أقلام حرة

صادق السامرائي: غياهب النسيان!!

غيهب: ظُلمة، ضعيف، غافل

أجيال تسحق أجيالا، ومَن توسد التراب حفه النسيان، وعاش في غيهب، لا يذكره ولا يراه أحد، والمجتمعات كالنهر الجاري، أمواجه اللاحقة لا تتذكر أمواجه السابقة، وكل مَن عليها فان، ورحى الأرض الدوّارة تطحن الموجودات وتحيلها إلى عناصرها الأولية، فأبجديات الخلق المطلق مدونة في الجدول الدوري لديمتري مندلييف (1834 - 1907).

كل مخلوق يغيب ويذوب في الثرى، ويتحول إلى رميم بعد حين، وقد تبقى بعض عظامه، ويفقد أثره ودالته بعد أن تطحنه ماكنة الأرض الدوّارة، التي تأكل بقدر ما تعطي، وتطعم خلقها لتأكله، وهي الفاعل فيهم، وما فوق التراب مفعول به وفيه، والأيام تتعاقب على قطف وجوده وتحويله إلى لقمة لآفات التراب المتربصة لفريسة شهية.

وتنتشر عناصره في ما سيأتي من الموجودات التي يلدها التراب، فالنسيان الحقيقي إنتشار لجزيئات المخلوق في كينونات متعددة، فلكل عنصر دوره ورسالته، وما يُنسى لا يَفنى بل يتجدد في صيرورات متلاحقة.

ويبدو أن النسيان وسيلة البشر للتخلص من تداعيات الأحزان، ومواجهة الحقيقة ذات الأسنان.

سياكلهم تراب البين طرا... ومن موتٍ فما وجدوا مفرّا

هكذا يدور دولاب الدنيا ويبدل الأحوال، ويقتلع المخلوقات من مدينة الحياة، ويلقي بها في دياجير التلاشي والنسيان، الذي ينبعث في الوعي البشري حال الإنتهاء من دفن الذي مات.

أجيال الحاضر تناست أجيالا سبقتها في المسير المتفاعل مع التحديات، وأعطت ما تمكنت منه في مكانها وزمانها، وغادرت الدنيا بصمت وما عادت بحسبان المعاصرين، وكأنهم قطرات ماء إنسكبت في رمال الرمضاء اللاهبة، فما قيمة ما قالوا وما فعلوا، وأفعال الحاضر ذات عناوين مغايرة، وتطلعات متجددة وصاخبة.

غابَ موجودٌ تَطامى بالثرى

دامَ يَسعى في كياناتِ الوَرى

أبْجدياتُ الخليقِ المُنتقى

كلّها رهنٌ بميزانِ الضَرى

ماتَ خلقٌ وتَوارى وانْطوى

مُستجيرا بعَساعيسِ الكَرى

***

د. صادق السامرائي

 

في المثقف اليوم