أقلام حرة

ليث العتابي: جائحةُ القدوةِ السيّئة

ليست كلُّ الجوائحِ فيروساتٍ تُرى بالمجهر، بعضُها أفكارٌ، وسلوكياتٌ، وأصواتٌ تتسرّب إلى الروح على مهل، حتى إذا استيقظ المرء وجد نفسه غريباً عن نفسه. إنّ البيئة المريضة معدية، لا لأنها تصرخ، بل لأنها تُكرّر، ولا لأنها تُقنع، بل لأنها تُطَبِّع القبح حتى يبدو عادياً، والخطيئة حتى تُسمّى ذكاءً، والانحطاط حتى يُلبَس ثوب الجرأة.

هي بيئةٌ تُدار فيها المجالس بالغيبة، وتُزيَّن الأحاديث بالبهتان، وتُبنى المكانة على اتهام الآخرين، لا على تزكية النفس.

بيئةٌ إذا تكلّم فيها أحدهم، جرّح، وإذا صمت، دبّر، وإذا ابتسم، خبّأ سكيناً.

الألفاظ فيها خادشة، والنيات مشوّهة، والفضيلة غريبة، والأدب موضع سخرية.

لا تُربّي، بل تُسقِط.

لا تُهذّب، بل تُجرِّم.

لا تفترض البراءة، بل تتغذّى على الشك.

لا ترى الإنسان مشروعَ نور، بل مادةً للشيطنة.

والخطر كلُّ الخطر، في أنّ الاعتياد أخطر من الصدمة.

أن تسمع القبح مرة فتشمئز، خيرٌ من أن تسمعه ألف مرة فتبتسم. أن ترفضه من أوّل الطريق، أهون من أن تسكنه في منتصف العمر. من يُجبر على العيش في هذه البيئة، يقف أمام امتحانٍ قاسٍ، لا حياد فيه:

إمّا أن يحارب: بالكلمة الصادقة، وبالموقف النظيف، وبالثبات الذي لا يساوم، وهو طريقٌ شاقّ، لكنه طريق الأحرار.

وإمّا أن ينعزل: حفاظاً على قلبه وعقله، لأن السلامة أحياناً في الصمت، ولأن النجاة ليست دائماً في المواجهة.

وإمّا أن يستسلم: وحينها لا يبقى كما كان؛ يصبح نسخةً أخرى من القبح الذي كان يلعنه، ويشارك في الجريمة وهو يظن نفسه ضحية.

وهنا بيتُ القصيد: فليس كلُّ بقاءٍ حكمة، وليس كلُّ خروجٍ هروباً. إن البقاء في بيئة تُفسدك خيانةٌ للنفس، والخروج منها وفاءٌ للقيم. أن تُنقذ روحك ليس أنانية، بل مسؤولية؛ لأنك إن فسدت، فسد بك غيرك.

احذر… فالقيم لا تموت فجأة، بل تُغتال بالتدريج. إن الإنسان لا يسقط دفعةً واحدة، بل ينزل درجةً فدرجة، حتى ينسى أين كان يقف. قاوم… قاوم بأن تكون مختلفاً دون ضجيج، نقياً دون استعلاء، صادقاً دون قسوة. قاوم بأن تذكّر نفسك كل صباح: لستُ مضطراً أن أكون مثلهم كي أنجو.

أو غادر… غادر حين يصبح الثمن هو روحك، وضميرك، ووجهك في المرآة. غادر لأن بعض الأماكن لا تُصلَح، بل تُترك، وبعض البيئات لا تُعالَج، بل تُهجَر.

فاختر لنفسك صحبةً تُذكّرك إذا نسيت، وترفعك إذا ضعفت، وتخجلك من المعصية لا تُدرّبك عليها.

واعلَم: إن الإنسان ابنُ ما يعتاد، لا ابنُ ما يدّعي، فإن أردت النجاة، فابدأ من هنا… من اختيار البيئة، قبل أن تختارك هي.

***

الشيخ الدكتور ليث عبد الحسين العتابي

في المثقف اليوم