في ظل التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة التي شهدها العالم، برزت وسائل اتصال حديثة أحدثت طفرة إيجابية في تسهيل التواصل بين أفراد المجتمع، وساهمت في دعم المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ونظراً لما تحتويه هذه الوسائل من بيانات ومعلومات وثيقة الصلة بالحياة الخاصة للأفراد وحرياتهم الشخصية، فقد ظهر جانبها المظلم المتمثل في الاستغلال غير القانوني لهذه التقنيات. نتج عن هذا الاستغلال ظهور نمط جديد من الجرائم المستحدثة التي تختلف في أركانها، ووسائلها، وغاياتها عن الجرائم التقليدية، وهو ما يُعرف بـ "الجرائم الإلكترونية".
ومن أبرز صور هذه الجرائم وأكثرها خطورة جريمة "الابتزاز الإلكتروني"، التي تغلغلت في الأوساط المجتمعية كافة، ولم يكن المجتمع العراقي بمعزل عنها؛ إذ تسجل المحاكم العراقية يومياً عدداً كبيراً من دعاوى الابتزاز. إن هذا الازدياد المطرد يشكل تهديداً حقيقياً لدعائم المجتمع واستقراره نظراً لانتهاكه الصارخ لخصوصية الأفراد. الأمر الذي يستوجب وضع الحلول الناجعة للحد من هذه الجرائم، لا سيما في الجانبين التشريعي والقضائي، عبر إيجاد التكييف القانوني السليم للفعل الإجرامي بغية فرض العقوبة العادلة التي تحقق الردع العام والخاص
أولاً: مفهوم جريمة الابتزاز الإلكتروني وخصائصها
1. المفهوم القانوني والفقهي
بسبب خلو التشريع العراقي الحالي والأحكام القضائية من تعريف محدد وجامع لجريمة الابتزاز الإلكتروني، فقد تصدى الفقه القانوني لتعريفها. وحيث عُرّفت بأنها: "كل سلوك غير قانوني يتم باستخدام الأجهزة الإلكترونية، يهدف من ورائه الفاعل إلى الحصول على مكاسب مادية أو معنوية من المجني عليه رغماً عنه". كما تُعرف بأنها المخالفات التي ترتكب ضد الأفراد أو الجماعات بدافع إلحاق الأذى بسمعتهم أو تهديدهم بكشف أسرارهم مقابل منافع معينة.
2. خصائص الجريمة
تتميز جريمة الابتزاز الإلكتروني بعدة خصائص تنفرد بها عن الجرائم التقليدية، ومنها:
العابرة للحدود (الجريمة الدولية) لا يقتصر ارتكابها على حدود دولة واحدة، بل يمكن للجاني أن يكون في دولة والمجني عليه في دولة أخرى. وهي تشبه في ذلك جرائم الاتجار بالبشر أو المخدرات، إلا أنها تتميز عنها بعدم حاجة الجاني للانتقال المادي بين الدول.
الجريمة الصامتة (الهادئة) تعتمد الجريمة كلياً على وسائل التقنية الحديثة والأجهزة الذكية واللوحية؛ لذا فهي لا تتطلب جهداً عضلياً أو عنفاً مادياً مسرحياً، بل تُرتكب بهدوء ومن أي مكان يختاره الجاني.
صعوبة الإثبات الرقمي يصعب إثبات هذه الجريمة بالطرق التقليدية؛ لأنها لا تترك أثراً مادياً ملموساً في كثير من الأحيان، فضلاً عن امتلاك الجناة مهارات تقنية تمكنهم من طمس معالم الجريمة أو إخفاء هوياتهم الرقمية بسرعة.
عزوف الضحايا عن الإبلاغ يُعد الخوف من الفضيحة ونظرة المجتمع من أهم مميزات هذه الجريمة، حيث يحجم الكثير من المجني عليهم لا سيما في المجتمعات التي تحكمها العادات والتقاليد العشائرية والاجتماعية المحافظة عن تحريك الشكاوى الجزائية خشية التبعات الاجتماعية.
ثانياً: دوافع الابتزاز الإلكتروني وآثاره المجتمعية
تتعدد الغايات والدوافع الكامنة وراء ارتكاب جريمة الابتزاز الإلكتروني، ويمكن إجمالها في الآتي:
1. الدوافع المادية (المالية)
وهي الأكثر شيوعاً في الواقع العملي، حيث يسعى الجاني إلى إكراه الضحية على دفع مبالغ مالية طائلة أو تقديم تنازلات ذات طابع مادي، مهدداً إياه بنشر معلومات، أو صور، أو مقاطع فيديو سرية تخص حياته الخاصة أو العائلية أو الوظيفية. وتستهدف هذه الجريمة الأفراد العاديين، والشخصيات العامة، والمترفين، وحتى الشخصيات المعنوية كالشركات التجارية.
2. الدوافع غير الأخلاقية والانتقامية
تستهدف هذه الصورة فئة النساء والفتيات بالدرجة الأساس، حيث يتم استدراج الضحية عبر علاقات عاطفية وهمية أو اختراق حساباتهن الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على صور أو مقاطع فيديو خاصة. وفي كثير من الحالات، يعمد بعض المحتالين إلى استخدام برامج تعديل الصور الرقمية (مثل الفوتوشوب أو تقنيات التزييف العميق) لتركيب وجوه الضحايا على مشاهد مخلة بالآداب
أدت العديد من حالات الابتزاز الموجهة ضد النساء إلى عواقب وخيمة، كالانفصال بين الأزواج أمام محاكم الأحوال الشخصية، أو اضطرار الفتيات لتقديم تنازلات تمس شرفهن وسمعتهن خشية الفضيحة، ناهيك عن لجوء العوائل لحل هذه المشاكل خارج أسوار المحاكم وعبر مجالس العشائر وبسرية تامة تجنباً للوصمة الاجتماعية
ثالثاً: التكييف القانوني للجريمة في التشريع الجزائي العراقي
شهد الجانب التشريعي العراقي محاولات لتنظيم هذه الجريمة، حيث تضمن مشروع قانون الجرائم الإلكترونية المقترح عام 2011 (والذي لم يُشرّع حتى الآن) في المادة (11/أولاً/ب) منه عقوبة السجن مدة لا تزيد على سبع سنوات وبغرامة لا تقل عن ثلاثة ملايين دينار ولا تزيد على خمسة ملايين دينار لمرتكب جريمة الابتزاز.
ونتيجة لغياب هذا النص الخاص، اضطر القضاء العراقي إلى تكييف أفعال الابتزاز الإلكتروني بالاستناد إلى النصوص العامة الواردة في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 النافذ، وانقسمت اتجاهات محاكم الموضوع في هذا الصدد إلى ثلاثة اتجاهات:
1. التكييف وفق المادة (432) عقوبات (جرائم التهديد الإنابي)
اتجهت بعض المحاكم في البداية إلى تكييف الفعل وفق المادة 432، باعتبار الفعل يشكل جريمة تهديد في غير الحالات المقترنة بظروف مشددة.
إن هذا التكييف يقع في خطأ قانوني واضح، ويجعل الأحكام الصادرة بموجبه عرضة للنقض من قبل محكمة التمييز، نظراً لأن عقوبة هذه المادة (الحبس البسيط أو الغرامة) لا تتناسب مطلقاً مع خطورة وجسامة فعل الابتزاز الإلكتروني.
2. التكييف وفق المادة (452) عقوبات (اغتصاب السندات والأموال تحت التهديد)
نصت المادة 452 في فقرتها الأولى على: "يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنين أو بالحبس من حمل آخر بطريق التهديد على تسليم نقود أو أشياء أخرى..."، وتشدد العقوبة إلى السجن مدة لا تزيد على عشر سنوات إذا ارتكبت الجريمة بالقوة أو الإكراه، يصح هذا التكييف في حالات الابتزاز المالي المحض، حيث استقر قضاء محكمة التمييز الاتحادية على أن مَن يحمل غيَره بطريق التهديد على تسليم نقود يُعاقب وفق المادة 452/1 عقوبات، باعتبار التهديد هو الوسيلة المعنوية لإعدام إرادة الضحية وحمله على التسليم.
3. التكييف الأصح وفق المادة (430) عقوبات (التهديد المصحوب بطلب)
يرى الفقه القانوني المستنير، وتؤيده أغلب محاكم الجنايات ومحكمة التمييز الاتحادية، أن التكييف القانوني السليم والأدق لجرائم الابتزاز الإلكتروني (خاصة المقترنة بطلب تنازلات أو مبالغ مادية مقابل عدم نشر صور خادشة) ينطبق وأحكام المادة (430) من قانون العقوبات. حيث نص الشق الأخير من الفقرة (1) منها على:
"يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات او بالحبس كل من هدد آخر... بإسناد أمور مخدشة للشرف أو إفشائها وكان ذلك مصحوباً بطلب أو بتكليف بأمر أو الامتناع عن فعل أو مقصوداً به ذلك".
فهذا النص يستوعب تماماً الأركان المادية والمعنوية لجريمة الابتزاز الإلكتروني؛ إذ يمثل النشر أو التهديد بالنشر إسناداً لأمور مخدشة للشرف، ويكون هذا التهديد معاصراً أو مقترناً بطلب (سواء كان الطلب مالياً أو معنوياً أو جنسياً)، وهو ما استقرت عليه أحكام محكمة التمييز الاتحادية مؤخراً في تصديقها للأحكام الصادرة وفق هذه المادة تحقيقاً للردع والعدالة.
***
المحامي اسعد رشيد الجوراني








