عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

بولص آدم: خلّيها سكتة

«خلّيها سكتة» من تلك العبارات العراقية التي تبدو صغيرة في اللفظ، واسعة في المعنى؛ كلمتان تفتحان بابًا واسعًا على الكلام والصمت والذاكرة.. فحين يقولها العراقي، يكون الحچي حاضرًا في الغالب، حاضرًا بتفاصيله وأسمائه وآثاره، ثم يأتي القرار: السكوت أهون. هنا تبدأ العبارة في تجاوز معناها المباشر لتصبح علامة ثقافية على معرفةٍ اختارت الصمت طريقًا لها.

في هذه الجملة معرفة صامتة: أنت تعرف، وأنا أعرف، وكلانا يعرف أن الآخر يعرف، ثم نترك المعرفة معلقة في الهواء. «لا تسأل»، «ما أريد أحچي»، «الله كريم»، «خليها على الله»، «لا نفتحها»، «الموضوع انتهى»؛ عبارات تبدو كأنها تغلق باب الكلام، بينما تترك وراءها بابًا آخر مفتوحًا على الاحتمال. حين يقول شخص «لا تسأل»، فهو يضع السؤال أمامك بصورة أخرى: الجواب موجود، وحمولته أثقل من أن يدخل المجلس. وحين يقول «الموضوع انتهى»، قد يكون الذي انتهى هو الكلام عنه، بينما بقي الموضوع في الذاكرة.

هنا يتحول الصمت إلى معرفة. فالإنسان قد يعرف الحقيقة، ثم يختار عدم تحويلها إلى خبر متداول. وهذا الاختيار يصنع منطقة كاملة بين المعرفة والنطق؛ منطقة تعرف فيها الجماعة أكثر مما تقوله. أسرار يعرفها الجميع، وقائع تُروى بنصف جملة، أسماء تُترك خارج الحديث، وإشارات تكفي عن رواية طويلة. «خلّيها سكتة» تؤدي وظيفة الحارس على هذه المنطقة: تعرف أين يبدأ الكلام، وتعرف أيضًا أين ينبغي أن يتوقف.

ومن هذه الزاوية يظهر الستر بوصفه نظامًا اجتماعيًا. «أعرف شصار، بس خلّيها سكتة» قد تحمل رحمةً بإنسان، وحفظًا لكرامته، وإبقاءً لخطأ في حجمه بدل تحويله إلى فضيحة. وقد تتحول السكتة إلى غطاء يحمي الخطأ من المساءلة. هنا تظهر المفارقة الأخلاقية: الستر يحفظ الإنسان حين يضع حدًا للتشهير، ويؤذي المجتمع حين يمنح الفعل المؤذي حصانة. السؤال الحقيقي يصير: من الذي يحميه الصمت، ومن الذي يحميه الكلام؟

والصمت نفسه يمتلك سلطة. «لا تحچي» قد تكون أمرًا يصدر من موقع قوة، يحدد من يملك حق الكلام ومن يكتفي بالاستماع. غير أن الامتناع عن الكلام يستطيع أن يصير سلطة أيضًا. حين أرفض التبرير، وأمتنع عن الدخول في جدال، وأحفظ ما أعرفه لنفسي، أستعيد شيئًا من السيطرة على صورتي وعلى قصتي. من هنا يظهر الفرق بين الصمت المختار والصمت المفروض: الأول قرار، والثاني قيد. كلاهما يحمل الاسم نفسه، لكن التجربة الإنسانية خلف كل واحد منهما مختلفة تمامًا.

العراقي يعرف هذه المسافة بحسّ يومي. «الله كريم» قد تعني رجاءً، وقد تحمل تعبًا طويلًا. «خليها على الله» قد تكون إيمانًا، وقد تكون إقرارًا بأن الأمر خرج من اليد. و«خلّيها سكتة» قد تكون حكمة، وقد تكون خوفًا، وقد تكون حفاظًا على علاقة، وقد تكون اختصارًا لخيبة استنفدت قدرتها على الشرح. الجملة الواحدة تتبدل دلالتها مع النبرة والمقام؛ ولذلك يصعب وضعها في خانة واحدة.

حين يقول أحدهم: «ليش ما تشتكون؟» ويأتي الجواب: «خوية، خلّيها سكتة… بطلعان الروح دنمشيها»، فإن السكتة تظهر بوصفها اقتصادًا في الخيبة. الإنسان يرى الخلل، يشعر به، وربما تحدث عنه مرات، ثم يكتشف أن الكلام يحتاج إلى طاقة، وأن الواقع يحتاج إلى قدرة أكبر على التغيير. فيختصر المسافة كلها بجملة. هنا يكون الصمت نتيجة تجربة مع الواقع، لا مجرد اختيار لغوي.

وتظهر السكتة كذلك في العلاقات. عتبٌ تأجل، اعتذارٌ لم يصل، سؤالٌ خشي صاحبه أن يطرحه، وذاكرة تتظاهر بأن «الموضوع انتهى». ما يُسكت عنه ينتقل من اللسان إلى الداخل. ولهذا فإن الصمت لا يمحو الذاكرة؛ يغير مكانها. قد يختفي الكلام من المجلس، ثم يظهر في النظرة، وفي البرود، وفي طريقة مخاطبة الآخر، وفي تلك الوقفة التي تسبق جملة عادية جدًا. الأشياء التي لم تُقل تمتلك أحيانًا عمرًا أطول من الأشياء التي قيلت وانتهت.

وليس من الضروري أن تتطابق الكلمات كي تتشابه السكتة. ففي السورث تأتي «شوقلا بشينا؟» بوصفها معادلًا تداوليًا قريبًا من «خلّيها سكتة»، وفي السورانية نجد بناءً من قبيل «باسی ... مەکە»؛ أي: لا تفتح سيرة كذا، لا تتحدث عنه. أما في الموصل والتركمانية العراقية، فتتعدد الصيغ بتعدد اللهجات والمناطق، لكن السكتة، وإن اختلف لسانها، تؤدي وظيفة واحدة: إيقاف الحچي قبل أن يتحول إلى باب آخر. هنا تتجاوز المسألة حدود الترجمة بين اللغات؛ فالعراق، على اختلاف ألسنته، يتشارك حساسية تجاه الكلام: ثمة ما يكفي أن يُفهم، وما يحتاج إلى صوت. وثمة حچي يكون الصمت طريقته الأخرى في الوجود.

لهذا تحمل «خلّيها سكتة» مفارقتها الخاصة: وهي تدعو إلى السكوت، تكون قد تكلمت. إنها تكشف وجود الحكاية في اللحظة التي تحجب تفاصيلها، وتعلن حضور الكلام في اللحظة التي تمنحه الإذن بالبقاء خارج اللسان. ولذلك قد يقول أحدهم «خلّيها سكتة» فيكون قد قال أكثر مما كان سيقوله لو روى القصة كاملة؛ فالرواية تحدد ما نعرف، أما السكتة فتترك مساحة للذاكرة والحدس والتجربة.

ربما لهذا تبدو العبارة عراقية بامتياز. فيها شيء من الصبر، وشيء من الحذر، وشيء من الستر، وشيء من السخرية التي يعرفها من عاش طويلًا مع واقع يحتاج إلى أكثر من جواب. إنها فلسفة يومية مصغرة: أعرف، وأفهم، وأتألم، وأحسب العاقبة، ثم أقرر أن أترك بعض الكلام في مكانه.

ويبقى السؤال معلقًا: متى تكون السكتة حكمة، ومتى تصبح قهرًا؟ متى تحمي الإنسان، ومتى تحمي الخطأ؟ متى تكون اختيارًا، ومتى تكون نتيجة لغياب القدرة على الكلام؟ ربما لا توجد إجابة ثابتة؛ فالمعنى يسكن في الظرف، وفي موقع المتكلم، وفيمن يملك حق الكلام ومن يدفع ثمنه.

لكن أجمل ما في العبارة أن مفارقتها تكمن في أنها، وهي تدعو إلى السكوت، لا تكف عن الكلام. فما إن تقول «خلّيها سكتة» حتى تكون قد كشفت أن ثمة حچيًا وراءها، وأن ثمة قصة اختارت الصمت طريقًا لها. كأن السكتة العراقية لا تستطيع إلغاء الحچي؛ أقصى ما تفعله أنها تنقله من اللسان إلى الإشارة، ومن الصوت إلى الذاكرة، ومن الكلام المعلن إلى ما يُفهم ولا يُقال.

الحچي موجود… بس السكوت أهون.

وبعض الحچي، من كثر ما انحچى بالقلب، ما عاد يحتاج لسان.

***

بولص آدم

في المثقف اليوم