أقلام فكرية
علي عمرون: من ذاكرة التلقي إلى ذاكرة الفعل.. التراث بوصفه سؤالاً
فرش اشكالي: ثمة سؤال جوهري يفترض أن يسبق الاحتفال بشهر التراث عندنا في الجزائر، ويوجّهه دون ضجيج: كيف نفكر في التراث؟ هذا سؤال عن «التصور» الذي يجب أن يسكن أذهاننا وتصدر عنه أفعالنا. ذلك أن المفهوم وطريقة تفكيرنا في التراث ترسم حدود تعاملنا معه مقدّماً.
هذا السؤال لا يستهدف النبش في المعاجم وما كُتب عن التراث للخروج بأجوبة جاهزة، فذلك عائق يحول بيننا وبين الأسئلة الحارقة. إذ يرى هانز جورج غادامير أن التراث «كائن حي يحيا في وسط تاريخي ولغوي وجغرافي، ويتغذى على التأويل وإرادة الفهم». وبوصفه ذاكرة في المتن البرغسوني، فهو ذاكرة تقف على حدود حاضرنا تنتظر التجسد والتجلّي. وإذا كان التراث يتميز بالحياة والديمومة، فهو لا يُحنَّط ولا يُحفَظ هنا أو هناك، بل يسأل ويحاور. إنه ليس هوية ساكنة نحميها ونستدعيها وقت الحاجة، بل ذاكرة حيوية تقبل التأويل والتوظيف؛ ذاكرة نتقي منها، كما يقول زكي نجيب محمود، «طرق التفكير» التي استخدمها أسلافنا لحل مشكلات عصرهم. وهذه الطرق لا تصلح لنا إلا إذا خضعت لـ«غربلة» عقلانية تفرز ما يمكن استئنافه مما كان خاصاً بظروفه التاريخية وانقضت صلاحيته.
وهنا نتساءل بعمق: هل نتعامل مع تراثنا بصفتنا «ورثة» سلبيين تلقَّوا إرثاً جاهزاً فواجبهم صونه كما هو، أم بصفتنا «فاعلين» بالمعنى البرغسوني؟ هل نتقبله كما هو، أم يجب أن نقف على حدود حاضرنا بأسئلته الحارقة، فننتقي من الماضي ما يعيننا على البناء، ونتجرأ على مساءلة ما لم يعد يصلح، ونعيد تخيّل ما يمكن أن نكون؟
يتفرع عن هذا الإشكال أربعة أسئلة إجرائية محددة سنفصّلها في هذا المقال:
- ما الانعكاسات العملية للتصور اللغوي والفلسفي للتراث على السياسات الثقافية؟ لماذا تتحول الشعارات الاحتفالية إلى عائق دون إنتاج أسئلة نقدية وأثر معرفي؟ كيف نفسّر الانتقاء المشوَّه الذي يُقصي «التراث الصعب» ويُبقي على «التراث الآمن»؟ وبأي معنى يمكن للتراث أن يتحول من «عبء هوياتي» إلى «رافد إبداعي» يسهم في بناء المستقبل؟
التصور قبل الفعل
الجذر اللغوي العربي (و-ر-ث) لا يزال، دون أن نشعر، هو الإطار الضمني الذي يحكم علاقتنا بالتراث. ففي العربية، تفترض كلمة «تراث» سلفاً وجود ثلاثة محددات نتعامل معها بمنطق سكوني: «مورِّث» (الأجداد أو السلف)، و«وارث» (أبناء الجيل الحالي)، و«إرث» (الشيء المتروك). والعلاقة هنا علاقة عاطفية؛ إذ يقف الجيل الحالي موقف «المتلقي» الذي يستلم الوديعة، ومهمته الأولى والأخيرة هي «الحفاظ عليها»
وحين يصبح الحفظ هو القيمة العليا، تتحول السياسة الثقافية تلقائياً إلى سياسة «صون» و«توثيق» و«عرض». سياسة تتحول فيها المتاحف إلى خزائن، والفعاليات إلى استعراضات شكلية لا غير. لقد تجاهلنا أن التراث لم يعد شيئاً «يُورَّث»، بل شيئاً «يُصطفى» و«يُبنى». إنه مشروع الجماعة الذي تختاره لنفسها. وهذا التصور الذي يجب أن يكون من شأنه أن ينتج لنا سياسة ثقافية قوامها «الترسيم والتخطيط»، أي الاختيار الواعي لما يُعترف به كتراث، وفق معايير حاضرة ورؤية مستقبلية. نتجه فيها إلى التساؤل عن «ماذا سنورّث؟» لا «ماذا ورثنا؟». سياسة ثقافية تركز على «الاستثمار» في التراث وجعله قابلاً للاستمرار والابتكار، لا مجرد صونه.
فأي موقف تترجمه سياستنا الثقافية اليوم؟ حين نطلق آلاف الأنشطة تحت شعار «تراثنا… حضارتنا»، ما التصور الضمني الذي يحركنا؟ أليس هو تصور «الأمانة» التي يجب أن تُعرض للزوار؟ أين «السؤال» في هذا كله؟ أين «الانتقاء»؟ أين «التوظيف»؟
إن غياب هذه الأفعال الثلاثة (سأل، انتقى، استثمر) ليس نتيجة عجز تقني أو نقص تمويل، بل هو انعكاس أمين لتصور «التلقي» الذي لم نفارقه بعد. فالسياسة الثقافية هنا لم تفعل شيئاً سوى أن حوّلت هذا التصور الضمني إلى «مؤسسة» و«برامج»
ولنقارن للحظة: النموذج الأوروبي (أيام التراث الأوروبي 2026) الذي انطلق من تصور «الخطر» و«الفعل»، تحت شعار «التراث في خطر: أحيِ، قاوم، تخيّل». إنه ينطلق من واقعة أن التراث في خطر بفعل الحروب والنزاعات أو الإهمال، وأنه معرَّض للفقدان، وأن حمايته ليست صوناً متحفياً بل فعلاً إبداعياً وصراعاً.
وهكذا فإن الإجابة عن السؤال الإجرائي الأول هي التي ستحدد سياستنا الثقافية: إما أن نجعلها سياسة «إبداع وانتقاء واستثمار» إذا انطلقنا من تصور برغسوني نقدي، وإما أن نحوّلها إلى سياسة «صون وعرض واستعراض» إذا بقينا في تصور «التلقي». وبين هذين القطبين يتحدد مصير التراث عندنا، ومعه مصير هويتنا الثقافية والحضارية.
حين يصبح الشعار حجاباً لا نافذة
إن الشعارات التمجيدية الإنشائية لا تقول شيئاً عن وضع التراث، ولا تفتح أي إشكال، ولا تقترح اتجاهاً للفعل. إنها في نظرنا تُغلق القضية بدل أن تفتحها. «تراثنا» (ضمير الملكية) يعطي إحساساً زائفاً بالاطمئنان. «حضارتنا» (الخبر المسلَّم به) يختزل العلاقة كلها في جملة اسمية لا فعل فيها ولا فاعل. ليس ثمة خطر، ليس ثمة سؤال، ليس ثمة مهمة. إنه شعار «الوريث» الذي اكتفى بإثبات انتسابه.
إن الشعارات التمجيدية الإنشائية تمنح الجميع شعوراً بالرضا دون عناء. يمكن للخطاب الرسمي أن يطلق منها ألف نشاط دون أن يُسأل: «وماذا بعد؟». إنه الشكل الأمثل لـ«زخم الدال»: كلمات ضخمة، صداها واسع، لكن مدلولها (أي أثرها العملي والفكري) شبه معدوم.
فأين هي نصوص أوغسطينوس الفلسفية في منظومتنا التربوية؟ هل نحن على اطلاع ومعرفة بنصوصه في الرغبة والإرادة والسعادة؟ هل ندرسها لتلامذتنا كمقررات دراسية؟ انظر مثلاً إلى قبر أبي الفضل بن النحوي بجوار قلعة بني حماد كموقع أثري؛ هل يليق بمكانته العلمية؟ أين مخطوطته «المنفرجة»؟ وانظر إلى قبر ومتحف نصر الدين ديني ببوسعادة؛ ألا يحتاج الأمر إلى تفكير عملي في طرق الصيانة والحماية وحسن الاستثمار في تراثنا الثقافي؟
هذه الأسئلة ليست استطراداً عاطفياً، بل هي تفريعات ملموسة لغياب «فعل الانتقاء» في تعاملنا مع تراثنا؛ فهي تكشف أننا لا نفتقر إلى «الشيء»، بل إلى «طريقة التفكير» في هذا الشيء.
ولنقارن، ولو للحظة، بشعارين من سنة 2026:
1. الشعار التونسي: «التراث وفن العمارة» انه شعار براغماتي تقني تخصصي. لا يقف عند حدود التمجيد، بل يحدد مجالاً عملياً ينظر من خلاله إلى علاقة التراث بالعمارة، زاوية من التفكير من شأنها أن تنتج سؤالاً: «كيف نحمي تراثنا المعماري؟ كيف نوفّق بينه وبين متطلبات العصر؟
2. الشعار الأوروبي: «التراث في خطر: أحيِ، قاوم، تخيّل». شعار نقدي إشكالي بامتياز. يبدأ من اعتراف صريح بوجود مشكلة («في خطر») ويقترح ثلاثة أفعال للخروج منها. هذه الأفعال ليست مجرد كلمات، بل عناوين لبرامج عمل.
الفرق هنا ليس فرقاً في «البلاغة»، بل في «الوظيفة» و«المصدر». الشعار التمجيدي ينبثق من تصور «التلقي»، بينما ينبثق الشعاران الآخران من تصور «الانتقاء» و«الخطر» و«المستقبل». الأول ينتج احتفالاً، والثاني والثالث ينتجان تفكيراً وعملاً.
في التجربة الجزائرية لعام 2026، أُطلقت آلاف الأنشطة تحت شعار «تراثنا… حضارتنا». لكن ماذا بقي من هذه الأنشطة؟ كم سؤالاً جديداً فتحت؟ كم مشروعاً ولَّدت؟ كم شاباً دفعت إلى إعادة التفكير في هويته وتراثه؟ إن لم نطرح هذه الأسئلة، وإن لم نجرؤ على قياس «الأثر» بدل إحصاء «النشاط»، فسنبقى ندور في حلقة «زخم الدال» إلى ما لا نهاية.
لا شك أننا في الجزائر نمتلك الإرث والنصوص القانونية، وعندنا طاقات شابة. ما ينقصنا هو أن نعلن صراحة وبشجاعة أن تراثنا في خطر. وهذه ليست دعوة للانتقاص من الذات، بل دعوة لإحياء تراث أمتنا العظيمة التي تحدث عنها ابن باديس والبشير الإبراهيمي ومالك بن نبي، ومن قبلهم الأمير عبد القادر وغيرهم. ذلك أنه حين تتحول الذاكرة من ذاكرة تمجيد إلى ذاكرة تساؤل، وحين يصير التراث سؤالاً يقلق لا جواباً يريح، وحين ننتقل من زخم الدال إلى فعل المدلول… عندئذ فقط سيكون حديثنا عن التراث فعلاً من أفعال البناء، لا مجرد طقس من طقوس الاستعراض.
***
الأستاذ عمرون علي







