أقلام حرة

رافد القاضي: الحب وسلاحه على طاولة الاجتماعات

جلسة طارئة بلا جدول أعمال

الحب.. تلك الكلمة الصغيرة التي تتسرب إلى حياتنا بلا استئذان كفيروس ذكي يعرف كل الطرق ليجعلنا عاجزين عن التفكير العقلاني ويحولنا إلى نسخة هزيلة من أنفسنا نعم الحب ذلك النظام العشوائي الذي لا يعرف القانون ولا يحترم أي جدول أعمال، والذي يجعل البشر يضحكون ويبكون في نفس اللحظة وكأن الكون نفسه قرر إقامة مسرحية هزلية باسم القلب

وفي الحب كل شيء يبدأ بالبريق: النظرات الرسائل الهمسات والوعود التي تُكتب على الورق أو في ذاكرة الهاتف وتبدأ الأمور وكأنها حملة انتخابية ناجحة: الجميع سعيد الجميع متحمس والجميع يعتقد أن النصر مضمون لكن بعد فترة قصيرة يظهر الجانب الآخر من الحب: فوضى القرارات الانفعالات المفاجئة والانقسامات العاطفية تمامًا كما يحدث بعد أي انتخابات مفاجئة في دولة غير مستقرة.

الحب يفرض قواعده الخاصة لكنه لا يخبر أحدًا بها وكل قلب يعتقد أنه يستطيع السيطرة وكل عقل يظن أنه يتخذ القرارات الصحيحة لكن في النهاية تُهزم كل الاستراتيجيات أمام كلمة غير مقصودة أو نظرة عابرة والحب أشبه بمعركة دبلوماسية معقدة: كل طرف يحاول الحصول على تنازلات وكل طرف يعتقد أن لديه الحق المطلق والنتيجة؟

غالبًا الفوضى والضحك على سخافة الموقف

أحد أظرف عناصر الحب هو الجانب الاقتصادي نعم فالحب ليس مجرد مشاعر إنه مشروع مالي ضخم الهدايا الرحلات العشاء الفاخر الرسائل المكلفة عاطفيًا… كل هذه الأمور تجعل الحب أشبه بميزانية وطنية بلا تخطيط وأحيانًا تجد نفسك في موقف تقول فيه: “هل يجب أن أشتري هذه الزهرة؟

هل سأخرج على الطريق الصحيح للعاطفة، أم أنني سأدخل أزمة مالية ؟”

الحب يجعلنا خبراء في الحسابات لكنه لا يعلمنا الإدارة وكل الميزانيات العاطفية تنهار فجأة عند أول خلاف وكل التخطيط الذكي يتحطم أمام كلمة بسيطة أو سوء تفاهم

وبالطبع لا يمكننا تجاهل الجانب السياسي للحب والحب يجمع الناس لكنه يفرقهم أيضًا والحب يعلن حربًا بلا إشارات تحذير يفرض حصارًا عاطفيًا وينسّق المؤامرات الصغيرة بين القلوب.

كل قلب يحاول فرض سيطرته على الآخر وكل عقل يحاول البقاء حيًا بينما كل العواطف تتصارع بلا رحمة وإذا كنت تعتقد أن الحب يشبه الاقتصاد أو الحرب فأنت مخطئ: الحب أكثر فوضوية وأكثر متعة وأكثر جنونًا من أي معركة أو مفاوضات سياسية شهدتها البشرية.

ومن الطرائف الكبيرة في الحب أنه يجعلنا نفقد أي حجة عقلانية والقلب يصر على الانطلاق نحو الرومانسية بينما العقل يصر على السلامة والخطة المدروسة...النتيجة ؟ غالبًا ما نجد أنفسنا نختبئ تحت البطانيات نتبادل الرسائل الغريبة ونضحك على سخافة ما حدث قبل ساعة فقط نعم الحب يجعلنا سذجًا بطريقة ممتعة لكنه في الوقت نفسه يحوّل حياتنا إلى مسرحية كوميدية نعيشها على طبيعة يومية.

الحب أيضًا لا يعرف جدولًا زمنيًا وقد تأتي الرسالة في منتصف الليل أو الإعجاب في وقت الغداء، وكأن الكون نفسه يقول لك: “ها هي الأزمة التالية هل أنت مستعد ؟” وهو الوحيد الذي يجعل الناس يصرخون بالفرح والغضب في آن واحد وكأنهم يعيشون اجتماع طارئ لمجلس الأمن على مستوى القلب  بينما النتيجة دائمًا: صدمة عاطفية!

ومن الطرائف الأكثر إقناعًا في الحب أنه يعلمنا الصبر… أحيانًا فهو يجعلنا ننتظر ساعات على الرد أيامًا على لقاء صغير وشهورًا على اعتراف صغير وكأن كل دقيقة من الانتظار تختبرنا كأننا في امتحان عالمي لكن بالمقابل يقدم لنا مفاجآت لا يمكن التنبؤ بها: رسالة غير متوقعة اتصال عاطفي عابر، أو نظرة مليئة بالمعاني تجعل كل الانتظار يستحق. 

الحب لا يرحم أحدًا وهو يجعل الأطفال يبدو كخبراء في فنون التلاعب ويجعل البالغين يتصرفون كسذج ويجعل الكبار يعودون إلى الطفولة يتصرفون بلا خطط بلا منطق بلا تحفظ فقط استجابة للنبضات العاطفية.

والحقيقة أن الحب يشبه لعبة اللوبي الكبيرة: كل طرف يحاول السيطرة على قلب الآخر، وكل قلب يتحرك بخطوات مخفية وكل عقل يحاول فهم ما يجري لكن غالبًا بلا جدوى كما أن الحب يفرض علينا حضور الاجتماعات العاطفية المفاجئة: مأدبة الغرام نزهة البراءة عشاء الاسترضاء مكالمات الصباح ومسجات الليل.

كلها تبدو كجولات تفاوض دبلوماسية وكل منها يحمل تهديدًا ضمنيًا: “إذا لم تبتسم، ستدفع الثمن” لكننا  بلا وعي، نوافق على كل شيء ونحب كل لحظة ونضحك على كل فخ.

الحب يعلمنا أيضًا لغة جديدة: لغة التلميحات والرموز لغة الإشارات الغامضة لغة النظر والابتسامة وهذه اللغة وحدها كافية لتدمير أو إنقاذ العلاقات وكأن كل كلمة غير منطوقة هي سلاح نووي جاهز للانفجار وكل نظرة خاطفة قد تكون بمثابة هدنة دائمة أو إعلان حرب جديدة.

في النهاية الحب يشبه الانتخابات والجميع يشارك الجميع يصر على الفوز والقليل فقط ينجح في الاستمرار حتى الدورة التالية والحب يجعلنا نضحك على أنفسنا نكتشف أننا أكثر جنونًا مما كنا نظن لكنه في الوقت نفسه أجمل أزمة عرفها الإنسان على الإطلاق.

الحب… هذا النظام العشوائي هذا الاختراع الكوني هذا الترف العاطفي هذا الصراع الأبدي، هو الذي يجعل الحياة تستحق كل هذا الجنون ويجعل القلوب تعيش على أمل أن يكون الفشل مجرد درس وأن يكون النجاح لحظة قصيرة لكنها عذبة وكأننا جميعًا نتعلم السياسة لكن بطرق لا عقلانية وبضحكات لا تنتهي وبقلوب مفتوحة على الفوضى وعلى المسرح الكبير للحياة.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

في المثقف اليوم