عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

حميد بن خيبش: صَنعةُ الكتابةِ

يقول ابن عبد ربه الأندلسي في (العقد الفريد): "بلغني أن صديقا لكلثوم العتابي أتاه يوما فقال له: اصنع لي رسالة. فاستمد مدة ثم علق القلم؛ فقال له صاحبه: ما أرى بلاغتك إلا شاردة عنك. فقال له العتابي: إني لما تناولتُ القلم تداعت عليّ المعاني من كل جهة، فأحببت أن أترك المعنى حتى يرجع إلى موضعه، ثم أجتني لك أحسنَها.

***

شهد العصر الأموي، كما هو معلوم، اتساع الفتوحات، وتفرق الولاة والعمال في أنحاء الدولة الإسلامية. فتزايدت الحاجة إلى التدوين وتبليغ الأمور الإدارية والسياسية، لذا أنشأ الخلفاء ديوان الرسائل، واعتمدوا بشكل متزايد على الكُتاب في تصريف شؤون الدولة.

وسرعان ما ازدهرت حركة الخط والكتابة، واكتست أهمية لدى مختلف فئات المجتمع، فاحتلت الرسائل مكانة الصدارة، باعتبارها أهم أشكال الخطاب الأدبي. وتنوعت موضوعاتها لتشمل بالإضافة إلى أمور الإدارة والسياسة، قضايا مجتمعية، واقتصادية، وحصيلة التداول اليومي في شؤون الحياة الخاصة والعامة.

كانت لغة الرسائل بسيطة وصريحة، تحقق مجرد الإفهام فحسب. كما كانت خاضعة لنظام الإملاء، فالخليفة يُملي والكاتب يَنسخ. غير أن انفتاح الدولة الأموية على شعوب غير عربية، تختلف عنها في المزاج والتفكير، عزّز الحاجة إلى التفاهم والتواصل، وتطوير أسلوب الكتابة بما يتناسب مع الوضع الجديد. فظهر على الساحة كُتاب أسهموا في توجيه مضامين الكتابة وأساليبها، وعلى رأسهم عبد الحميد بن يحيى .

يقول الدكتور عمر فروخ" ولا شك في أن عبد الحميد أول من أطال الرسائل، واستعمل التحميدات، في فصول الكتب. وعنه أخذ المترسلون، ولطريقته لزموا. وهو الذي سهّل البلاغة في الترسل، وجعل الكتابة صناعة كسائر الصناعات."

مثّلت الرسائل التي ألفها عبد الحميد الكاتب أوائل القرن الثاني الهجري، نموذجا حيا لتطور الكتابة العربية من خلال فن الترسل. وهي تبرز جهوده في التحرر من التقاليد الأدبية القديمة، واستقلال شخصية الكاتب، حيث إنه:

- جدّد مواضيع الرسالة، فبعد أن كانت مجرد خواطر سياسية ووعظية تفتقر إلى التحليل، أصبحت تشمل مواضيع الشكر، والنصيحة، والتهديد، والعتاب.

- تفنّن في التعبير على مستوى الفكرة والجملة والتركيب، فحرّر أسلوب الكتابة من بداوة اللغة، ولهجة الخطابة والإيجاز.

- هذّب اللغة وجمّلها لترتقي إلى صنف الكتابة الفنية، إضافة إلى مزجه بين الأسلوب العربي وروافد الثقافتين الفارسية واليونانية.

اتخذت الكتابة مع عبد الحميد الكاتب صفة النص الأدبي المتكامل شكلا ومضمونا. فكان لرسائله بناء داخلي يستوعب القضية أو الرأي، ثم يوزعها على فقرات مستقلة، لكل فقرة وحدتها المعنوية التي تخدم الفكرة، مع استخدامه تنبيهات لفظية تعين على التمييز وتجديد الاهتمام.

يقول في رسالته إلى الكُتاب:" إن الكاتبَ يحتاج من نفسه، ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات أموره أن يكون حليما في موضع الحِلم، فقيها في موضع الحكم، مِقداما في موضع الإِقدام، مِحجاما في موضع الإحجام، ليّنا في موضع اللّين، شديدا في موضع الشّدة، مُؤْثِرا للعفاف والعدل والإنصاف، كَتوما للأسرار، وفيا عند الشدائد.. قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكَمَه، وإن لم يُحكِمه شدا منه شدوا يكتفي به".

امتازت صنعة الكتابة لدى عبد الحميد باستغلال الإمكانات المختلفة للغة العربية، لتغيير الصورة الذهنية السائدة حول كاتب الديوان. وتكشف رسائله عن شعور عميق بضرورة التخلص من القيود المهنية للكتابة، لبلوغ التحرر الذي يسمح له بالإبداع. من هنا كان حرصه على تبني أسلوب يجمع بين النثر في هيكلة النص وبناء الفقرات، وبين الشعر في اعتماد الصور الفنية، والمحاكاة، والنغم، والإيقاع.

تُظهر لنا رسائل عبد الحميد خصائص جديدة تميزت بها صنعة الكتابة عنده، وهيأت السبيل أمام تقاليد فنية يتبناها جيل الكتابة بعده، وفي مقدمتها:

- تسلسل الأفكار وترابطها في فقرات منفصلة، مما يكشف عن عقل منطقي ومنتظم. يقول الدكتور طه حسين:" إن قارئه يستطيع أن يقرأ الفقرة، ثم يقف ويستريح عند آخرها. بل يستطيع ان يطوي الكتاب يوما أو أكثر، ثم يعود إلى القراءة دون أن يشعر بانقطاع المعنى".

- الدقة في اختيار الألفاظ والعبارات لتوضيح ما يقصد من معان، فكان يُكثر من استعمال صيغ التفضيل والحال، والطباق والمقابلة لتقريب الفكرة وإيضاحها.

- الموازنة والسجع، حيث اقتبس عبد الحميد من القرآن الكريم أسلوب الكلمات المتقابلة على صيغ متشابهة، كقوله" اعلم أن الظَّفر ظفران، أحدهما أعمُّ منفعة، وأبلغُ في حسن الذكر قالةً، وأحوطُ سلامةً، وأتمّه عاقبة، وأحسن في الأمور موردا، وأصحه في الرواية حزما.." 

 - الإسهاب في التعبير، فكان يُعبر عن المعنى الواحد بتراكيب مختلفة، لزيادة التوضيح، أو لمقتضى البلاغة، فيقول مثلا: "واعلم أن كل أهوائك لك عدو يحاول هلكتك، ويعترض غفلتك، لأنها خُدع إبليس، وحبائل مكره، ومصايد مكيدته، فاحذرها مجانبا لها."

- غلبة الجمل الإنشائية، بحيث لا تخلو مكاتباته من الأمر والنهي، والدعوة إلى الاتصاف بأخلاق وسلوكيات معينة. ولعل السبب في ذلك هو الطبيعية التعليمية لأسلوبه، بحكم موقعه في ديوان الخلافة.

أصبحت الكتابة عملا معقدا يتطلب ثقافة واسعة، واطلاعا على الأدب بتنوع روافده. فالنهضة التي أحدثها عبد الحميد في عالم الكتابة آنذاك، ألزمت من يأتي بعده من الكُتاب بخصائص جديدة للصنعة، يتوجب فيها على الكاتب أن يمتلك اللغة، ليتصرف في المعاني كما يشاء، وينظم أسلوبه تنظيما موسيقيا دقيقا، حتى تروقَ الكتابة العين والأذن، كما تروق العقل والقلب، يقول الدكتور شوقي ضيف.

في رسالته للكُتاب يُسطر عبد الحميد ما يمكن أن نسميه بدستور الكتابة. فطبقة الكُتاب التي أصبحت جماعة بارزة في مفاصل الدولة، تدين بشرف الصنعة لمجموعة مبادئ من ضمنها قوله: " فنافسوا معشرَ الكتاب في صنوف العلم والأدب، وتفقهوا في الدين، وابدؤوا بعلم كتاب الله عز وجل والفرائض، ثم العربية فإنها ثِقاف ألسنتكم، وأجيدوا الخط فإنه حِلية كتبكم، وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيَرها، فإن ذلك معين على ما تسمون إليه بهِممكم.."

***

حميد بن خيبش

................

- عمر فروخ: الرسائل والمقامات

- حسين نصار: نشأة الكتابة الفنية في الأدب العربي

- محمد كرد علي: رسائل البلغاء.

في المثقف اليوم