عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صابر الحميدي: الكتب التي تكبر معنا

نحن لا نعيد قراءة الكتب لأنّنا نسيناها، بل لأنّنا تغيّرنا. فالكتاب الحقيقي لا يبقى ثابتًا على رفوف الزمن؛ إنّه كائنٌ سرّيّ يبدّل ملامحه كلّما تبدّلت أرواحنا.

في القراءة الأولى نطالع الحكاية، وفي الثانية نطالع أنفسنا داخلها. نمرّ على الجملة ذاتها فنجدها قد كبرت معنا، أو ربما نحن الذين كبرنا بأوجاعٍ لم نكن نعرفها يوم قرأناها أول مرة.

بعض الكتب تشبه المرايا؛ لا تعكس الوجه نفسه مرتين. نعود إليها لأنّ العمر يضيف إلى أرواحنا طبقاتٍ من الفقد والحنين والخذلان، فنفهم فجأةً لماذا بكى البطل، ولماذا صمت الكاتب في الموضع الذي ظننّاه عابرًا.

القراءة الثانية ليست تكرارًا، بل بعثٌ جديد للنصّ. فنحن لا نقرأ الكتاب مرّتين، بل نقرأ إنسانين مختلفين: الذي كنّاه بالأمس، والذي صرنا إليه اليوم. لهذا تبقى الكتب العظيمة حيّة؛ لأنّها لا تمنحك معناها دفعةً واحدة، بل تكشف لك نفسها ببطء، كما تفعل الأرواح العميقة حين تألفك.

***

بقلم د. صابر الحميدي- تونس