أوركسترا
الآثار المندائية شواهد حيّة على عمق حضارتنا وامتداد الوجود التاريخي لنا
تُعدّ الآثار المندائية من أبرز الشواهد المادية على عمق حضارة الصابئة المندائيين وتجذّر وجودهم في منطقة وادي الرافدين منذ آلاف السنين. فقد استقرّ المندائيون في هذه الجغرافيا الحيوية وأسّسوا كيانًا سياسيًا وحضاريًا تمثّل في مملكة ميسان، التي قامت في مدينة الطيب جنوب العراق، كما امتدّ حضورهم إلى مدينة شوشتر الإيرانية، حيث شكّلوا هناك مجتمعًا متكامل الأركان وكيانًا اجتماعيًا ودينيًا واضح المعالم.
وعلى امتداد تاريخهم الطويل، تعرّض المندائيون إلى موجات متلاحقة من الاضطهاد والقهر، شملت جرائم إبادة جماعية، وعمليات قتل ممنهجة، وإجبارًا على تغيير الدين. وقد استُخدم تكفير المندائيين ذريعةً رئيسة لتبرير تلك الجرائم، ولا سيما في مدينة شوشتر، التي كانت في وقت من الأوقات مدينةً مندائية خالصة، يُقدَّر عدد سكانها آنذاك بنحو (20 ألف) مندائي. وتقع شوشتر شمال الأحواز في جنوب إيران، وتبعد أقل من عشرة كيلومترات عن مدينة الشوش الحالية.
وفي عام 1870م، تعرّض غالبية المندائيين في شوشتر إلى إبادة جماعية على يد الحاكم الإيراني آنذاك ناصر الدين شاه، الذي حكم إيران بين عامي 1831 و1896م. وقد اضطرت عائلات مندائية أصيلة، من بينها العائلة الصابورية (المعروفة سابقًا بالعائلة الششترية)، إلى الفرار من المدينة حفاظًا على أرواحها وإنقاذًا لعوائلها.
وتشير مصادر مندائية موثوقة، مثل الزهيرات الواردة في متن دراشة يحيى (تعاليم يحيى)، وكذلك كتاب سدرا نشماثا المتداول لدى الإخوة المندائيين في إيران، إلى إشارات واضحة حول هذه المذبحة. كما أن الزائر لمدينة الشوش اليوم سيلاحظ كتابات مندائية منقوشة، لا سيما على الجسر القديم للمدينة، توثّق هذه الفاجعة التاريخية.
وخلال زيارتنا الميدانية إلى مدينة شوشتر، اطّلعنا على آثار أجدادنا المندائيين التي تعود إلى أكثر من ألفي عام، وتحديدًا إلى زمن الدولة الساسانية. وعند الوصول إلى الموقع الأثري، وُجدت لافتة معدنية رسمية تابعة لمديرية الآثار الإيرانية، جاء فيها أن هذا المكان كان معبدًا وسكنًا للمندائيين في شوشتر قبل ألفي عام، ويُعرف هذا الموقع بأنه مندي، أي معبد الصابئة المندائيين، بما يؤكّد تواجدهم الحضاري والديني في المنطقة.
ومن أبرز المؤشرات المعمارية والدينية في هذا المعبد:
اتجاه بابه نحو الجهة الشمالية، وهي قبلة المندائيين.
وجود دكّة مرتفعة داخل المعبد كانت تُستخدم لإجراء طقوس التعميد.
مرور ساقية مائية داخل المعبد، تنقل المياه من نهر الكركر إلى داخله، في انسجام تام مع قدسية الماء في العقيدة المندائية.
أما اللافت هندسيًا وروحيًا، فهو أن المعبد منحوت في الصخر على هيئة الدرفش (الراية المندائية)، في دلالة رمزية عميقة على الهوية الدينية.
كما شملت الزيارة الحيّ المندائي في مدينة دِسفول الإيرانية، حيث وُجدت لوحة رسمية أخرى من مديرية الآثار الإيرانية تشير بوضوح إلى أن هذا الحي كان مسكنًا للصابئة المندائيين، وأن فيه معبدًا مندائيًا قديمًا تم تحويله لاحقًا إلى جامع. وقد رافقنا خلال هذه الجولة أحد المختصين من مؤسسة الآثار الإيرانية، الذي قدّم شرحًا وافيًا وموثّقًا عن الوجود المندائي في ذلك الحي ودوره التاريخي.
إن هذه الشواهد الأثرية والتاريخية الماثلة للعيان لا تمثّل مجرد بقايا حجرية، بل تُعدّ وثائق حيّة تؤكد أصالة الوجود المندائي وعمق حضارته، وتدحض كل محاولات طمس الهوية أو إنكار التاريخ
***
اعداد/ خليل الحلي
رئيس تحرير صحيفة العهد/ سدني







