أقلام حرة
أكرم عثمان: العدالة التي تلهم القادة
عندما تتولى موقع المسؤولية في مؤسسة أو منظمة، لا تتعامل مع نمط واحد من البشر، بل مع فسيفساء إنسانية واسعة؛ اختلاف في الطباع، وتنوع في الخلفيات، وتباين في القيم والدوافع. هنا تحديداً، لا تعود القيادة منصباً، بل اختباراً أخلاقياً يومياً.
تجربتي علمتني أن العمل مع الموظفين يحتاج إلى قواعد واضحة وضوابط عادلة، لا تدار بالأهواء، ولا تكيف بالعلاقات، بل تطبق على الجميع دون استثناء. فبيئة العمل الصحية لا تقوم على المحاباة، بل على الشفافية والإنصاف والعدالة.
أصعب ما يواجه القائد أن يختبر عدالته مع من يحبهم، مع من يثق بهم، ومع من يعتبرهم من خيرة فريقه. فالعدل مع الغريب سهل، أما العدل مع القريب فهو الامتحان الحقيقي الذي يقيس فيه قوة القائد وقوامه قيمه ومسؤوليته ومهامه.
أذكر موقفاً لا يزال حاضراً في ذاكرتي؛ أحد الموظفين الذين كنت أعتبرهم الأقرب إلي، والأفضل أداء وتميزاً، والأكثر التزاماً. حدث منه تجاوز واضح في التزامه بالدوام والعمل، وهو أمر لا يمكن تجاوزه وفق القواعد المعمول بها. استدعيته إلى مكتبي، رحبت به، تحدثنا عن عمله وإنجازاته، ثم قلت له بهدوء:
ما حدث منك خروج عن القواعد والضوابط، وهذا يستوجب إنذاراً رسمياً.
اعترض بشدة، ورفض التوقيع. لم يكن الموقف سهلاً؛ فالعلاقة الإنسانية حاضرة، والتقدير المهني قائم. إلا أن العدالة لا تعرف المجاملة. أحضرته إلى المدير التنفيذي، الذي اختار بدوره إنهاء الموضوع بالتفاهم، وألغي القرار رسمياً.
انتهى الموقف إدارياً… لكنه لم ينته إنسانياً.
ذلك الموظف كان حينها يدرس الماجستير، وقلت له في أحد الأيام: أراك قائداً بالفطرة، وستكون رجلاًَ ذا شأن يوماً ما.
مرت السنوات، وأصبح يحمل درجة الدكتوراه، أستاذاً جامعياً، ورجل أعمال مرموقاً. وكلما التقيته أو اتصل بي أو اتصلت به، يكرر جملة واحدة لا أنساها: « ذلك الإنذار الذي كدت تعطيني إياه كان ممكن يوديني في حوض نعنع بل غير حياتي… جعلني أراجع نفسي، وأتعامل مع كل تفصيل بجدية ومسؤولية».
هنا أدركت معنى عميقاً في القيادة:
ليس كل قرار عادل يطبق، لكنه يترك أثره.
وليس كل حزم قسوة، أحياناً يكون أصدق أشكال المحبة.
هذه القصة ليست عن إنذار لم ينفذ، بل عن قيمة زرعت عن قائد آمن أن العدالة لا تجزأ، وأن التربية القيادية لا تكون بالتغاضي، بل بالموقف الواضح.
نحتاج أن نفرد مساحات أوسع للتعلم من قصص الحياة وتجاربها، وأن نعيد تعريف القيادة على أنها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سلطة إدارية. فالعدل حين يجري في مساره الصحيح، قد لا يرضي الجميع لحظتها، لكنه يصنع بشراً أفضل على المدى البعيد.
العدالة لا تقصي… العدالة تعدل المسار وتلهم الآخرين.
***
بقلم: د. أكرم عثمان
5-1-2026







