شهادات ومذكرات

علي أسعد وطفة: آداب الزواج وطرائفه عند العرب

"كل ما في المرأة لغز، ولغزها كلمة واحدة، وهذه الكلمة هي الأمومة".. نيتشه

"يختبر الذهب بالنار، والمرأة بالذهب، والرجل بالمرأة".. شيلوت

الأنثى سر الوجود في أعظم تدفقاته الجمالية، وفن العطاء في أروع تجلياته الروحية، هي الحنان الذي تدفق في الكون روحا كونية فأصّل في أعماقنا جوهرنا الإنساني المضمخ بالمعاني السامية للوجود في أرقى دلالاته الإعجازية. إنها معجزة إلهية ارتسمت في صورة الأم والزوجة والأخت والابنة والحفيدة، إنها الوطن الذي فيه انبثقنا ومنه ترجلنا إلى الوجود، وهل هناك أعظم من المرأة لتي تعبق بكل معاني العطاء والسمو والنقاء، أليست هي هدية الله للإنسان والأرض والإنسانية. نعم هي عبق الوجود المتدفق بأريج الحياة لمضمخ بسمو المعاني وعبق الدلالات، نعم هي هبة الله للإنسان والإنسانية، وآية من آيات خلقه العظيم في الكون.

تأمّل العرب في محاسن المرأة، وأجادوا فـي وصفهـا جسداً ونفساً وأخلاقاً، وقدّموا في أدب الطرفة أجمل النوادر الّتي استجمعوا فيها جمال القول وروعة البيان وعبقريّة الاختيار، فقدّموا عبر ذلك كلّه، صورة لسجايا المرأة الأخلاقيّة فيّاضة بأجمل القيم الإنسانيّة كقيم: الحبّ والحنان، والتضحية، والعطـاء، والخلق وهي القيم الّتي تضرب جذورها في طبيعة المرأة، وترتسم في سجلّ فطرتها.

ومن طرائف الجاهليّين في وصف ذكاء المـرأة وأخلاقهـا مـا رواه العتبـيّ يقول: رأيت امرأة أعجبتني صورتها: فقلت لها: ألك زوج؟ … قـالت لا؛ قلـت: أفترغبين في الزواج؟ قـالت: نعـم ولكـن لـي خصـلـة لا أظنّـك ترضاها؛ قلت: وما هي؟ قالت بياض برأسي؛ قال: فثنيـت عنـان فرسـي وسرت قليلاً. فنادتني قائلة: أقسمت عليك لتقفن.. ثمّ أتت إلى موضع خـالي، فكشفت عن شعرها وكأنّه العناقيد...وقالت واللّـه مـا بلغـت العشـرين ولكنّي عرفتك أننا نكره منك ما تكره منّا. قال: فخجلت. .ثمّ سرت وأنا أردد:

فجعلت أطلب وصلها بتملّق *** والشيب يغمزها بألّا تفعلي.

وإذا كانت العزّة والرقّة والبراءة هي السمات الأخلاقيّة الّتـي عـرفت فيها المرأة في الجاهليّة، فإنّ أدبيّات الإسلام السامية أكّدت دائمـاً عـلى أهمّيّة الجانب الأخلاقيّ والنفسيّ في صفات المرأة الصالحة. وقـد جـاء فـي الحديث النبويّ الشريف: تزوّجوا الودود الولود فإنّني مفـاخر بكـم الأمـم. والودود هنا سمة نفسيّة تترجم بمعنى المودّة والحبّ وهي هنا تضاهي من حيث الأهمّيّة خاصّة الإنجاب عند المرأة وتتقدّمها في سياق الحديث النبـويّ عـلى الرغم من الأهمّيّـة الكبـيرة الّتـي يولّيهـا الإسلام لقـدرة المـرأة عـلى الإنجاب والّتي أرادها النبيّ (صلى) الكريم وحض عليها من أجل المفـاخرة بأمّة العرب والإسلام. فالمودّة والمحبّة عند الإناث خاصّة أساسيّة هامّـة في التراث الإسلاميّ وهي خاصّة خلقيّة ونفسيّة في آن واحد.

ومن الطرائف الإسلاميّة ما تصف به امرأة أسرار الحفـاظ عـلى جمالهـا، وذلك حين سئلت إعرابيّة متقدّمة في السنّ، وقد احتفظت بنضارة شبابها وروعة جمالها وبهاء منظرها: أيّ موادّ التجميل تستعملين فأجابت: - استخدم لشفتي الحقّ... ولصوتي الصلاة ... ولعيني الرحمة...وليدي الإحسان ... ولقوامي الاستقامة ... ولقلبي الحبّ (1).

وجاء في البيان النبويّ " تنكح المرأة لمالها ولحسبها ولجمالهـا ولدينها فاظفر بذات الدين تربّت يداك (أخرجه البخـاريّ ومسـلم ). وإذا كان البيان النبويّ يؤكّد أهمّيّة الخصـائص الأربعـة فـي المرأة: المال والحسن والحسب والدين فإنه النـصّ النبـويّ يفضّـل خاصّـة التديّن في المرأة والتديّن هنـا يعنـي اعتنـاق المـرأة منظومـة الأخـلاق الإسلاميّة الّتي تتجسّد في قيـم الإسلام. وبعبـارة أخرى فإنّ الجـانب الأخلاقيّ بمضمونه السـيكولوجيّ كمـا يبـدو هنـا يتقـدّم عـلى الجـوانب الثلاثة الأخرى كالمال والحسب والجمال.

وتقبض أدبيّات الإسلام بأحاديث ومواقف تؤكّد جميعها عـلى الجـانب الخلقيّ - النفسيّ في المرأة. وقد جاء في التراث النبـويّ أن " لا تزوّجـوا النساء لحسنهنّ، فعسى حسنهنّ أن يردّيهنّ. ولا تزوّجوا النساء لأموالهنّ، فعسى أموالهنّ أن تطغيهنّ، ولكن تزوّجوهنّ عـلى الـدين، (طارق إسماعيل كاخياً). وهنا أيضـاً نجـد بـأنّ الإسلام يؤكّد أفضليّة المرأة الأمّة ذات الخـلق والـدين عـلى المـرأة الغنيّـة والجميلة، وفي ذلك عمق سيكولوجيّ وأخلاقيّ بالغ العظمة والدلالة.

جاء في الحديث النبويّ الشريف:" من تزوّج امرأة لعزّهـا لـم يـزده اللّه إلّا ذلّاً. ومن تزوّج امرأة لمالها لم يـزده اللّـه إلّا فقـراً. ومـن تزوّجها لحسنها لم يزده اللّه إلّا دناءة. ومن تزوّج امرأة، ولـم يـردّ بهـا إلّا أن يغضّ بصره ويحصّن فرجه أو يصل رحمه بارك اللّه فيها، وبارك اللّه فيه. (طارق إسماعيل كاخياً). وتفيض دلالة الجانب الأخلاقيّ فـي الأحاديث النبويّة الكريمة فالأدب والخلق والدين هي الخصائص الحـميدة فـي المـرأة وهي من أجلها تطلب المرأة الصالحة.

ومن الصفات الّتي يوحي إليها التراث الإسلاميّ مـا جـاء فـي الحـديث الكريم أيضاً " عليكم بالأبكار فإنّهنّ أعذب أفواهاً وأنتق أرحاماً وأقل خبئاً أرضى باليسير (رواه ابن ماجة والبيهقـيّ). وتشـير عبارة عذوبة الأفواه إلى عفّة اللسان وطيب الكلام بينما تشير كلمة الخبء إلى المكر والخديعـة وكلمـة أرضى بالسـير إلى القناعـة وجميعـاً قيّـم أخلاقيّة سامية.

وقد حذّر عليه السلام من المرأة الفاسقة الّتي لا أخلاق لهـا ولا قيم فقال عليه السلام: إيّاكم وخضراء الـدمن " فقـالوا: ومـا خـضراء الدمن يا رسول اللّه قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء (2). فلا أفضل من منظور التراث من المرأة الصالحة ومواصفات المـرأة الصالحة هي: "الّتي تسرّ الرجل إذ نظر إليها وتطيعـه إذا أمرها وتحفظـه إذا غاب عنها " (3).

و يرى الرجل البدوي أنّ أعظم النساء أحسنهنّ وجوهـاً وأرخصهن مهـوراً (4) .... وأشهر النساء هي الّتي يخرج الرجل من عندها كارهـاً ويدخل إليها والها. والنساء أصناف منهنّ "الأبكار، ومن مواصفاتهنّ طيّـب الفم وفتق الرحم، وهي للرجل وليسـت عليـه، ثـمّ الثيّبـات المطلّقـات وهـنّ للرجال لا عليهم، أمّا ذوات الولد فهنّ قاتلات للرجـال عليهـم لا لهـم" ومن مواصفاتهنّ حنانات أنانات حداقات ذوات ديات (5).

وفي هذا الخصوص جاء في التراث أن "لا تنكحها حنانة ولا عشـبة دار ولا كيّة القفا: الحنانة يكون لها ولد من رجل آخر تحنّ إليه. منّانة تمـنّ على زوجها بالمال، أنانه: تئنّ شوقاً لزوجها السابق. عشبة دار: خـضراء الدمن وهي الجميلة في منبت سوء. كيّة القفا: وهي ذات السيرة السـيّئة (6).

وجاء في الأمثال العربيّة ما يؤكّد أهمّيّة المواصفات الأخلاقيّة فـي المرأة فالحياء خاصّة أخلاقيّة ينشدها العرب، وينسب الحيـاء إلى جماليّـات المرأة يقال أحيا من فتاة. وفي مثـل آخـر قيـل يقـال أحيـا مـن كعـاب والكعاب من نتأ ثديها، وبرز وهي الكـاعب. وقـد حـذّر الـتراث مـن المـرأة الفاجرة والعاهرة والحمقاء جاء في التراث " إيّاكم ونكاح الحمقـاء فإنّ نكاحها غرر وولدها ضباع (7).

و كانت المرأة في الجاهليّة تقول لابنتها " اختبري زوجك قبل الإقدام والجرأة، انزعي زجّ رمحه، فإن سكت فقطعي اللحـم عـلى ترسـه، فإن سـكت فكسري العظام بسيفه، فإن سكت فاجعلي الآكـاف عـلى ظهـره وامتطيـه فإنّـه حمارك " (8).

وعلى خلاف هذه الصورة الّتي تنطوي على سوء طويّة أوصت إعرابيّة مسـلمة ابنتها في ليلة زفافها فجاء وصفها صورة أدبيّة رائعة الجمال تنضح بالصور الجميلة وتمور بالمعاني النبيلة والقيم الجليلة وهي صورة تكاد تكـون قـد رسمت في ضوء دراسة نفسيّة بالغة الدقّة لسيكولوجيّة الرجل ولطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة تقول الأعرابيّة لابنتها: أيّ بنّيّـة...إنك فـارقت بيتك الّذي منه خرجت وعشك الّذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيـه، وقـرين لم تألفيه. ..فكوني له أمّة يكنّ لك عبداً.. واحفظي له خصالاً عشراً:

أمّا الأولى والثانية: فاصحبيـه بالقناعـة.. وعاشـريه بحسـن السـمع والطاعة …

وأمّا الثالثة والرابعة: فالتفقّد لموضع عينيه وأنفه. .فلا تقـع عينـه منك على قبيح.. ولا يشمّ منك إلّا أطيب ريح.

وأمّا الخامسة والسادسة: فالتفقّد لوقت طعامه ومنامه فإنّ تواتـر الجـوّ ملهبة وتنغيص النوم مغضبه.

أمّا السابعة والثامنة: فالاحتراس بماله، والادّعاء على حشمه وعيالـه.. فملّاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير… أمّا التاسعة والعاشرة: فلا تعصين له أمراً… ولا تفشين له سرّاً… فـإنّك إن خالفته أوغرت صدره … وإن أفشيت سرّه لـم تـأمني غـدره.. ثـمّ إيّـاك والفرح بين يديه إن كان مغتمّاً… والكآبة بين يديه إذا كان فرحاً.، فإنّ الخصلة الأولى من التقصير والثانية من التكدير.. وكوني أشد الناس إليه إعظاماً. .يكن أشدّهم لك إكراماً… واعلمي أنّك لا تصلين إلى ما تحبّين حـتّى تؤثّري رضاه على رضاك، وهواه على هواك فيما أحببت وكرهت واللّه بخير لـك (9) .

ومن جماليّات العرب فيما قالته عجوز من العرب لثلاث بنـات لهـا:" صفن ما تحببنّ من الأزواج. قالت الكبرى:" أريده أروع بسّاماً ... أحذ مجذاماً، سيّد ناديـه، وثمـال عافيه، ومحسب راجيـة، فناؤه رحـب، وقيـاده صعـب (10)

وقالت الوسطى:" أريده عالي السناء مصمّـم المضـاء عظيـم نـار، متـمّ الإسار، يفيد ويبيد، وهو في الأهل صبيّ، وفي الجيش كـمّيّ، متـمّ أيسـار، تستعبده الحليلة، وتسوده الفضيلة. وقالت الصغرى: " أريده بازل عام، كالمهنّد الصمصـام، قرانـه حـبور، ولقاؤه سرور، إنّ ضمّ قضقض، وإن دسر أغمض، وإن أخلّ أحمض. (بازل عامّ: تام الشباب كامل القوّة. قضقض: حطّم كما يحطّم الأسد الفريسة. دسـر: شـدّ بقوّة إليه. أحمض: تحوّل أيّ حين يخطئ يتحوّل عن خطئه (11).

وجاء في كتاب الأمالي: أنّ ابنة أحد ملوك حمير، لم يكـن لأبيها سواها من الولد فأوكل بها نسوة من السادات يربّينها، فلمّـا بلغـت مبلـغ النساء مات أبوها فورثته ونصحتهـا النسـوة اللّاتـي يخدمنهـا بـالزواج. فقالت: وما الزوج؟ فقالت إحداهنّ: الزوج عزّ في الشدائد، وفي الخطوب مساعد إن غضبت عطف وإن مرضت لطف. قالت: نعم الشيء هذا. فقالت الثانية: الزوج شعاري حين أسرد، ومتّكئي حين أرقد، وأنسي حـين أفرد. فقالت: إنّ هذا من كمال طيّب العيش. فقالت الثالثة: الزوج لمّا عناني كاف، ولمّا أسقمني شـافّ، يكـفيني فقد الآلاف، ريقه كالشهد، عناقه كـالخلد، لا يمـلّ قرانـه، لا يخـاف حرانه. فقالت: أمهلنني فيما قلتنّ. فاحتجبت عنهنّ سـبع، ثـمّ دعتهـنّ ثـمّ قالت: قد نظرت فيما قلتنّ، فوجدتني أملكه رقي، و بـاطلي وحـقّي، فإن كان محمود الخلائق مأمون البوائق، فقد واتته بغيتي، وإن كان غير ذلك فقد طالت شقوتي على أنّه لا ينبغي إلّا أن يكون كفؤا كريماً يسود عشيرته ويربّ فصيلته، لا أتقنع به عاراً في حياتي، ولا أرفع بـه شعاراً لقـومي بعد وفاتي. ودفعتنّهنّ في الأحياء يبحـثن عـن الرجـل المتمتّـع بهـذه الصفات. فعادت إحداهنّ فقالت: قد أصبّت البغيّة. فقالت صفيّة ولا تسمّيه. فقـالت: غيث في المحـلّ، ثمـال فـي الأزل، مفيـد مبيـد، يصلـح النـائر وينعش العاثر، ويغمر النديّ، ويقتاد الأبيّ، عرضه وافـر، وحسـبه بـاهر، غـضّ الشباب، طاهر الأثواب. فقالت: ومن هو؟ قالت: سبرة بن عوّال بن شـدّاد بن الهمال. ثمّ خلت بالثانية فقالت: أصبت بغيتك شيئاً؟ قالت: نعم. قالت صفيّـة ولا تسمّيه. قالت: مصايص النسب، كـريم الحسـب، كـامل الأدب، عزيز العطايـا، مألوف السجايا مقتبل الشباب، خصيب الجناب، أمره مـاض، وعشيرة راض. قالت: ومن هو. قالت: يعلي بن ذي هزّال بن ذي جدن. ثمّ خلت بالثالثة فقالت: وجدته كثير الفوائـد، عظيـم المراد، يعطي قبل السؤال، وينيل قبل أن يستنال، في العشيرة معظم، وفي الندى مكـرّم، جمّ الفواضل، كثير النوافل، بذال الأموال، محقّق آمال، كـريم الأعمال والأخوال. قالت: ومن هو ? قـالت: رواحـة بـن حـمير بيـن مضحّـى بـن ذي هلالة. فاختارت يعلي بن ذي هزال فتزوّجته. فاحتجبت عن نسـائها شـهراً ثـمّ برزت لهنّ فأجزلت لهنّ الحبّاء فعظّمت لهنّ العطاء (12).

وهذه حكاية أخرى: خرجت العجفاء بنت علقمة السعديّ وثـلاث نسـوة مـن قومها، فتواعدن بروضة يتحدّثن فيها، ولمّا جلسن أفضن في الحديث فقلن: أيّ النساء أفضل؟ قالت إحداهنّ: الودود الولود. قالت الثانية: خيّرهنّ من ذات الغناء وطيّب الثناء وشدّة الحياء. وقالت الثالثة: خيّرهنّ السموع النفوع غير المنوع. وقالت الرابعة: خيّرهنّ الجامعة لأهلها الوادعة الرافعـة لا الواضعـة. ثمّ قلن أيّ الرجال أفضل؟ قالت إحداهنّ: إن أبى يكرم الجار ويعظّـم النـار، وينحـر العشّـار بعـد الحوار، ويحمل الأمور الكبار، ويأنف من الصغار. قالت الثانية: إن أبى عظيم الخطر، منيع الوزر، عزيز النفر، يحمد مـن الورد، والصدر. قالت الثالثة: إنّ أبي صدوق اللسان، حديد الجنان، كثير الأعوان، يـروي السنان عند الطعان. قالت الرابعة: إنّ أبي كريم النزال، منيف المقال، كثير النوّال، قليـل السؤال، كريم الفعّال". ثمّ تنافرن إلى كاهنة معهنّ فـي الحـيّ فقلـن لهـا: اسمعي ما قلنا، وأحكمي بيننا واعدلي. ثمّ أعدن عليها قولهنّ فقالت لهـنّ: كلّ واحدة منكنّ ماردة على الإحسان جاهدة لصواحباتها حاسدة، ولكن اسمعن قولي"خير النساء المبقية على بعلها، الصابرة على الضراء، مخافة أن ترجع إلى أهلها مطلقة، فهي تؤثّر حظّ زوجها على حظّ نفسها، فتلك الكريمة الكاملة، وخير الرجال الجـواد البطـل القليـل الفشـل، إذا سـأله الرجـل ألفاه قليل العلل، كثير النفل، ثمّ قالت كلّ واحـدة بأبيهـا معجبـة " (13).

وروي عن الأختين جمعـة وهنـد ابنتـا الحسـن حـين وافتـا سـوق عكـاظ والتقيتا عند القلمس. سأل جمعة فقال أيّ رجال أحبّ إليك يا جمعة؟ قالت أحبّ الحـرّ النجـيب، السـرّيّ القـريب، السـمح الحسـيب، الفطـن الأريب، المصقع الخطيب الشجاع المهيب. ثمّ وجّه الخطاب إلى هند قائلاً: كيف تسمعين يا هند؟ قالت: أحبّ الرجل الرحـب الـذراع، الطـويل البـاع، السـخيّ النفـاع، المنيع الدفاع، الدهمثيّ المطـاع، البطـل الشـجاع، الّـذي يحـلّ باليفـاع ويهين في الحمد المتـاع(14) (الـدهمثيّ: الكـريم. اليفـاع:المرتفع عن الأرض ).

وتشترط المرأة في الرجل: أن لا يكون الخاطب قليل الصـداق وسـريع الطلاق، وأن يكون ذا مال وشباب، وأن يكون كافياً للمرأة عارفاً حقّها: إن عرفت حقّ المرأة زوجناك وحقّ المرأة أن تكون لزوجها أمّة فيكون لها عبداً (15). وفيّ الحديث النبويّ الشريف تعظيماً لجانب الحكمة في الرجـل " إذا جاءكم من ترضوا خلقه ودينه فزوّجوه" (أخرجه الترمذي). وجاء أيضاً أنَ مـن زوج ابنته من قاس فقد قطع رحمها (16).( )لا وغنيّ عن البيان أنّ العـرب كمـا تبـدي هـذه الإشارات والتلميحـات أجادوا في وصف محاسن الأخلاق عند المرأة والرجـل وفضّلوهـا عـلى محاسـن الجسد والنسب والمال فأتت المرأة في كمالها صـورة حيّـة لمكـارم الأخـلاق والأصالة الإيمان الّتي أكّدتها أدبيّات الإسلام السامية.

***

بقلم: علي أسعد وطفة

......................

المراجع والهوامش

(1) - عبـد الفتّـاح - سـيّد صادق: " غرائب النساء"، المركز العربيّ للثقافة والعلوم، بيروت، 1991

(2) - سليمان أم المعتصم: " خطبة المرأة "، مكتبة الحكمة القاهرة، (من غير تاريخ ). ص 43.

(3) - خـليل أحمد خليل:" المرأة العربيّة وقضايا التغيير: بحث اجتماعيّ في تاريخ القهر النسائيّ "، دار الطليعة، بيروت، 1985. ص 97.

(4) - خـليل أحمد خليل:" المرأة العربيّة وقضايا التغيير ، المرجع نفسه ، ص 97.

(5) - خـليل أحمد خليل:" المرأة العربيّة وقضايا التغيير، المرجع نفسه ، ص 88.

(6) - صـلاح الدين المنجد:" أمثال المرأة عند العرب: ما قالته المرأة العربيـة ومـا قيـل فيهـا "، دار الكتـاب الجديد، بيروت، لبنان، 1981.

(7) - صـلاح الدين المنجد:" أمثال المرأة عند العرب ، المرجع نفسه .

(8)- عبـد الكـريم اليـافي:" فصول في المجتمع والنفس " جامعة دمشق، دمشق 1974.

(9) - عبـد الفتّـاح - سـيّد صادق: " غرائب النساء"، المركز العربيّ للثقافة والعلوم، بيروت، 1991

(10) - الأروع: النجـيب الكريم الجميل الوجه الأحذّ: الخفيف السريع. المجذام: الّذي يقطـع فـي الأمور بلا تردّد. الثمال: غياث القوم. محسب: كافي.

(11) - عبد اللطيف شرارة: " فلسفة الحبّ عند العرب "، مكتبة الحياة، بيروت،1960. ص 43 .

(12) - سـام عمار:" ملامح الوعي السكاني في أدبنا العربي "، المعلم العربي، عدد 3، دمشق، 1993. ص 87.

(13) - عبـد الفتّـاح - سـيّد صادق: " غرائب النساء"، المركز العربيّ للثقافة والعلوم، بيروت، 1991 ، 215 .

(14) - عبد اللطيف شرارة: " فلسفة الحب عند العرب "، مرجع سابق ، ص 52.

(15) - خـليل أحمد خليل:" المرأة العربيّة وقضايا التغيي، مرجع سابق ، ص 88.

(16) - سليمان أم المعتصم: " خطبة المرأة "، مرجع سابق ، ص 43.

 

في المثقف اليوم