عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عبد الله الهميلي: أزمة هوسرل

حين يتحدث إدموند هوسرل عن أزمة العلوم الأوروبية، فهو لا يعلن انهيار العلم من الداخل، ولا يشكّك في منجزاته الرياضية والتقنية والتجريبية. الأزمة عنده أعمق من خطأ فيزيائي أو نقص منهجي؛ إنها أزمة معنى. لقد صارت العلوم الحديثة قادرة على قياس العالم، وضبطه، وتحويله إلى معادلات ونماذج وقوانين ورسوم بيانية، لكنها فقدت القدرة على الإجابة عن السؤال الذي يهم الإنسان بوصفه كائنًا يعيش، ويتألم، ويختار، ويتذكّر، ويأمل، ويموت: ما معنى هذا العالم بالنسبة إلينا؟

كتاب هوسرل «أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترانسندنتالية»، وهو آخر مشاريعه الكبرى، كُتب في سنوات 1934–1937، ونُشرت أجزاؤه الأولى سنة 1936، ثم صدر بصيغته اللاحقة بعد وفاة هوسرل سنة 1954، مع ملحقات مهمة، ومن أشهرها نص «أصل الهندسة» الذي نُشر سنة 1939. أما الترجمة الإنجليزية المعروفة لديفيد كار فقد صدرت عن Northwestern University Press سنة 1970، وهي ترجمة للنص الألماني الذي حرّره والتر بيمِل سنة 1954 وقد نُقل الكتاب للعربية عن دار المنظمة العربية للترجمة سنة ٢٠٠٨ من الإلمانية من ترجمة اسماعيل مصدق.

أهمية هذا الكتاب أنه يمثل المرحلة الأخيرة من فكر هوسرل: مرحلة انتقل فيها من تحليل القصدية والوعي والزمن والمنهج الفينومينولوجي إلى مساءلة المصير الروحي للحضارة الأوروبية الحديثة. هوسرل، بوصفه مؤسس الفينومينولوجيا، ارتبط اسمه بتحليل القصدية، والإدراك، والزمانية، والجسد، والغيرية، وعالم الحياة، ونقد الاختزالية والعلموية والموضوعانية.

1. معنى الأزمة عند هوسرل:

الأزمة عند هوسرل أزمة مزدوجة: أزمة في العلم من جهة، وأزمة في الإنسان الأوروبي الحديث من جهة أخرى. لكن المقصود بالعلم هنا ليس المختبر أو المعادلة أو الرصد التجريبي، وإنما الصورة الفلسفية التي كوّنها العلم الحديث عن نفسه. لقد تحوّل العلم من مشروع عقلاني لتحرير الإنسان من الغموض إلى جهاز موضوعاني يختزل العالم إلى كمية، والإنسان إلى موضوع، والحياة إلى نظام قابل للحساب.

هوسرل يرى أن العلوم الحديثة بلغت نجاحًا هائلًا في التنبؤ والسيطرة، لكنها فقدت علاقتها بالأسئلة الكبرى: سؤال الغاية، والقيمة، والمصير، والحرية، والمسؤولية، والمعنى. إنها علوم تنتج حقائق جزئية دقيقة، لكنها تعجز عن منح الإنسان توجيهًا وجوديًا. ومن ثمّ، فالأزمة لا تنبع من فشل العلم في مجال اختصاصه، وإنما من تمدد نموذجه حتى صار معيارًا وحيدًا للحقيقة.

بكلمات أخرى: الفيزياء تستطيع أن تصف سقوط الجسد، لكنها لا تستطيع أن تصف سقوط المعنى. والرياضيات تستطيع أن تبني فضاءً مثاليًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تفسّر كيف صار هذا الفضاء ذا معنى داخل خبرة بشرية معيشة. وعلم الأعصاب يستطيع أن يصف نشاط الدماغ، لكنه يحتاج إلى أفق فينومينولوجي كي يفهم كيف يظهر الألم والخوف والذاكرة والقرار من جهة التجربة الحية.

2. غاليليو ورياضة الطبيعة:

يرجع هوسرل بجذر الأزمة إلى لحظة حاسمة في تاريخ العلم الحديث: لحظة غاليليو. لم يكن غاليليو، في نظر هوسرل، مجرد عالم فيزيائي عظيم؛ كان مؤسسًا لتحول أنطولوجي كامل في فهم الطبيعة. مع غاليليو، صارت الطبيعة تُفهم بوصفها بنية رياضية قابلة للقياس. اللون، والرائحة، والحرارة، والصلابة، والنعومة، والثقل، والقرب، والبعد؛ كلها صارت تُعاد صياغتها ضمن نسق رياضي كمي.

هذا التحول منح العلم قوة هائلة، لكنه صنع نسيانًا خطيرًا: نسيان أن العالم الرياضي ليس العالم الأول الذي نحياه، بل طبقة مثالية مبنية فوق عالم الخبرة. هوسرل يسمّي هذا العالم الأول «عالم الحياة»: العالم السابق على التنظير، العالم الذي نمشي فيه، ونلمس الأشياء، ونخاف، وننتظر، ونحب، ونعمل، ونقيم علاقاتنا اليومية.

توضح مراجعات فلسفية معاصرة لكتاب «الأزمة» أن مفهوم عالم الحياة Lebenswelt هو المفهوم المركزي في الكتاب، وأن هوسرل يربط الأزمة بانتصار العلم الغاليلي، أي وصف الطبيعة بقوانين رياضية موضوعية خالصة.

الخطأ عند هوسرل لا يقع في استخدام الرياضيات، بل في تحويل النموذج الرياضي إلى الحقيقة الوحيدة للعالم. النموذج الرياضي ينجح لأنه يجرّد، ويقيس، ويثبّت، ويستبعد الكيفيات الحسية المتغيرة. غير أن هذا النجاح يتحول إلى مأزق عندما ينسى العلم أنه بنى مثاليته فوق خبرة سابقة: خبرة الجسد والعين واليد والاتجاه والحركة والزمن المعيش.

3. الموضوعانية ونسيان الذات:

الموضوعانية Objectivism هي الاعتقاد بأن العالم الحقيقي هو العالم كما تصفه العلوم الطبيعية وحدها: عالم مستقل، كمي، ممتد، محايد، خالٍ من كل علاقة بالذات. لكن هوسرل لا يريد ردّ العالم إلى خيال ذاتي؛ إنه يريد كشف العلاقة الأصلية بين العالم كما يظهر والذات التي ينكشف لها العالم.

العالم العلمي ليس عالمًا آخر خلف العالم المعيش؛ إنه طريقة مخصوصة في ظهور العالم نفسه. عندما يرى الفيزيائي الطاولة بوصفها تركيبًا من ذرات وقوى، فهو لا يغادر الطاولة التي نضع عليها الكتاب والكوب، بل يعيد تأويلها ضمن موقف نظري. وهنا تكمن دقة هوسرل: العلم موقف من العالم، لا العالم في ذاته مكتملًا بلا علاقة بالظهور.

 هوسرل يرى فرقًا بين العالم كما نخبره إدراكيًا والعالم كما تحدده العلوم الطبيعية، لكنه لا يجعله فرقًا بين «عالم لنا» و«عالم في ذاته» منفصلين؛ بل فرقًا بين طريقتين في ظهور العالم نفسه.

الموضوعانية تنسى أن كل موضوعية تحتاج إلى ذاتية ترانسندنتالية تمنحها أفق الظهور والتحقق والمعنى والصدق. لا توجد معادلة علمية معلّقة في فراغ ميتافيزيقي. كل معادلة تُكتب، وتُفهم، وتُدرّس، وتُختبر، وتُورّث داخل جماعة بشرية ولغة وتاريخ ومؤسسات وأفق مشترك من المعنى.

4. العلموية بوصفها أزمة عقل:

ينتقد هوسرل العلموية Scientism، وهي تحويل العلم الطبيعي إلى معيار مطلق لكل حقيقة. العلموية تختلف عن العلم؛ فالعلم ممارسة معرفية منضبطة، أما العلموية فهي أيديولوجيا فلسفية تقول إن كل ما لا يُقاس، أو لا يدخل في نموذج طبيعي صارم، فاقد للقيمة المعرفية.

من منظور هوسرل، هذا الاختزال يطرد الأسئلة التي صنعت الفلسفة منذ بدايتها: ما الحقيقة؟ ما العقل؟ ما الخير؟ ما معنى الحياة؟ ما الحرية؟ ما العدالة؟ ما الإنسان؟ العلوم الجزئية تدرس قطاعات من الواقع، لكنها حين تصير بديلًا عن الفلسفة تتحول إلى قوة عمياء، لأنها تعرف الوسائل وتفقد الغايات.

هكذا تصبح الأزمة أزمة عقل لا أزمة مختبر. العقل الحديث لم ينقصه الذكاء الحسابي، بل نقصته القدرة على الرجوع إلى منابعه. لقد امتلك التقنية وفقد الحكمة، وامتلك القياس وفقد التأويل، وامتلك الدقة وفقد السؤال عن معنى الدقة نفسها.

5. عالم الحياة Lebenswelt:

مفهوم عالم الحياة هو قلب كتاب «الأزمة». عالم الحياة هو العالم السابق على العلم، والسابق على النظرية، والسابق على التجريد. إنه العالم الذي نعيش داخله قبل أن نحوّله إلى موضوع بحث. لا ندخل العالم أولًا كعلماء فيزياء، بل كأجساد حية تتحرك، وتلمس، وتقاوم، وتتجه، وتخاف، وترغب، وتبني علاقات.

عالم الحياة عند هوسرل هو العالم الذي نعيش فيه ونشعر بالألفة داخله، عالم التجربة اليومية المأخوذ غالبًا كمعطى، والذي يؤسس أفعالنا اليومية. كما تبيّن أن اختزال كل موجود إلى حقائق علمية طبيعية قاد إلى تقليل شأن هذا العالم، وإلى أزمة العلم الحديث واغترابه عن التجربة الإنسانية وأسئلة المعنى والقيمة.

عالم الحياة ليس مجرد «حياة يومية» سطحية، بل هو البنية العميقة التي تجعل العلم نفسه ممكنًا. فالقياس يحتاج إلى أدوات، والأدوات تحتاج إلى أجساد تستخدمها، والجسد يحتاج إلى اتجاهات مكانية، والنتيجة العلمية تحتاج إلى لغة وتواصل وتحقق بين ذوات. حتى أكثر العلوم تجريدًا تحمل أثرًا من عالم الحياة: الورقة، والسبورة، والمختبر، والجسد الذي يقرأ، والعين التي ترى المؤشر، واليد التي تضبط الجهاز، والجماعة التي تصدّق أو تراجع.

لهذا، فالعلم لا يعلو فوق عالم الحياة بطريقة انفصال مطلق؛ إنه ينمو منه، ثم يعود فيغيره. النظريات العلمية تتحول مع الزمن إلى جزء من فهمنا اليومي للعالم. الطفل اليوم يتحدث عن «الكهرباء» و«الجاذبية» و«الدماغ» بوصفها معطيات مألوفة، وهذه مفاهيم كانت يومًا ما نتائج نظرية. هوسرل يرى أن العلاقة بين العلم وعالم الحياة علاقة نشوء وترسّب وتحوّل متبادل.

6. الإيبوخيه وإعادة تعليق العالم العلمي:

في أعمال هوسرل الأولى، كانت الإيبوخيه تعني تعليق الموقف الطبيعي كي ندرس كيف يُعطى العالم للوعي. وفي كتاب «الأزمة»، يأخذ المنهج منعطفًا جديدًا: علينا تعليق هيمنة العالم العلمي الموضوعاني كي نعود إلى عالم الحياة الذي انبثقت منه العلوم.

الإيبوخيه عند هوسرل لا تعني الشك الديكارتي بمعناه النفسي، ولا إنكار الواقع، ولا الهروب إلى داخل ذات مغلقة. إنها تعليق السذاجة التي تجعلنا نأخذ العالم كما هو مفترض مسبقًا من غير مساءلة. موسوعة ستانفورد توضّح أن الإيبوخيه لا تهدف إلى استبعاد الواقع، بل إلى تعليق موقف دوغمائي تجاهه، والانتقال إلى تحليل كيفية ظهور الواقع ضمن منظور وتجربة.

في «الأزمة»، يصبح المطلوب تعليق بداهة العلم الحديث نفسه. فالفيزياء والرياضيات ليستا مشكلة بسبب دقتهما، بل بسبب تحولهما إلى بداهة لا تُسأل عن أصلها. الإيبوخيه هنا تفتح سؤالًا جذريًا: كيف صار العالم قابلًا للرياضة أصلًا؟ كيف انتقلت الهندسة من خبرة الأرض والقياس والحدود والمسافة والامتداد إلى عالم مثالي من الأشكال الخالصة؟ كيف صار العقل الحديث يظن أن ما ينتجه التجريد هو الأصل، وأن التجربة المعيشة مجرد مظهر ثانوي؟

7. من ديكارت إلى هوسرل:

هوسرل يقدّر ديكارت لأنه أدرك ضرورة الرجوع إلى الذات. لكن ديكارت، في نظر هوسرل، لم يذهب بعيدًا بما يكفي. لقد اكتشف الكوجيتو، ثم أعاده سريعًا إلى ميتافيزيقا الجوهرين: نفس مفكرة وجسم ممتد. وبذلك بقي أسيرًا لتصور ثنائي يقطع الذات عن العالم.

هوسرل يريد تعميق الكوجيتو لا تكراره. الذات عنده ليست جوهرًا نفسيًا داخل الجسد، بل مركز ظهور العالم ومعناه. إنها ذات قصدية، أي إنها دائمًا متجهة إلى شيء: ترى شيئًا، وتتذكر شيئًا، وتخاف من شيء، وترغب في شيء، وتحكم على شيء. الوعي ليس صندوقًا داخليًا مغلقًا، بل انفتاح بنيوي على العالم.

لهذا، فالأزمة الحديثة تبدأ حين صارت الذات إما شيئًا نفسيًا داخل العالم الطبيعي، وإما مبدأً ميتافيزيقيًا منفصلًا عن العالم. هوسرل يقترح طريقًا ثالثًا: الذات الترانسندنتالية بوصفها شرط إمكان المعنى والموضوعية، لا بوصفها شيئًا من أشياء العالم.

8. هوسرل وكانط:

يشترك هوسرل مع كانط في أن الموضوعية لا تُفهم بلا شروط قبلية، لكنه يختلف عنه في طريقته. كانط بحث في شروط إمكان التجربة من جهة البنى القبلية للعقل: المكان، والزمان، والمقولات. أما هوسرل فيعود إلى التجربة نفسها، إلى كيفية إعطاء الشيء، وإلى القصدية، والأفق، والجسد، والزمن الداخلي، والغيرية.

كانط أقام نقدًا للعقل، وهوسرل يقيم وصفًا ترانسندنتاليًا للخبرة. كانط يسأل: ما شروط إمكان المعرفة العلمية؟ وهوسرل يسأل: كيف يظهر العالم أصلًا بحيث يمكن أن يكون موضوع معرفة وعلم وقيمة وتاريخ وتواصل؟

في «الأزمة»، تصبح الفينومينولوجيا عند هوسرل صورة نهائية للفلسفة الترانسندنتالية، لأنها تكشف أن الموضوعية ليست معطاة خارج كل ذاتية، بل تتأسس عبر علاقة قصدية بين الذات والعالم. تذكر موسوعة ستانفورد أن هوسرل يصف الفينومينولوجيا في كتاب «الأزمة» بوصفها الصورة النهائية للفلسفة الترانسندنتالية، وأنها تتحدد بنقد الموضوعانية وبإيضاح الذاتية كمكان لتشكّل المعنى والصلاحية الموضوعية.

9. التاريخية وترسّب المعنى:

من أهم إضافات كتاب «الأزمة» أن هوسرل لم يعد يكتفي بتحليل الوعي الفردي، بل صار يحلل التاريخ بوصفه مجالًا لترسّب المعاني. العلم لا ينشأ دفعة واحدة؛ إنه يُبنى عبر تقاليد ونصوص ومؤسسات وتعليم ورموز ونقل بين الأجيال.

الهندسة، مثلًا، تبدأ من قياس الأرض والحدود والمساحات والبناء، ثم تتحول إلى علم مثالي مستقل عن الأرض الحسية. ومع الزمن ينسى العقل الحديث هذا الأصل العملي–الحياتي. تنفصل الرموز عن منابعها، وتبدو وكأنها حقائق أزلية قائمة بذاتها. هذه هي الأزمة بوصفها نسيانًا للأصل.

كتاب «الأزمة» أدخل تأكيدًا جديدًا على التاريخية، حيث يعترف هوسرل بالعلم بوصفه منتجًا ثقافيًا تاريخيًا، ويبحث عن أصول عالم الحياة للهندسة الصورية والعلم الطبيعي الرياضي.

الهندسة، وفق هذا التحليل، ليست مجرد نسق صوري؛ إنها ذاكرة ثقافية تعلّمت كيف تنسى جسدها الأول. كل مفهوم علمي يحمل تاريخًا مطمورًا: تاريخ اليد التي قاست، والعين التي قارنت، واللغة التي سمّت، والجماعة التي ثبّتت المعنى.

10. الأزمة بوصفها اغترابًا عن الجسد:

لو قرأنا هوسرل من منظور فلسفي-عصبي، أمكن القول إن أزمة العلوم الحديثة هي أيضًا أزمة في علاقة المعرفة بالجسد. العلم الحديث يميل إلى تحويل الإدراك إلى تمثيل، والجسد إلى جهاز بيولوجي، والعالم إلى معطيات خارجية. أما هوسرل فيعيد الاعتبار إلى الجسد المعيش Leib: الجسد الذي لا أملكه كما أملك شيئًا، بل أعيش من خلاله.

الجسد هو مركز الاتجاهات: يمين، ويسار، وفوق، وتحت، وقريب، وبعيد. وهو أصل القياس العملي قبل أن تظهر الرياضيات، وحامل العادة والمهارة والتوقع والخوف والانتباه والإيقاع الزمني. علم الأعصاب المعاصر، حين يدرس الإدراك المتجسد، والتنبؤ الدماغي، وخرائط الجسد، والارتباط بين الحركة والمعنى، يقترب من حدس هوسرل: الوعي لا يسبح فوق الجسد، والمعرفة لا تبدأ من معادلة، بل من تماس حي بين كائن حساس وعالم مقاوم.

من هذه الجهة، تبدو أزمة هوسرل صالحة لقراءة عصرنا: الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، ونماذج التنبؤ، والخوارزميات، والقياس النفسي الرقمي؛ كلها تعيد إنتاج السؤال الهوسرلي: ماذا يحدث حين يتحول الإنسان إلى نمط قابل للحساب؟ ماذا يبقى من الخبرة حين تُختزل إلى بيانات؟ وماذا يحدث للمعنى حين تسيطر أدوات القياس على أفق الفهم؟

11. الأزمة والإنسان الأوروبي:

هوسرل يتحدث عن «العلوم الأوروبية»، لكنه لا يقصد أوروبا بوصفها جغرافيا ضيقة. أوروبا عنده اسم لمشروع روحي بدأ مع اليونان: مشروع العقل الكوني، والسؤال الحر، والنظرية بوصفها طلبًا للحقيقة. الأزمة تقع حين يخون هذا المشروع ذاته، أي حين يتحول العقل إلى تقنية خالية من التأمل في غاياتها.

لذلك، فالأزمة سياسية وأخلاقية أيضًا. حين تتحول العلوم إلى أدوات سيطرة بلا سؤال عن المعنى، يمكن للعقل أن يخدم التدمير كما يخدم البناء. يمكن للتقنية أن تنظم الحياة أو تسحقها، ويمكن للدقة أن تصبح عمياء. هوسرل كتب في زمن صعود الفاشية، وانهيار أوروبا الروحي، وتحول العقل التقني إلى قوة تاريخية مخيفة. لذلك يحمل كتاب «الأزمة» نبرة إنقاذية: إنقاذ العقل من صورته المختزلة.

12. نقد هوسرل وحدوده:

رغم عمق تشخيص هوسرل، يمكن توجيه عدة اعتراضات إليه.

أولًا، مفهوم أوروبا عنده يحمل أثرًا مركزانيًا واضحًا؛ فهو يجعل العقل النظري الكوني مرتبطًا غالبًا باليونان وأوروبا. يمكن اليوم توسيع أطروحته عبر إدخال الفلسفات الإسلامية والهندية والصينية والبوذية في تاريخ العقل، كي لا يصبح مشروع الكونية محصورًا في ذاكرة حضارية واحدة.

ثانيًا، هوسرل ينتقد العلموية بدقة، لكنه أحيانًا يبدو شديد الثقة في قدرة الفينومينولوجيا على تأسيس معنى كلي. التجربة البشرية متعددة، وتاريخية، ولغوية، ومشحونة بالسلطة. من هنا جاءت اعتراضات لاحقة عند هايدغر، وميرلو-بونتي، وفوكو، ودريدا، ولاكان: الوعي لا يملك شفافية مطلقة تجاه نفسه، والمعنى يتشكل أيضًا عبر اللغة واللاوعي والسلطة والجسد الاجتماعي.

ثالثًا، عالم الحياة عند هوسرل قد يُقرأ أحيانًا بوصفه أصلًا بريئًا سابقًا على العلم، مع أن عالم الحياة نفسه مشبع بالتقاليد والأساطير والهيمنة والتحيزات واللامساواة. لذلك يلزم استكمال هوسرل بنقد اجتماعي: العودة إلى عالم الحياة لا تكفي؛ لأن عالم الحياة قد يكون مجالًا للمعنى ومجالًا للقمع في الوقت نفسه.

مع ذلك، تبقى قوة هوسرل في أنه كشف الجرح الأصلي للحداثة: أن العقل حين ينسى جذره المعيش يتحول إلى آلة دقيقة، وأن العلم حين يفقد صلته بالمعنى يصبح كفاءة بلا حكمة.

أزمة هوسرل هي أزمة العالم الحديث حين يربح السيطرة ويخسر التأويل. إنها أزمة علم يعرف كيف يقيس ولا يعرف دائمًا لماذا يقيس؛ وعقل يملك التقنية ويفقد مساءلة الغاية؛ وحضارة تتقدم في الأدوات وتتراجع في المعنى.

الحل عند هوسرل لا يقوم على رفض العلم، وإنما على إعادة العلم إلى أصله الفينومينولوجي: عالم الحياة، والجسد المعيش، والقصدية، والتاريخ، والغيرية، والذاتية الترانسندنتالية. فالعلم، مهما بلغ من دقة، يظل نشاطًا إنسانيًا متجذرًا في خبرة مشتركة. والموضوعية، مهما بدت مستقلة، تحتاج إلى أفق ذاتي–بينذاتي يمنحها المعنى والصلاحية.

من هنا تصبح الفينومينولوجيا عند هوسرل علاجًا للأزمة: لا لأنها تمنحنا نظرية جديدة بين النظريات، بل لأنها توقظ في العقل ذاكرته المنسية. إنها تعيد السؤال إلى ما قبل المعادلة، وتعيد العالم إلى ما قبل النموذج، وتعيد الإنسان إلى موضعه الأصلي: كائنًا لا يكتفي بأن يعرف العالم، بل يسأل عن معنى أن يكون في عالم.

***

عبد الله الهميلي

.......................

المراجع:

1. إدموند هوسرل، أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية، ترجمة إسماعيل المصدّق، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008.

2. إدموند هوسرل، تأملات ديكارتية أو المدخل إلى الفينومينولوجيا، ترجمة تيسير شيخ الأرض، بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر، 1958.

3. إدموند هوسرل، أفكار ممهدة لعلم الظاهريات الخالص وللفلسفة الظاهرياتية، ترجمة أبو يعرب المرزوقي، بيروت: جداول للنشر والتوزيع، 2011.

4. إدموند هوسرل، مباحث منطقية، ترجمة موسى وهبة، ثلاثة أجزاء، أبوظبي: مشروع «كلمة»، 2010.

5. فتحي إنقزّو، هوسرل ومعاصروه: من فينومينولوجيا اللغة إلى تأويلية الفهم، بيروت والدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006.

6. شون غالاغر ودان زهافي، العقل الظاهراتي: مقدمة لفلسفة العقل والعلوم المعرفية، ترجمة بدر الدين مصطفى، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2019.

7. أنطوان خوري، مدخل إلى الفلسفة الظاهراتية، بيروت: دار التنوير، 1984.

8. موريس ميرلوبونتي، ظواهرية الإدراك، ترجمة فؤاد شاهين، بيروت: معهد الإنماء العربي، 1998. بيانات الطبعة

9. مارتن هايدغر، الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني، مراجعة إسماعيل المصدّق، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2012.

10. محمد سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2006.

في المثقف اليوم