشكل عابر: "آه ..ها". وما كان بمقدوري إلا أن أتابع حكايته السريعة والغريبة.

سمعته يتابع: "حين يحصل ذلك لي يكون مثل ذاكرة تنقطع فجأة، وخلال تلك الفترة أكون كأنني أحمل مطرقة ضخمة ومستعد لأن أحطم بها رأس شخص ما، شخص لا يعجبني. ولا يمكنك غير التعبير عن ذلك بقولك 'حسنا، هذا شيء غريب'. هل أنا محق؟".

"نعم. معك حق".

"وإذا تدخل الشرطة وقلت لهم 'خلاصة الأمر أن ذاكرتي طارت بعيدا' لن يصدقوا ذلك، أليس كذلك؟".

حركت رأسي بالنفي.

"هناك في الواقع شخصان لا أحبهما أبدا. شابان أمقتهما. والدي أحدهما. ولكن حينما أكون متيقظا لن أضرب رأس والدي بالمطرقة، هل يمكن أن أفعل ذلك؟. يمكنني التحكم بنفسي. إنما حين تغيب ذاكرتي، لا يتبقى عندي إحساس بما أفعل".

قربت رأسي قليلا، دون الإعراب عن أي رأي.

"قال الأطباء إن ذلك لا يشكل أي خطر علي في حال حصوله. حينما تختفي ذاكرتي لا يكون الأمر مثل اختطاف شخص لشخصيتي. ولكنه مثل دكتور جيكل والسيد هايد. أنا نفسي دائما. فقط الجزء المسجل يقفز من وسط الحركة الثانية إلى وسط الحركة الثالثة. ودائما أستطيع التحكم بمن أكون، وأتصرف بشكل طبيعي في معظم الحالات. موزارت لا يتحول فجأة إلى سترافنسكي. موزارت يبقى موزارت - ولكن فقط جزء يختفي في مكان ما من الدرج". وهنا لزم الصمت، وأخذ رشفة من كوب قهوته بطيارته ذات الجناحين، وتمنيت لو بمقدوري الحصول على بعض القهوة.

ثم تابع: "على الأقل هذا ما أخبرني به الطبيب. ولكن عليك أن تحذر مما يخبرك به الأطباء. حينما كنت في المدرسة الثانوية أفزعني، حينما لم أعرف ماذا أفعل، وأنه من الوارد أن أضرب زميلا في الصف بمطرقة على رأسه. أعني حينما تكون في المدرسة الثانوية أنت لا تعرف على وجه الدقة من أنت، صحيح؟. لو أضفت إلى ذلك ألم فقدان الذاكرة، لن تتحمل ذلك".

حركت رأسي بصمت. فقد يكون محقا.

تابع شقيق صديقتي كلامه قائلا: "توقفت تماما عن متابعة الدراسة لتلك الأسباب. وكلما فكرت بالموضوع زادت مخاوفي، ولم أتمكن من ترويض نفسي على الذهاب إلى المدرسة. وشرحت أمي الوضع لمعلمي، ولذلك سمحوا لي بالتغيب كثيرا، واستثنوني من الدوام، وسمحوا لي بالنجاح. وأتخيل أن المدرسة أرادت التخلص من مشكلة طالب مثلي بقدر ما تستطيع. غير أنني لم أنتسب إلى الجامعة. ولم تكن درجاتي سيئة جدا، وكان بمقدوري الانتساب إلى كلية ما، مع ذلك فقدت الثقة على الخروج. ومنذئذ أرواح بمكاني في المنزل. أو أرافق الكلب بنزهة، وسوى ذلك نادرا ما أغادر البيت. في هذه الأيام لا أشعر بالفزع أو ما شيء من هذا القبيل. وإذا هدأت الأمور قليلا أعتقد أنني قد أعود للدوام في إحدى الجامعات".

ثم لزم الصمت، واستمر صامتا. ولم يكن عندي فكرة عما أقول. وأدركت الآن لماذا لم ترغب صديقتي أبدا أن تتكلم عن أخيها.

أخيرا قال: "شكرا لأنك قرأت لي تلك القصة. 'الأقراص الدوارة' ممتازة. هي قصة كئيبة بالتأكيد، لكن لمسني شيء ما في هذا النص. هل أنت متيقن أنك لا تريد أي قهوة؟ لن يحتاج إعدادها أكثر من دقيقة".

"كلا. أنا بخير. فعلا. ومن الأفضل أن أنصرف".

رمق الساعة الجدارية ثانية. وقال: "لماذا لا تنتظر حتى الواحدة. وإذا لم يرجع أحد حتى ذلك الحين، يمكنك أن تغادر. سأكون في غرفتي في الأعلى، وتستطيع أن تجد الباب بنفسك. ولا ضرورة لأن ينتابك القلق مني".

أومأت برأسي. ثم سألني مرة أخرى: "هل مرافقة سايوكو تسلي؟".

وافقت برأسي قائلا: "إنه يسليني".

"كيف؟".

أجبته: "لا أعلم كيف يوجد لديها أمور كثيرة". وأعتقد أنه جواب صادق جدا.

قال وهو يفكر بالموضوع: "هممم. أنت تلفت انتباهي لشيء لم أكن أراه. فهي أختي الصغيرة، وبيننا رابطة دم، نفس المورثات وما شابه ذلك، ونحن نعيش معا تحت نفس السقف منذ ولادتها، ولكن لا يزال حولها أطنان من الأمور التي لا أفهمها. أنا لا أستوعبها - كيف أعبر عن رأيي؟ ماذا يجعلها تلفت النظر؟ ويريحني أنك استطعت أن تفهمها بالنيابة عني. دائما تبقى أشياء من الأفضل أن لا تحاول فهمها". ونهض من الكنبة ذات المسندين وبيده كوب القهوة وهو يقول: "على كل حال ابذل معها جهدك". ولوح بيده الحرة نحوي وغادر الغرفة.

قلت له: "شكرا".

حتى الساعة الواحدة لم تكن هناك علامة تدل على عودة أحد، توجهت بمفردي إلى الباب الأمامي، ارتديت خفي، وغادرت. تجاوزت غابة الصنوبر باتجاه المحطة، وقفزت إلى القطار، وذهبت إلى البيت. كان يوم مساء أحد خريفي يخيم عليه الهدوء على نحو غريب.

تلقيت مكالمة من صديقتي بعد الساعة 2 مساء. قالت فيها: "من المفترض أن تأتي الأحد القادم". لم أقتنع تماما، ولكنها كانت واضحة جدا حيال ذلك، ولعلها محقة. اعتذرت بدماثة لأنني زرتها قبل أسبوع من الموعد المقرر. ولم أذكر لها أنني، حين انتظرت عودتها إلى البيت، دخلت مع أخيها في حوار - ربما "حوار" ليست الكلمة الصحيحة، لأنني أساسا كنت أصغي له فقط. ورأيت أنه من الأفضل أن لا أقول لها أنني قرأت له "الأقراص الدوارة" من تأليف راينوسوك أكوتاغاوا، وأنه اعترف لي بمعاناته من نوبات مرض في الذاكرة. لو أنه لم يخبرها بتلك الأمور، لا يوجد عندي أي سبب لأخبرها أنا.

بعد ثمانية عشر عاما قابلت أخاها ثانية. كان الوقت في أواسط تشرين الأول. وحينها كنت في الخامسة والثلاثين من العمر. أعيش في طوكيو مع زوجتي. وعملي يشغلني ونادرا ما أعود إلى كوبي. وكنا في وقت متأخر من بعد الظهيرة. وأنا أصعد سفوح هضبة في شيبويا لاستعادة ساعة يد تركتها للصيانة. وكنت أشق طريقي مستغرقا بالتفكير، حينما مررت برجل فالتفت نحوي وقال لي: "عذرا". كانت له لهجة كانساي لا يخطئها السامع. توقفت، والتفت إلى الخلف، فرأيت رجلا لم أعرفه. كان يبدو أكبر مني بقليل، وأطول بقليل، ويرتدي سترة سميكة من التويد الرمادي، وبلوزة من الكشمير كريمية اللون بياقة ملتفة حول رقبته، وسروالا بنيا من القطن. كان شعره قصيرا، وببنية مشدودة كرياضي وببشرة برونزية عميقة اللون (كأنها برونز الغولف). ولكن ملامحه غير نقية ومع ذلك لا تزال جذابة. أفترض أنه وسيم. تشكل عندي إحساس أنه رجل سعيد مع زوجته. حسب ظني شخص جيد النشأة. قال: "لا أتذكر اسمك. ولكن ألم تكن صديق شقيقتي الصغيرة لبعض الوقت؟".

تأملت وجهه مجددا. إنما لم أتذكره.

قلت له: "أختك الصغيرة؟".

قال: "سايوكو. أعتقد أنكما كنتما في نفس الصف في المدرسة الثانوية".

استقرت عيناي على بقعة صغيرة من معجون البندورة على بلوزته ذات اللون الكريمي من الأمام. كان متأنقا بملبسه، وأتت تلك البقعة الصغيرة كأنها من خارج السياق. ثم انبثقت الذكرى - الأخ ذو العينين الناعستين والبلوزة الزرقاء ذات القبة المرتخية المرشوشة بفتات الخبز.

قلت له: "أتذكرك الآن. أنت أخ سايوكو الأكبر. تقابلنا مرة في بيتك، أليس كذلك؟".

"أنت على صواب. وقرأت لي 'الأقراص الدوارة' لأكوتاغاوا".

ضحكت قائلا: "يدهشني أنك عرفتني في هذا الزحام. مع أننا التقينا مرة فقط منذ فترة بعيدة".

" أنا لا أنسى الوجوه ولا أعلم لماذا. أضف لذلك لا يبدو أنك تغيرت على الإطلاق".

قلت: "أما أنت فقد تبدلت كثيرا. تبدو مختلفا جدا الآن".

قال وهو يبتسم: "حسنا - يوجد الكثير من الماء تحت الجسر. كما تعلم الأمور تعقدت معي جدا لبعض الوقت".

سألته: "وكيف أحوال سايوكو".

ألقى نظرة مضطربة على أحد الجوانب، وحبس نفسه ببطء، ثم أطلق أنفاسه كأنه يقدر كثافة الهواء حوله وقال: "عوضا عن الوقوف هنا في الشارع، لماذا لا نذهب إلى مكان ما حيث يمكننا الجلوس والكلام؟. إن لم تكن مشغولا أفضل ذلك".

قلت له: "لا يوجد عندي شيء ملح".

قال بهدوء: "سايوكو رحلت". كنا بقرب مشرب قهوة، جلسنا حول طاولة متقابلين.

"رحلت؟".

"ماتت. منذ ثلاث سنوات".

لم أرد. شعرت كأن لساني انتفخ داخل فمي. حاولت أن أبتلع اللعاب الذي تراكم، ولم أستطع. آخر مرة رأيت سايوكو كانت بعمر عشرين عاما وللتو حصلت على رخصة قيادة السيارة، وقادتنا نحن الاثنين إلى قمة جبل روكو في كوبي، على متن تويوتا كراون بيضاء ذات سقف ثابت وتعود ملكيتها لوالدها. كانت قيادتها لا تزال غريبة قليلا، ولكنها ظهرت متوهجة وهي تقود. وكما هو متوقع كان المذياع يعزف أغنية للخنافس. وأتذكرها جيدا. هي أغنية "مرحبا ووداعا". أنت تقول وداعا، وأنا أقول مرحبا. كما قلت سابقا كانت موسيقاهم حينها في كل مكان. لم أتمكن من استيعاب حقيقة موتها وأنها لم تعد موجودة في هذا العالم. ولست متيقنا كيف أعبر عن ذلك - فقد كان الأمر يبدو سرياليا جدا لي.

سألت بفم جاف: "وكيف... ماتت؟".

قال كأنه ينتقي كلماته بحذر: "انتحرت. حينما بلغت السادسة والعشرين تزوجت من زميل لها عملت معه في شركة التأمينات، وأنجبا ولدين، ثم وضعت حدا لحياتها. وكانت في الثانية والثلاثين فقط".

"تركت وراءها أطفالا".

وافق شقيق صديقتي السابقة برأسه قائلا: "الطفل الأكبر صبي، والأصغر بنت. وزوجها يعتني بهما. حتى أنني أزورهما بين حين وآخر. يا لهما من ولدين رائعين".

لا زلت أواجه المصاعب وأعاني من المتاعب الحقيقية. هل حقا أن صديقتي السابقة قتلت نفسها، وتركت وراءها ولدين صغيرين؟.

سألته: "ولماذا انتحرت؟".

هز رأسه. ثم قال: "لا أحد يعلم لماذا. لم تكن تتصرف كما لو أنها مضطربة أو كئيبة. كانت موفورة الصحة، والأمور تبدو جيدة مع زوجها، وكانت تحب طفليها. كما أنها لم تترك خلفها رسالة أو أي شيء. ولكن وصف لها طبيبها حبوبا منومة، فجمعتها وتناولتها دفعة واحدة. ولذلك يبدو أنها خططت لقتل نفسها. أرادت أن تموت، ولستة شهور راكمت الدواء بالتدريج. هذا يعني أن نهايتها ليست من جراء اندفاعة مفاجئة".

لزمت الصمت لبعض الوقت. وهكذا فعل هو. وضاع كل واحد منا في أفكاره. في ذلك اليوم، في مقهى يتربع على قمة جبل روكو، انفصلنا أنا وصديقتي. كنت أداوم في جامعة طوكيو ووقعت بغرام بنت هناك. فأتيت إلى صديقتي مباشرة واعترفت لها بذلك، فلم تنطق بكلمة، وحملت حقيبتها، ونهضت، وهرولت خارج المقهى، بدون أن تنظر إلى الخلف. توجب علي أن أركب بالعربة الفضائية من الجبل بمفردي. ولا بد أنها قادت سيارة التويوتا كراون البيضاء تلك عائدة إلى البيت. كان يوم أحد مشمس ورائع، وأتذكر أنني رأيت كل كوبي من نافذة الغوندولا. كان مشهدا مذهلا. ثم انتسبت سايوكو إلى الجامعة، وحصلت على عمل في شركة تأمينات معروفة، وتزوجت من أحد زملائها، وأنجبت ولدين، وأخفت الحبوب المنومة، وأنهت حياتها. كنت سأنفصل عنها عاجلا أو آجلا. ولكن لدي ذكريات حميمة عن السنوات التي أنفقناها معا. كانت صديقتي الأولى، وقد أحببتها حبا جما. وهي من قدم لي معلوماتي عن الجسد الأنوثي. تعرفنا على الكثير من الأشياء الجديدة معا. واشتركنا بأوقات رائعة، وهي ممكنة فقط إذا كنت في سنوات مراهقتك. من الصعب أن أقول هذا الآن، غير أنها لم تلمس الجرس الخاص ولم تلمسه أبدا ليرن في أذني. أصغيت بكل ما أمكنني من قوة، ولكنه لم يرن ولو لمرة واحدة. وهذا مدعاة للأسف. أما البنت التي تعرفت عليها في طوكيو فقد نجحت بذلك أمامي. وهذا شيء لا يمكنك أن تختاره بحريتك، وفق المنطق أو الاستعدادات. إما أن يحصل أو لا يحصل. وإذا حصل، يحصل تلقائيا، في وعيك أو في بقعة عميقة داخل روحك.

قال شقيق صديقتي السابقة: "كما تعلم لم يخطر في ذهني ولا مرة واحدة أن سايوكو قد تنتحر. لو أن كل الناس في العالم مستعدون لقتل أنفسهم كنت أعتقد - وهذا خطأ كما تبين - أنها ستبقى صامدة، حية ومعافاة. لم أستطع أن أرى أنها من النوع الواهم أو من يخفي بقعة مظلمة في داخله. بصدق كنت أتوقع أنها سطحية قليلا. لم أمنحها الكثير من الاهتمام وهذا ينسحب عليها بالنسبة لي، كما أعتقد. ربما لم نكن على نفس طول الموجة. في الواقع كنت منسجما بشكل أفضل مع أختي الأخرى. ولكن الآن أشعر كأنني ارتكبت خطأ فظيعا مع سايوكو، وهذا يؤلمني. ربما لم أعرفها حقا. ولم أفهم أي شيء فيها. وربما كنت مشغولا بحياتي الخاصة. وربما لا يمتلك شخص على شاكلتي الإمكانيات ليحافظ على حياتها، مع ذلك يجب علي أن أتفهم شيئا عنها، حتى لو أنه ليس كثيرا. الآن يصعب تحمل ذلك. كنت لامباليا جدا، ومهتما بنفسي كثيرا".

لم يكن هناك شيء أقوله. وربما لم أفهمها على الإطلاق أيضا. مثله، كنت مشغولا بحياتي الشخصية.

قال شقيق صديقتي السابقة: "في تلك القصة التي قرأتها لي، 'الأقراص الدوارة' لأكوتاغاوا، توجد فقرة عن قبطان يتنفس حينما يكون محلقا في السماء، غير أنه لا يستطيع أن يتنفس الهواء بعد عودته إلى الأرض. يسمون ذلك 'مرض الطائرة'. ولا أعلم إذا كان مرضا حقيقيا أو لا، ولكنني لا زلت أتذكر تلك السطور".

سألته: "هل تغلبت على تلك الحالة التي تغيب فيها ذاكرتك أحيانا؟". أعتقد أنني رغبت بتبديل الموضوع بعيدا عن سايوكو.

قال وهو يضيق عينيه قليلا: "آه. صحيح. ذلك شيء غريب. ولكنه تلاشى بنفس الوقت. فهو اضطراب وراثي كان يتدهور مع الوقت، كما قال الطبيب، ولكنه انتهى واختفى، كما لو أنني لم أكن أعاني منه. كأنه روح شريرة وتم طردها".

قلت له: "يسعدني سماع ذلك". وبالفعل أسعدني ذلك.

قال: "حصل ما حصل بعد لقائنا في تلك المرة بقليل. بعده لم أمر بذلك النوع من فقدان الذاكرة، ولا حتى مرة. شعرت بالهدوء، وأصبحت مستعدا لعبور نصف الطريق إلى جامعة محترمة، وللتخرج، ثم للقيام بأعباء تجارة والدي. وهناك أخذت الأمور منعطفا لعدة سنوات، والآن أعيش حياة طبيعية".

كررت: "أنا سعيد لأنني أسمع ذلك. وهذا يعني أنك لم تضطر لضرب والدك على رأسه بالمطرقة".

قال وهو يضحك بصوت مرتفع: "أنت تتذكر أشياء غبية أيضا. أليس كذلك. كما تعلم لا أحضر إلى طوكيو كثيرا للتجارة، ومن العجيب أن أصادفك هكذا في هذه المدينة العملاقة. ولا يسعني إلا أن أشعر أن شيئا جمعنا معا".

قلت له: "بالتأكيد".

"وماذا عنك؟ هل كنت تعيش كل هذا الوقت في طوكيو؟".

أخبرته: "تزوجت بعد التخرج من الجامعة مباشرة. وكنت أعيش في طوكيو منذئذ. وأكسب قوتي من الكتابة الآن".

"كاتب؟".

"نعم. إلى حد ما".

قال: "حسنا. كنت رائعا بالقراءة الجهورية. ربما ما أخبرك به سيكون عبئا عليك، ولكن أعتقد أن سايوكو دائما كانت معجبة بك وتفضلك على الجميع".

لم أرد. ولم يضف شقيق صديقتي السابقة شيئا. وهكذا ألقينا تحية الوداع. ذهبت لاستعادة ساعتي، التي تمت صيانتها، وانطلق شقيق صديقتي السابقة ببطء نحو أسفل السفوح باتجاه محطة شيبويا. وابتلع قامته بسترة التويد زحام ما بعد الظهيرة. ولم ألتق به ثانية أبدا. ولكن جمعتنا الصدفة مرة ثانية. بعد قرابة عشرين عاما بين اللقائين، في مدينتين تبعد قرابة الواحدة عن الأخرى قرابة مائة ميل، وقد جلسنا، وبيننا طاولة، لنرشف القهوة ونتكلم عن بضعة أمور. ولكنها لم تكن أشياء يحسن التحدث عنها مع القهوة. كان هناك شيء أعمق في كلامنا، شيء يبدو لنا له معنى، ويأخذ مكانه في مسيرة ووقائع حياتنا. مع ذلك لا يزال كل شيء مجرد تلميحات، وفرتها الصدفة. لم يكن هناك شيء يجمعنا بطريقة منظمة وعضوية. (سؤال: ما هي العوامل التي تتوفر في حياة هذين الرجلين ولها قيمة رمزية تظهر من خلال لقائين وحوارين؟).

لم أقابل تلك الفتاة الرائعة ثانية، أيضا، أقصد التي كانت تحمل الشريط الكامل LP " مع الخنافس" . وأحيانا أتساءل - هل لا زالت تسرع بخطواتها في ذلك الممر قليل الإضاءة في المدرسة الثانوية كما حصل عام 1964، وتنورتها ترفرف في الهواء ولها حفيف وهي تسير؟. وهل هي في السادسة عشرة حتى الآن، وتحمل غلاف الألبوم الرائع بصورة نصف مضاءة لجون وبول وجورج ورينغو، وتقبض عليه بقوة كأن حياتها تعتمد عليه.

***

.............................

* ترجمها عن اليابانية فيليب غابرييل

* نشرت في النيويوركير بتاريخ 17 شباط 2020.

هاروكي موراكامي Haruki Murakami كاتب روايات وقصص معاصر من اليابان.

 

في نصوص اليوم