اخترنا لكم

يحمل العقل باعتباره سلة فكرية جامعة، العديد من الآراء والقيم المحددة للسلوكيات، إذ بنيت وتشكلت ملامحها بناءً على حمولتها المتراكمة، سيما أنها خليط «دسم» بين معطيات التراث والحداثة، ونزر من رشفات المستقبل.

وفي النظر للعقل، الديني منه على وجه الخصوص، فإن فهم أساليبه المنتهجة في طرائق التفكير، والحصول على أقرب صورة مشابهة له، تتطلب عناية بحثية تفكيكية، فاصلةً بـ«غربال» المنهجية والموضوعية العلمية بين الكم التراثي الفكري (الإيديولوجي)، والآخر المبني على الخرافة والتقليد، وفي ذلك مهمة صعبة المنال ولكنها ليست بالمستحيلة، سيما أن أقرب مثال حي على ذلك يتمثل في المحاولات الحثيثة لتنقية التراث الإسلامي من عوالق التراكمات، وتحريره من ثقلها الملتصق بقوة تارة في جسد ذلك التراث، وتارة «أقوى» في عقول وارثيه، إذ يقل ذلك التراث في قلوبهم قبل عقولهم موقع إرث الفلاحين القدامى لقطعة من الأرض، دون إدراك ما قد يعتريها من زلازل، أو يتغير عليها من مناخ.

ومن ذلك فإن حتى النظر في بنية العقل الديني، واستلهام طرائقه في الاستدلال والاستنباط، لا تكون من خلال نافذة جامدة تقر بالموافقة دون الفهم، بل إن الأحرى والأقرب للدقة بعد التمييز بين مادة الدين «التأسيسية» المتمثلة بالنصوص الدينية المقدسة كالقرآن الكريم والسنة النبوية في الدين الإسلامي، وبين النصوص الثانوية، التي تمثلها النتاجات العلمية والثقافية المبنية على الفهم الموروث والشروحات والتأويلات التي كان كل منها ذو علاقة مع «أبوية» زمكانية.

وعليه، فلا يمكن فهم ألفبائية العقل الديني، دون فهم عناصر التفريق الآنف، والعمل على أساسه، إذ يقول المفكر محمد أركون فيما دون من مادة «التراث المقدس»: «دُوِّنت بعد فترة طويلة نسبياً من تاريخ النبوَّة، وبناءً على الذاكرة الشفهيَّة للصحابة أو الحواريين...إلخ (...)، وفي أثناء عمليَّة الانتقال من التراث الشفهي إلى التراث الكتابي تضيع أشياء، أو تُحوَّر أشياء، أو تُضاف بعض الأشياء، لأنَّ كلَّ ذلك يعتمد على الذاكرة البشريَّة، وهي ليست معصومة إلا في نظر المؤمنين التقليديين الذين يصدّقون كلَّ شيء. كما يعتمد [ذلك] على الصراع الإيديولوجي أو التنافسات الحادَّة على السُّلطة التي لا تخلو منها بدايات أيّ دين».

العقل الديني وأسس الاستدلال التي اتكئ عليها، لا يكون احتضان جوانبها دون إسفاف أو تبذير دون الوعي بالإشكاليات التي واجهت فهم ذلك العقل، أو شاركت في تكوينه، إذ هي متصلة والأسس التي آل للارتكاز عليها والاستدلال من خلالها، وكأنها منظار يوضح كل ما أشكل فهمه، ففي التكوين الديني للعقل، لا يمكن إهمال «الترسبات» الفكرية التي تحدد بوصلة اتجاهه في الحياة عامةً، سيما أن تطور العقل يعيش علاقة طردية نشطة مع الكم المعرفي والثقافي، ومن هنا اعتمد ابن خلدون على رأيه في أن النفس الناطقة للإنسان توجد فيه بالقوة، ولكن قدرتها على الخروج من طور «القوة» إلى طور «الفعل»، محكوم بمدى حصولها على «تحديثات» العلوم، وامتلاك ثروة «نظرية»، تجتمع مولدةً للإدراك الحقيقي.

ولو أن ذلك فُهم حد الإدراك، وأُدرك حد الفعل والتصرف، لما وقع كثر من العلماء والنظار في فخ «القداسة المزيفة»، وذلك من خلال استيعاب كنه الاجتهادات السابقة، وحسن تصنيفها، إذ هي تنزيل للمطلق من مصادر التشريع كـ(الكتاب والسنة)، في حركة النّسبي (الحاضر المتغير)، وليست صورة جامدة ممتدة في ذات «النوتة» على كافة المجتمعات الإنسانية جمة التحول، ولذلك السبب كان الدين «عالمياً»، فمن أين يجيء الإصرار لدى البعض على استنساخ التراث وإلصاقه بحذر، وذلك يخالف بالأساس ميزات العقيدة؟ تتجلى خلاصة الوصول للعقل الديني، والسير به على وجه الحقيقة إلى محطة الاستدلال القويم، في أي دين أو شرع وجد بحكمة إلهية قاصدة تذليل الصعاب للإنسان، وتوجيهه لإعمار الأرض، وإعانته في أداء رسالة وجوده، والغاية من ذلك الوجود، يستلزم القفز عن «المعضلات الكبرى» التي تتلخص في جهل منعقد بفهم التشريع (نصوص القرآن الكريم، السنة النبوية، ...)، أو جهل منبعه قصور الفهم بالمنهجيات التي تعاملت مع أصول التشريع، أو جهل متصدر للمجتمعات والعقول من خلال تولية غير الكفؤ لمنبر الاجتهاد والحكم الشرعي.

وعليه فإنه لا يمكن التسليم لأي أفكار أو معتقدات تخالف مقاصدية العلم الديني، الذي وجد لتوسيع المدارك، وحسن معرفة الخالق، والأخذ بيد الإنسان للأيسر والأقوم، ارتفاعاً به عما يعيق رسالة استخلافه من مظاهر الفساد والخراب، والإرهاب، والكراهية، وتقريباً لطموحاته من كل ما هو نفيس في الفهم، والفكر، والفعل.

***

د. محمد البشاري

عن صحيفة الاتحاد الإماراتية في يوم: 25 ابريل 2022

في سن التسعين يُصدِر هذه الأيام المفكرُ المغربي عبد الله العروي كتابَه الجديد «الفلسفة والتاريخ» الذي يختلف جزئياً عن الكتاب الذي أصدر بالفرنسية تحت العنوان ذاته عام 2016. وكثيراً ما يعتبر العروي فيلسوفاً، وإن كان ينفي عن نفسه هذه الصفة ويؤكد أنه مؤرخ، حتى ولو كان يستند في عمله التاريخي إلى مفاهيم ونظريات فلسفية.

والواقع أن سلسلة المفاهيم التي خصصها للحرية والدولة والعقل والتاريخ والأيديولوجيا تدخل في الكتابة الفلسفية بأسمى معانيها. والمعروف أن المؤرخين المحترفين في المغرب يرون أن العروي ليس مؤرخاً بالمعنى التقليدي، حتى ولو كان ألَّف كتابَه المرجعيَّ الهامَّ حول تاريخ المغرب (العربي) وكَتبَ عن الجذور التاريخية للوطنية المغربية.

ولا شك في أن العلاقة بين الفلسفة والتاريخ لم تكن بديهيةً ولا طبيعية في الماضي، وإن تزامنت نشأةُ الفلسفة مع ظهور علم التاريخ في العصر اليوناني. لقد اعتبر افلاطون وآرسطو أن التاريخ لا يمكن أن يكون علماً برهانياً دقيقاً، لأن مجالَه هو التغير والاحتمال، في حين أن المعرفةَ الصحيحة هي إدراك الكليات الثابتة.

لكن العلاقةَ تغيرت جذرياً منذ ما دعاه لوي التوسير «اكتشاف ماركس قارةَ التاريخ» (والأصح أن هيغل هو الذي اكتشف هذه القارة)، حيث أصبحت الفلسفةُ نمطاً من الانطولوجيا التاريخية، وغدا التاريخُ هو حقل الاستكشاف الفلسفي الأبرز. وبالعودة إلى العروي، نلمس هنا أنه منذ مقدمة كتابه الأخير يتعرض لهذا الإشكال، مستنتجاً أنه «ليس من السهل إذن التنصل من قبضة التاريخ، حتى عندما يقرر المرءُ نظرياً التقليلَ من تأثيره».

والحقيقة أن العروي ألّف كتابَه للرد ضمنياً على الذين انتقدوا نزعتَه «التاريخانية»، وفي مقدمتهم محمد عابد الجابري في كتابه «الخطاب العربي المعاصر». ومع أن جانبَ السيرة الذاتية الفكرية يطغى على الكتاب، فإن الغرض الأساسي منه هو توضيح هذه النزعة التاريخانية والدفاع عنها، في أصولها النظرية، وفي تطبيقاتها العملية المتمحورة حول أطروحة الشيخ والسياسي وداعية التقنية، والتي بلورها في كتابه الأول «الأيديولوجيا العربية المعاصرة».

ما يميز «التاريخانية» هو الوعي بالتحديد السياقي للحدث التاريخي، أي اعتباره إطاراً ضابطاً للتصورات والمواقف، ولا يمكن الخروج عنه بمطلقات عليا متعالية، تتجاوزه وتسبقه. وذلك ما عبّر عنه بالرجوع إلى تمييز بندتو كروتشه بين التاريخية التي تتعلق بظروف تشكل الظاهرة الحدثية والتاريخانية التي تعني أنه «لا يتصور أي مبدأ يساعد على ترتيب الوقائع وتوجيهها وجهة مقنعة إلا ما يبرره التاريخُ ذاتُه».

ووفق هذا الرأي، لا يمكن تأويل الخطابات والأفكار إلا في سياقها التاريخي الذي تنتمي إليه، وليست العبرة بمضامينها ذاتها. فالفقيه الإصلاحي (مثل محمد عبده وعلال الفاسي) يستخدم مقولاتِ التنوير الأوروبي والحداثةَ في إطارٍ سجالي جدلي فرضه الاحتكاكُ مع التاريخ لكنه يظل في انفصام مع حركية الزمن الحاضر. ونفس الحكم ينطبق على السياسي الليبرالي المتشبث بمثال الحرية لأغراض أيديولوجية، دون الوعي بالثمن المعرفي والاجتماعي الباهظ للتحول الليبرالي المنشود في السياق العربي مقارنةً بالتجربة الأوروبية الحديثة.

أما داعية التقنية فيسلك طريق البرغماتية النفعية في مشروع النهوض، لكنه لا يخرج من المأزق الأيديولوجي المتولد عن سطحية نظرته للاكتشاف العلمي والإبداع التقني واعتقاده الساذج بسهولة استيرادهما من لدن الدولة الوطنية الناشئة. وهكذا يخلص العروي إلى القول بأن «المثقف العربي إذا وعى الوضعَ الذي يعيش فيه يعي بالضرورة أن فكرَه أيديولوجيٌ بطبعه، أي أنه خاضع لحكم تاريخ شمولي، وأن فكره جدلي بالتعريف، وأن هذا الطابع الجدلي يوحي بأن لا أفق له سوى التاريخانية». والتاريخانية التي يقصدها هنا تقوم حسب عباراته على المنفعية الأخلاقية والفلسفة الوضعانية وترفض العودة للميتافيزيقا أو الانطولوجيا.

ومع أن العروي يتجنب في كتابه الحديثَ عن الكتابات الفلسفية العربية الحالية، والتي لا شك في أنه مطلع عليها، لكن من الواضح أنه يقصد الاتجاهات الظاهراتية والتأويلية والتفكيكية التي تستأثر بجانب وافر من اهتمام المشتغلين بالفلسفة في الساحة العربية الحالية. وقد تكون «العقدة الفلسفية» الواعية لدى العروي ناتجة عن إدراكه بأن الفكر الفلسفي في اشتغاله واهتمامه لا يمكن أن يتنصل من الميتافيزيقا ومن الإشكالات الوجودية الجوهرية التي هي خارج الزمنية التاريخية، ولو في أبعادها المفهومية والفكرية المحددة. وإذا كان فيلسوف الحداثة الأكبر إيمانويل كانط قد علَّمنا أن الفلسفةَ أصبحت تفكيراً إشكالياً في الحاضر، فهو نفسه الذي نبَّهنا إلى أن الميتافيزيقا ليست تفكيراً نظرياً مجرداً محضاً، بل هي الموجِّهاتُ الضابطةُ لنمط الوجود البشري في مرتكزاته الأخلاقية والمجتمعية.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن صحيفة الاتحاد الامارتية ليوم: 25 يونيو 2023 23:37

في المثقف اليوم