عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: إشكالية الوساطة في المعرفة

هل يدرك العقل العالم أم يبني صورته عنه؟

منذ أن شرع الإنسان في التفكير والمتاهة الكبرى التي تملأ فضاء تأمله هي علاقته بالعالم الذي يحيط به، ذلك العالم الذي يتراءى له في كماله المدهش ووضوحه الخادع كأنه كتاب مفتوح على مصراعيه، ولكن حين يحاول أن يقرأ حروفه يكتشف أنها ليست ثابتة الخطوط بل تتلوى في مرايا ذهنه وتتوزع في مناظير لغته، فيتساءل في دهشة لا تهدأ: هل ما أراه هو العالم حقاً أم أن ما أراه ليس سوى صورة رسمها عقلي على ضفاف التجربة، فخلط بين الأصل والظل وجعل من نفسه وسيطاً لا محيد عنه بين الوجود الواقعي وفهمه المتشكل؟ إن هذا السؤال الذي يبدو في ظاهره وكأنه لغز ذهني بارع هو في الحقيقة نبض الفلسفة ذاتها لأنه يمس جوهر قدرة الإنسان على المعرفة ويقذف به في هاوية الشك الأولى، تلك الهاوية التي لم يخرج منها أحد يوماً بجواب قاطع ولكن خروج الجميع منها بحصيلة من الأسئلة الأجمل والأعمق هو ما يبرر كل عناء الفكر.

إن التأمل في طبيعة الإدراك لا يقتصر على كونه نزعة نظرية جافة يتسلى بها الفلاسفة في أبراجهم العاجية بل هو همس يومي يرافق كل لحظة وعي، فحين تنظر إلى شجرة مثلاً وتشعر بجمالها هل تدرك جمالها لأن فيها جمالاً قائماً بذاته أم أنك تضيف إليها من روحك ومن ذاكرتك ومن تربية حواسك ما يجعلها جميلة؟ حين تسمع نغمة موسيقية فتبكي هل البكاء في النغمة أم في رد فعل ذاتك تجاهها؟ إن هذه الأمثلة البديهية تكشف لنا على مستوى عملي، وهو أن الإدراك ليس عملية سلبية بل هو حوار دائم بين ما هو خارجي وما هو داخلي، حوار لا نعرف تماماً أين تبدأ حدوده ولا أين ينتهي تأثير أحد طرفيه على الآخر. وتنبثق أمامنا إشكالية الوساطة في المعرفة كأحد أعقد الأسئلة التي واجهتها الفلسفة لأنها تجمع بين الأنطولوجيا (ما هو موجود) والإبستمولوجيا (كيف نعرفه)، لتطرح علينا سؤالاً واحداً لا ينقسم هل يمكن للعقل أن يرى العالم بعيون لا تشوبها شفافية الذات أم أن كل رؤية هي رؤية من زاوية وكل زاوية تشوه بقدر ما تكشف وكل معرفة هي بناء بقدر ما هي اكتشاف؟ وإذا كان البناء محتماً فهل يعني ذلك أننا محكومون بالعزلة المعرفية، نصنع عوالمنا الخاصة ولا نتبادلها إلا عبر أوهام مشتركة أم أن هناك أرضية صلبة مهما كانت مرنة تظل صامدة في وجه كل تأويلاتنا وتصحح أخطاءنا وتدحض تخيلاتنا كفصل أخير في محاكمة العقل أمام محكمة الواقع؟

إن السؤال عن علاقة العقل بالعالم ليس مجرد استفهام معرفي عابر بل هو الوميض الأول الذي ينبثق مع وعي الإنسان بوجوده، حينما وجد نفسه ملقى في حضرة هذا الوجود الهائل، يتلقى انطباعاته عبر نوافذ الحواس ويشعر بوميض الإدراك يتشكل في أعماقه. غير أن هذا الإدراك الذي يبدو في ظاهره فعلاً بسيطاً وآنياً يتحول حين نغوص في طبيعته إلى متاهة فلسفية إذ تتداخل فيه العناصر الذاتية مع الموضوعية بصورة تجعل من الصعب الفصل بين ما هو "معطى" من العالم وما هو "مضاف" من العقل. هذه الإشكالية التي تسمى في الفلسفة الحديثة "إشكالية الوساطة" ليست وليدة العصر بل هي امتداد لتساؤل ظل يلاحق الفكر الإنساني منذ أن شرع الإنسان في التأمل وإن كانت قد تجلت بأوضح صورها في الفلسفة النقدية التي وضعت العقل نفسه تحت مجهر التحقيق. فهل نحن حين نزعم أننا نعرف العالم نكون قد تلقينا صورة طبق الأصل عنه أم أننا قد شكلنا هذه الصورة وفق قوالب قبلية نصنع بها لأنفسنا عالماً موازياً لما هو كائن ونخلط بين الحقيقة والبناء الذهني فنظن أننا ندرك بينما نحن في الحقيقة نبتدع؟

ما من شك في أن الميل الفطري للإنسان هو النزوع إلى الاعتقاد بأن ما يراه ويلمسه ويسمعه هو العالم نفسه بكل ما فيه من ثبات واستقلال. هذا الوهم الواقعي هو الذي يمنح الحياة اليومية طابعها البديهي، حيث لا يخطر ببال الفرد العادي أن يسأل عن كيفية انتقال صورة هذا العالم إلى ذهنه أو عن مدى تطابق هذه الصورة مع الأصل. غير أن الشك الفلسفي ذلك الجرثوم الذي زرعه سقراط في روح الغرب ثم نماه ديكارت حتى صار منهجاً يأتي لينقض هذه البداهة وليكشف الهوة التي تفصل بين ما هو خارج الوعي وما يجري داخله. فإذا كان ديكارت قد انطلق من الشك في كل ما هو حسي لعدم جزمه بأن حواسه لا تخدعه واستقر به الأمر إلى يقين وجود المفكر ذاته، فإنه بذلك قد ضرب العناد في عمق العلاقة بين الذات والموضوع وجعل من العقل عالماً منغلقاً على ذاته لا يخرج منه شيء ولا يدخله إلا من خلال بوابات الحواس التي هي في الأساس غير مضمونة. لقد أمسى العالم الخارجي في هذا التصور مجرد احتمال، والإدراك ليس لقاءً مباشراً بل تأويلاً محتملاً.

غير أن هذا الموقف الشكوكي المطلق وإن كان مفيداً من الناحية المنهجية لتطهير الأفكار من الشوائب لا يمكن أن يكون محطة أخيرة للفلسفة لأن الحياة والعلم يتطلبان نوعاً من الثقة في العالم وإلا لتلاشى كل معنى للمعرفة. هذا التوتر بين ضرورة الثقة بالحواس من جهة واستحالة ضمانها من جهة أخرى، هو ما دفع الفلاسفة التجريبيين إلى محاولة رد الاعتبار للواقع من خلال التأكيد على أن مصدر المعرفة الأول والأوحد هو التجربة الحسية. فجون لوك في مقاله الشهير، شبّه العقل الإنساني بـ "الصفحة البيضاء" التي تكتب عليها الخبرات الحسية ورأى أن الأفكار ليست سوى انطباعات تنبع من العالم المادي عبر الحواس، ثم تتركب في الذهن لتشكل التصورات المعقدة. لكن هذا التصور وإن كان يبدو متماشياً مع البداهة الشائعة فإنه ينهار حين نتعمق في طبيعة "المعطى الحسي" ذاته، إذ كيف يمكننا التأكد من أن الحواس تنقل لنا ما هو موجود فعلاً وليس انعكاسات مشوهة تخضع لبنية الجهاز العصبي نفسه؟ بمعنى آخر لو كانت المعرفة مجرد انعكاس سلبي للواقع لكنا أمام مرآة جامدة فكيف نفسر إذن الاختلافات الجوهرية بين رؤية كائن وآخر للعالم نفسه وكيف نفسر ظهور العقل كقوة خلاقة تعيد تركيب المعطيات بحسب أنماطها الخاصة؟

لقد كان إيمانويل كانط هو الذي قدم تحليلاً جذرياً لهذه الإشكالية والذي يمكن اعتباره بمثابة الثورة الكوبرنيكية في ميدان المعرفة. فكانط الذي كان قد تغذى بفلسفة العقلانيين والتجريبيين معاً، أدرك أن الخلاف بينهما ناتج عن تجاهل كل منهما لدور العقل الفاعل في عملية الإدراك. بدلاً من أن يفترض كانط أن المعرفة تتطابق مع العالم، افترض العكس أو بتعبير أدق، افترض أن العالم كما نعرفه لا بد أن يتطابق مع شروط الإدراك القبلية الكامنة في العقل نفسه. إن العقل البشري في نظر كانط ليس مجرد وعاء فارغ يستقبل الأحاسيس بل هو جهاز نشيط يقوم بفرز هذه الأحاسيس وتنظيمها وتركيبها وفقاً لقالبين أساسيين لا يمكن تجاوزهما: قالبا المكان والزمان، وهما ليسا صفتين من صفات العالم الخارجي في ذاته، بل هما صورتان حدسيتان قبليتان نجعلهما شرطاً لإمكانية كل إدراك حسي. فلكي نرى شيئاً ما، لا بد لنا من أن نضعه في مكان وزمان معينين، وهذان ليسا سوى شكلين من أشكال حدسنا نحن، وليسا موجودين في الأشياء في حد ذاتها.

ولم يقف كانط عند هذا الحد بل تجاوزه إلى فئة أكثر تجريداً وأكثر أهمية وهي فئات الفهم أو المقولات، وهي بمثابة قوانين تركيبية قبلية يضفيها العقل على المعطيات الحسية لتحويلها إلى معرفة موضوعية قابلة للتعميم. فالسببية مثلاً والجوهر والكم والكيف ليست قوانين اكتشفناها في الطبيعة بالتجربة بل هي شروط العقل التي يفرضها على الطبيعة ليجعل منها عالماً مفهوماً. بتعبير واضح، نحن لا ندرك العالم كما هو في ذاته، بل ندركه كما يظهر لنا بعد أن تمت "وساطته" عبر بنية عقلنا الذاتية. العالم "في ذاته" أو "النومينون" كما يسميه كانط يبقى بعيداً عن متناولنا ولا يمكننا الادعاء بمعرفته مباشرة بل كل ما نملكه هو العالم "الظاهري" أو "الفينومينون"، وهو العالم المبني وفق قوانين العقل. ويظهر كانط كحاسم لهذه الإشكالية فهو يؤكد أن العقل لا يعكس العالم كمرآة بل يبنيه كنحات لكن هذه البناء ليس اعتباطياً أو خيالياً بل هو بناء محكوم بقوانين صارمة تجعله موضوعياً في حدود الإنسانية جمعاء.

ومع ذلك يبقى السؤال الكانطي معلقاً في الهواء لأنه يترك لنا عالماً من المعرفة، لكنه يحرمنا من الوصول إلى لب الوجود وكنهه مما يترك دائماً شعوراً بالغربة الوجودية إزاء العالم القائم بذاته. هذه النتيجة القاسية هي التي دفع الفلاسفة المثاليين الألمان، وعلى رأسهم فيشته وشيلنغ وهيغل إلى محاولة التغلب عليها بإلغاء الفصل بين الذات والموضوع من جذوره. بالنسبة لهيغل لا يوجد عالم "في ذاته" بمعزل عن العقل، لأن العقل أو الروح المطلق هو الذي يخلق الواقع وينبثق فيه في الآن نفسه. المعرفة في هذا السياق ليست عملية التقاط سلبي بل هي تطور ديالكتيكي حيث يخلق العقل العالم كشيء موضوعي ثم يعود ليدركه كشيء ذاتي من خلال عملية تاريخية معقدة. ولكن هذا الطرح رغم عمقه الفلسفي وانسجامه الداخلي اصطدم ببديهية الوجود المستقل عن الإدراك والتي تعود إلى الظهور بقوة مع تطور العلوم التجريبية التي تؤكد على أن هناك عالماً يعمل بقوانينه المستقلة عن أهوائنا الفكرية.

في القرن العشرين عادت الإشكالية لتطفو على السطح ولكن في ثياب جديدة حيث تقدم الظاهريات وبخاصة عند إدموند هوسرل بمحاولة طموحة لتجاوز الأزمة من خلال "العودة إلى الأشياء نفسها"، أي محاولة وصف الظواهر كما تظهر للوعي بشكل مباشر وقبلي وذلك بإرجاء كل الأحكام المسبقة حول الوجود الطبيعي للعالم. الظاهريات تحاول أن تكون علماً دقيقاً للخبرة الواعية، حيث يتم تحليل الإدراك كفعل قصدي أي كفعل موجه نحو شيء ما وتحليل المعطيات كما تظهر في تدفق الوعي الحي. لكن هوسرل نفسه انتهى إلى الاعتراف بأن الإدراك لا يمكن أن يكون بلا إطار وأن كل إدراك يتضمن "أفقاً" من المعاني السابقة والتوقعات التي توجهه، وهذا الأفق لا يخرج عن كونه بناءً من العقل يتوسط بين الذات والعالم. ومثلت فلسفة الوجود لدى هيدغر نقلة نوعية أخرى إذ لم تعد المعرفة مجرد عملية تمثل أو إدراك بل أصبحت نمطاً من أنماط الوجود في العالم أي أننا لا نكون في العالم كمتفرجين ننظر إليه من الخارج بل كمشاركين نتفاعل معه عملياً، وهذا "الانهمام" العملي هو الذي يعطي معنى للأشياء فالمعرفة ليست انعكاساً سلبياً بل بناء يتحدد وفقاً لمشاريعنا الوجودية.

على الجانب الآخر من الفلسفة وفي نفس الفترة تقريباً، شهدت فلسفة اللغة والتحليل الوضعي محاولة أخرى لتفكيك الإشكالية، وذلك بالقول إن المشكلة برمتها هي مشكلة لغة وليست مشكلة ميتافيزيقية حقيقية. فرودولف كارناب مثلاً، اعتبر أن الأسئلة حول "العالم في ذاته" هي أسئلة زائفة لأنها تخرج عن نطاق التحقق التجريبي وكل ما يمكننا التحدث عنه هو إطار لغوي نختار العمل به وليس الواقع من ورائه. غير أن هذه النزعة الوضعية ورغم نجاحها في تنقية الخطاب العلمي لم تقنعنا في نهاية المطاف، لأنها اختزلت الفلسفة في منطق اللغة وتجاهلت البعد الأنطولوجي الأعمق للوجود الإنساني، وهو ما دفع الفلاسفة مثل فتغنشتاين المتأخر إلى الاعتراف بأن هناك حدوداً للغة لا يمكن تخطيها، حيث تظهر إشكالية المعرفة على أنها حدود لما يمكن التعبير عنه لا حدود لما يمكن التفكير فيه. وكل محاولة للحديث عن "الإدراك المباشر" تصطدم بحقيقة أن الإدراك يتم عبر وسائط متعددة، فالحواس نفسها هي وسائط واللغة وسيطة والمفاهيم والقوالب الذهنية وسائط، وهذه الوسائط لا تنقل إلينا العالم كما هو بل تطبعه بطابعها الخاص وتصبغه بصبغتها البشرية القابلة للخطأ والتعديل.

إن العقل إذن في هذه الرحلة التأملية الطويلة يظهر وكأنه "وسيط" يجمع بين الضرورة والعجز: ضرورة بناء صورة للعالم ليتمكن من العيش فيه وعجز عن الوصول إلى ما هو خلف هذه الصورة. لكن هذا العجز بدلاً من أن يكون مأساة قد يكون الشرط الضروري للإبداع والتطور المعرفي. فالعلم نفسه الذي يبدو أكثر الممارسات الإنسانية صرامة وموضوعية هو بناءات عقلية تتطور باستمرار وإن كانت ترتكز على منهجيات رصينة. ففي العلم لا يكفي رؤية الظاهرة بل لا بد من تأويلها ضمن نموذج نظري سابق، وهذا النموذج ليس سوى عدسة يبني بها العقل العالم الفيزيائي ولكن عدسة تثبت جدارتها بتنبؤاتها الصحيحة مما يمنحها شرعية عملية وإن كانت غير مطلقة. إن الواقع العلمي كما تقول بذلك نظرية النماذج عند توماس كون، هو تاريخ من التمثلات المتعاقبة حيث تسقط النماذج القديمة لتحل محلها نماذج جديدة تقدم تفسيراً أغنى للظواهر، وهذا التعاقب لا يدل على أننا نقترب من حقيقة مطلقة بل يدل على أن قدرتنا على البناء المعرفي مرنة وقابلة للتكيف مع الاختبارات التجريبية. وهذا يعني أن العقل لا يكتفي ببناء صورة واحدة للعالم بل هو في حالة إعادة بناء مستمرة كلما اتسعت أفق التجربة أو تغيرت الأسئلة الموجهة للوجود.

والجدل حول وساطة العقل في المعرفة يبقى مفتوحاً وهو من الأسئلة التي تمنح الفلسفة حياتها حيث لا يمكن الفصل بين ما هو "موضوعي" وما هو "ذاتي" في الإدراك، لأن كل معرفة هي توليفة من معطى وخارجي وبنية داخلية. فالعقل ليس مرآة لأنه حين يعكس العالم فهو يغير زاوية الرؤية ويضيف إليها أبعاداً جديدة من المعنى والخبرة الذاتية. وهو ليس منشئاً محضاً لأنه لو كان كذلك لانهارت كل محاولات فهم الآخرين ولتفتت الواقع إلى أرخبيل من الأوهام الفردية. العقل في ضوء هذه الإشكالية هو فنان مركب، يرسم لوحة للعالم ليس بالاعتماد على انطباعات لحظية بل بمنظور متجدد يتشكل بفعل التفاعل الحيوي مع الواقع، فأدق ما في الإدراك ليس أنه يكشف لنا ما هو موجود بل يكشف لنا الوجود كما يظهر في مرآة الذات الإنسانية، تلك المرآة التي لا تخلو من انحناءات وتجاعيد لا تمنح الصورة دقتها الفوتوغرافية بقدر ما تمنحها عمقها الوجودي. والإشكالية تظل حية في نسيج الفكر دافعة إياه باستمرار إلى إعادة النظر في مكانته في هذا الكون ليس كمتلقٍ ساكن بل كطرف فاعل يؤثر ويتأثر في سيرورة أبدية من السؤال والجواب.

إن ما انتهينا إليه في تأملنا السابق من أن العقل يرسم لوحة للوجود عبر عدسات تتركب من التاريخ واللغة والبنية الذهنية، يجرنا بالضرورة إلى التساؤل الأكثر إلحاحاً: هل ثمّة مفر من هذه الوساطة؟ هل يمكن للوعي أن يمسّ جوهر الأشياء مسّاً مباشراً أو أن يبلغ نقطة صفرية من النقاء الإدراكي يتجلى فيها العالم كما هو بلا تشويه؟ إن تاريخ الفلسفة في تياراته العميقة، لم يخل قط من أحلام كهذه تلك الأحلام التي تتجلى في نزعة صوفية هنا أو في منهج حدسي هناك، ولكنها في النهاية كانت تصطدم بجدار اللغة والحس، ذلك الجدار الذي لا يمكن اختراقه لأننا نحن من بنيناه بأيدينا الذهنية، فنحن سجناء صورتنا بقدر ما نحن صانعوها. ومهما أوغلنا في التأمل أو اشتددنا في التجريد يظل السؤال قائماً على شفته الأخيرة هل المعرفة بناء أم اكتشاف؟ أم أنها ليست هذه ولا تلك بل هي فعل وجودي لا ينفصل عن كوننا في العالم، فعل لا ينشد الحقيقة المطلقة بقدر ما ينشد المعنى الممكن للحياة في ظل العجز الأبدي عن الإمساك بالشيء في ذاته؟

لعلنا إن أمعنا النظر في تجربة الفن والإبداع الإنسانيين نجد أنفسنا أمام أقرب تشبيه لحقيقة الإدراك. فالشاعر لا يصف الطبيعة وصفاً فوتوغرافياً بل يعيد بناءها في لغته الخاصة ليكشف عن معانٍ لم تكن مرئية قبل أن ينيرها شعره، ومع ذلك فما يقدمه ليس محض خيال منفصل عن الواقع بل هو رؤية جديدة تنبع من عمق المواجهة مع العالم وتستمد شرعيتها من قدرتها على إيقاظ وجداننا لما هو كامن في الأشياء. والفنان التشكيلي حين يرسم منظراً طبيعياً لا ينسخه كما هو بل يضفي عليه من روحه ومن منظوره الخاص فيخلق عالماً موازياً، لكن هذا العالم الموازي رغم ذاتيته المفرطة يظل معترفاً به كمعرفة بالعالم بل كمعرفة أشمل من معرفة العدسة الجامدة لأنه يلتقط الجوهر لا الشكل. وكذلك العقل في إدراكه اليومي والعلمي، هو شاعر ورسام في آن، يبني من المعطيات الحسية أنساقاً ذات معنى وهذه الأنساق تكون حقيقية بقدر تماسكها وقدرتها على التنبؤ وليس بقدر مطابقتها لأصل متعالٍ مجهول. إن صورة العالم التي نبنيها هي حقيقة من طراز خاص ليست أقل واقعية لأنها مبنية بل هي الواقع الوحيد المتاح لنا، ذلك الواقع الذي نعيش فيه ونموت من أجله ونتشاور حوله ونتنازع، وهذا دليل كافٍ على موضوعيته النسبية، تلك الموضوعية التي لا تنبع من خارج الذات بل من توافق البنى الذهنية بين البشر ومن تشابه شروط وجودهم في الكون.

لكن هذا التشابه وإن كان يمنحنا أرضية مشتركة للتفاهم لا يجب أن يخفي عنا التنوع الهائل في صور العالم بين الثقافات والعصور وهو التنوع الذي يمنح الإشكالية بعدها التاريخي الأكثر تعقيداً. فما يراه عقل العصر الوسيط في ظاهرة طبيعية لا يشبه ما يراه عصر النهضة وما تبنيه ثقافة شرقية من نظم للمعرفة، يختلف جوهرياً عما تبنيه ثقافة غربية، وهذا التغاير لا يعني أن أيا منها خطأ بل يعني أن كل بناء معرفي هو استجابة لأسئلة محددة ومنظومة قيم خاصة وإطار لغوي واجتماعي معين. وكما قال أورتيغا إي غاسيت: "أنا نفسي وظروفي"، فالمعرفة ليست حلماً طليقاً ينساب في الفراغ بل هي نتاج وضع بشري متكامل، يشمل الجسد والتاريخ والمجتمع واللغة. واللغة هنا ليست مجرد وعاء للمعرفة بل هي أم المعرفة نفسها لأنها التي تشكل حدود عالمنا وتفرض علينا أنماطاً معينة من التصنيف والاستدلال، فلا يمكننا التفكير في الزمن مثلاً دون إطار نحوي يحدد علاقاته ولا في المكان دون مفردات تحدد أبعاده، إذ نجد أنفسنا أمام طبقات متراكمة من الوساطة كل منها يضيف مستوى جديداً من البناء على ما قبله حتى يصبح من المستحيل العودة إلى ما كان قبلاً أو الادعاء بأننا نرى العالم بعيون بريئة غير ملوثة بالثقافة واللغة.

غير أن هذا الاعتراف بالطبيعة البنائية للإدراك ليس كما قد يتوهم البعض، دعوة إلى النسبية المطلقة أو إلى إنكار إمكانية التقدم المعرفي بل هو على العكس تنقية للفكر من وهم الحقيقة المطلقة التي تسكن خلف الظواهر وفتح للطريق أمام معرفة أكثر تواضعاً لكنها أكثر فاعلية لأنها تعي حدودها وتعمل في نطاقها الطبيعي. فالعلم حين يدرك أن نظرياته مجرد نماذج قابلة للاستبدال يصبح أكثر انفتاحاً على التجديد وأقل عرضة للجمود، والفلسفة حين تدرك أنها تبحث في شروط الإمكان لا في الجوهر المتعالي تصبح أكثر قدرة على مساءلة نفسها وتجديد أدواتها.

إن إشكالية الوساطة بدلاً من أن تكون عقبة في طريق المعرفة هي الشرط الذي يمنح المعرفة حيويتها لأنها تضمن أن يظل العقل في حالة من السؤال الدائم غير راضٍ بما يصل إليه مدركاً أن كل صورة يبنيها ليست النهاية بل بداية لصورة أخرى. إنها الوعي المؤلم بالبعد بين الذات والعالم وهو ألم يتحول في اللحظة الخصبة إلى طاقة خلاقة تدفع الإنسان إلى تجاوز ذاته وإعادة صياغة علاقته بالوجود، تماماً كما يدفعه العشق إلى تجاوز حدوده الذاتية في محاولة لا تنتهي للاتحاد بموضوع حبه مع علمه باستحالة ذلك الاتحاد التام.

وتكمن أهمية الموقف النقدي الذي لا يكتفي بتحليل شروط المعرفة بل يتجاوزها إلى دراسة كيفية تشكل هذه الشروط نفسها في التاريخ والثقافة، وهو الموقف الذي تبنته الفلسفة الجينية عند بياجيه، حيث أثبت أن البنى العقلية ليست ثابتة منذ الولادة بل تتطور عبر مراحل متعاقبة يتفاعل فيها الكائن الحي مع محيطه في جدلية مستمرة بين الاستيعاب والمطابقة. والطفل في مراحل نموه المعرفي يمر بتحولات جوهرية في فهمه للزمان والمكان والسببية، وهذه التحولات ليست مجرد زيادة في كمية المعلومات بل هي تغيرات في البنية ذاتها التي ينظم بها تلك المعلومات، وهذا يؤكد أن البناء العقلي ليس لحظة وليدة بل عملية مستمرة تمتد مدى الحياة، حيث كل مرحلة هي صورة للعالم تتفكك كي تحل محلها صورة أوسع وهكذا دواليك دون أن نبلغ مرحلة يستقر فيها الإدراك نهائياً. وهذا التطور المعرفي على المستوى الفردي يناظره تطور المعرفة على المستوى الجماعي حيث تراكم البشرية المعرفي ليس سوى سلسلة متصلة من الهدم والبناء، حيث تتحطم النظريات القديمة على صخرة التجارب الجديدة، ولكن المتروك منها لا يضيع بل يندرج وينصهر في البناء الجديد كحالة خاصة أو تقريب مقبول، تماماً كما تندرج ميكانيكا نيوتن ضمن ميكانيكا أينشتاين، وقد كان الأخير قد قال ذات مرة إن المهمة الأسمى للفيزيائي هي الإمساك بالواقع بواسطة الفكر الحر متجاوزاً الوهم بأن قوانين الطبيعة يفرضها علينا الواقع مباشرة بل هي مفاهيم حرة اختارها العقل لتتناسب مع التجارب.

إن صورة العالم التي نرسمها مع كل ما فيها من وساطات وبناءات هي أصدق ما لدينا عن الوجود ليس لأنها تعكس ما هو كائن بل لأنها تعكس تفاعلنا الحيوي مع ما هو كائن وتعبّر عن قدرتنا على إنتاج المعنى في مواجهة اللانهائي. إنها صورتنا المرئية التي لا يمكننا رؤيتها دونها وعلينا أن نرضى بها ليس رضى المستسلم بل رضى العارف بأن المعرفة ليست استحواذاً على الحقيقة بل هي عشق مستمر للحقيقة، عشق لا ينتهي بالامتلاك بل يتجدد بالبحث. وفي هذا الرضى النقدي تتجلى أعلى مراتب الحكمة الإنسانية، تلك الحكمة التي تعرف أن العقل يبني العالم لأنه لا يستطيع أن يدركه ولا يدركه لأنه لا يستطيع إلا أن يبنيه، وهذه المفارقة ليست نقصاً في العقل بل هي سر قوته، فمن لا يعرف حدود قوته لا يعرف كيف يستخدمها.

إن ما يمكن أن نطوي به هذا التأمل الممتد هو أن سؤال الوساطة ليس سؤالاً ينتظر حلا نهائياً، بل هو سؤال ينتظر من يطرحه دوماً لأنه سؤال الكائن المحدود الذي يطمح إلى اللامحدود، سؤال الإنسان الذي ألقاه الوجود في متاهة من المرايا، كل مرآة تعكس انعكاساً لانعكاس آخر، ومع ذلك فهو لا يكف عن السعي ليلمح من ورائها شيئاً ما ولو كان ذلك الشيء مجرد وهج بعيد. وهل هناك حقيقة أعمق من هذا السعي نفسه؟ أليس السعي إلى المعرفة بكبواته وانتصاراته هو أسمى تعبير عن وجودنا وأرقى شهادة على أننا لسنا مجرد كائنات تستهلك العالم بل كائنات تحاول فهمه وتفهم أنها في هذه المحاولة لا تفهمه كاملاً، وهذا الإدراك الناقص هو بالذات ما يمنحها كرامتها الإنسانية؟ فلعل جوهر المعرفة ليس في أن نمسك بالشيء بل في أن نعرف أننا لا نمسكه وأن نستمر في محاولة الإمساك به، هذا التوتر الخصب بين الرغبة والعجز هو ما يولد كل ما هو جميل ونبيل في العقل البشري، من علم وشعر ودين وفن، فكل هذه النشاطات هي صور للعالم صور لا تدّعي أنها الواقع لكنها تشع بمعاني الواقع وتضيء دروباً في غياهب الوجود لو تركنا للظلام لانطفأنا معه. ولا يهم كثيراً إن كان العقل يدرك العالم أو يبني صورته بقدر ما يهم أن العقل في الحالتين، يظل مخلصاً لمهمته الأبدية، تلك المهمة التي لا تنتهي وهي تحويل الفوضى الصامتة للوجود إلى كلمات لها وقع وإلى معانٍ لها حمولة وإلى حياة لها طعم، وكل ذلك عبر عملية التوسيط التي لا تنفك تعيد تشكيل نفسها في كل لحظة كما يعيد النهر تشكيل ضفافه دون أن يتوقف عن الجريان.

***

د حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم