أقلام فكرية

آمال بوحرب: رحلة فلسفية بين الوعي والوجود

في قلب التجربة الإنسانية يطفو سؤال وجودي عميق: من أنا؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة عبر العصور يتعلق بمفهوم الأنية أو "الأنا" وهو ليس مجرد تعبير عن الهوية الفردية بل يشكل لغزاً وجودياً يتشابك مع الوعي والذاكرة والحرية. بدءاً من ديكارت الذي أسس لفكرة الأنية كوعي ذاتي في مقولته الشهيرة "أنا أفكر إذن أنا موجود" نرى أن الأنية تُختزل إلى جوهر عقلي خالص بعيداً عن الجسد والحواس التي قد تخدعنا لكن هذا التصور يثير تساؤلاً: هل تختفي الأنية عندما يتوقف التفكير كما في حالات الغيبوبة أو النوم العميق؟ هنا يظل ديكارت يقدم لنا أساساً لفهم الأنية لكنه يترك الباب مفتوحاً لتحديات جديدة كما أشار الفيلسوف الأمريكي ويليام جيمس في سياق مماثل "إننا في حالة من التحول المستمر".
مع جون لوك يتحول مفهوم الأنية من كونه جوهراً ثابتاً إلى ارتباطه بالذاكرة والتجربة. في "مقال في الفهم البشري" يرى لوك أن الهوية الشخصية تتشكل من خلال استمرارية الوعي والقدرة على تذكر التجارب الماضية. يقول لوك: "الشخص هو ما يدرك نفسه كنفس الشيء في أزمنة وأمكنة مختلفة" هذا التصور يجعل الأنية مرنة وقابلة للتطور لكنه يواجه إشكالية كبيرة: ماذا يحدث للهوية عندما تفقد الذاكرة كما في حالات الزهايمر؟ هنا يطرح لوك رؤية تثير أسئلة حول طبيعة الأنية وارتباطها بالذاكرة مما يجعلها مفهوماً ديناميكياً وغير ثابت. هذا التصور يتوافق مع فكر الفيلسوف المعاصر دانيال دينيت الذي قال: "الذاكرة هي النسخ الاحتياطي للذات".
أما بالنسبة لإيمانويل كانط فنجد تحولاً جذرياً في فهم الأنية. في "نقد العقل الخالص" يرى كانط أن الأنية ليست كياناً مادياً أو تجربة مباشرة بل هي وظيفة ضرورية لتنظيم التجارب الحسية يقول كانط: "الوعي بالذات هو الشرط الذي يجعل التجربة ممكنة". هنا تصبح الأنية شرطاً مسبقاً للمعرفة حيث تعمل كوحدة تركيبية تجمع الخبرات المتناثرة في نسق متماسك لكن هذا الطرح يترك الأنية غامضة إذ لا يمكن إدراكها كشيء ملموس بل كمبدأ تنظيمي فقط. هذا التحول يجعل الأنية أكثر تعقيداً حيث تصبح شرطاً للمعرفة دون أن تكون شيئاً يمكن تعريفه بسهولة. كما أكد جيل ديليز "الأنيّة ليست سوى مجموعة من العمليات".
أما في السياق الوجودي يقدم جان بول سارتر رؤية جذرية للأنية حيث يرى أنها ليست جوهراً ثابتاً بل عملية مستمرة من التشكل. في "الوجود والعدم" يؤكد سارتر أن "الوجود يسبق الماهية" وأن الإنسان محكوم عليه بأن يكون حراً. يقول سارتر: "الإنسان هو ما يصنعه بنفسه". هذا التصور يجعل الأنية تعبيراً عن الحرية والمسؤولية حيث يتشكل الفرد من خلال اختياراته وأفعاله. لكن هذا الطرح يضع الفرد أمام تحدٍ كبير حيث يصبح مسؤولاً عن تحديد ذاته دون الاعتماد على أي جوهر مسبق. هنا تصبح الأنية عملية ديناميكية تعكس تعقيد الوجود الإنساني. ويتماشى هذا مع قول عميد الفلاسفة الوجوديين فريدريك نيتشه "لابد أن يتحمل الإنسان أعباء حريته" وهذا ما يؤكد أن البحث في المفاهيم المتغيرة يعد أحد الركائز الأساسية لتطوير الفكر الإنساني إذ يسهم في فهم التحولات التي تطرأ على القيم والأفكار والمعتقدات بمرور الزمن. ولقد برزت الآنية كفكرة محورية في الفلسفة والعلوم الاجتماعية حيث تعكس طبيعة الإنسان في العيش في اللحظة الراهنة وتأثير ذلك على صنع القرار والتفاعل مع العالم فالدراسات تتيح لنا تحليل كيفية توازن الأفراد بين الحاضر والمستقبل مما يساعد في تطوير استراتيجيات أكثر وعياً للإدارة الشخصية والمجتمعية. كما أن البحث المستمر في هذا المجال يعزز من قدرتنا على التكيف مع التغيرات السريعة في مختلف جوانب الحياة مما يسهم في بناء فكر نقدي مرن قادر على استيعاب المستجدات والتفاعل معها بفعالية وهذا ما أشار إليه غوسدورف بقوله "إن الفكر ضاج بالكلمات".
الا أننا نجد رغم طول الرحلة الفلسفية أن الأنية ليست مفهوماً بسيطاً يمكن حصره في تعريف واحد بل هي حقل متشعب يعكس تعقيد الوجود الإنساني. من ديكارت الذي جعلها مرتكزة على الوعي إلى لوك الذي ربطها بالذاكرة ثم كانط الذي رآها كشرط للمعرفة وصولاً إلى سارتر الذي جعلها تعبيراً عن الحرية تتجلى الأنية كمرآة لتعقيد الإنسان. ربما لا يكمن الهدف في الوصول إلى إجابة نهائية بل في مواصلة طرح الأسئلة التي تُبقي هذا اللغز حياً في وعينا ففي النهاية قد تكون الأنية هي تلك القدرة الفريدة على التساؤل عن ذاتها مما يجعلها جوهر الإنسانية ذاته. كما قال شهيد الفلسفة المعاصرة مارتن هايدغر "الإنسان هو الكائن الذي يسأل" هذا التساؤل المستمر هو الذي يجعلنا نواجه عمق وجودنا ويمهد لنا الطريق لاستكشاف ما يعنيه أن نكون إنسانًا في عالم متغير.
***
د. آمال بوحرب - باحثة وناقدة

في المثقف اليوم