عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

احمد عابر: في موسكو المهزومة.. جمال المكان وعنف التاريخ

(الصمت الأبدي لهذه الفضاءات اللامتناهية يرعبني)..  بليز باسكال من کتاب خواطر

تستدعي لوحة فاسيلي فيريشاغين (في موسكو المهزومة) عبارة باسكال هذه لا بوصفها اقتباسا خارجيا يسقط عليها بل لأن الصمت هو أول ما يصل إلى المشاهد قبل أن يحلل التفاصيل. فضاء الكرملين في اللوحة لا يصدر عنه صوت لا نرى أثر فني لصراخ الضحايا، ولا أوامر واضحة لالجنود، ولا حتى جلبة المعركة. اقواس وأيقونات دينية تقف خلف الدخان شواهد معمارية على حدث لا تملك إيقافه فيتحول صمتها من سكينة مقدسة إلى حضور مثقل وعاجز.

هذا الصمت ليس فراغا بل أثر بصري يضبط إيقاع المشهد كله. إنه ليس صمت الخواء الذي أرعب باسكال بل صمت المكان الذي صار مسرحا لجريمة منظمة ومبررة عسكريا والسؤال الذي تطرحه اللوحة منذ لحظة النظر الأولى هو... كيف يتعايش الجمال المعماري مع بشاعة القتل في تكوين واحد؟

يتأسس التكوين على محورين بصريين يخلقان إيقاعا حادا. إلى اليمين يقف الجنود الفرنسيون في صف محكم يشكل كتلة بصرية أفقية ثقيلة متطابقي البزات وتوجد فردية في ملامحهم. هذا التماثل في الكتلة يجرّدهم من الإرادة المنفردة ويجعلهم امتدادا لآلة التنفيذ. إلى اليسار وفي المقدمة تتناثر جثث الضحايا في فوضى بصرية تناقض الانتظام العسكري. الضحايا لا نراهم في وضعيات بطولية بل في سكون الموت المفاجئ. بين هاتين الكتلتين يقف الأسرى في حالة من الترقب الثقيل يشكلون نقطة انتقال بصري بين نظام القتل وفوضى نتائجه.3018 ahmad

يملأ الدخان فضاء اللوحة فلا يعود المشهد كامل الوضوح. تذوب الزخارف خلف ضبابة رمادية تخرج من فوهات البنادق وتتحول إلى عنصر تكويني فاعل يحجب ويعتم ويمزج بين المقدمة والخلفية. لا يركّز فيريشاجين مركز الثقل البصري على لحظة إطلاق النار بل يوزعه على الجثث والأسرى المنتظرين، والعمارة الشاهدة. لا يمنحنا نقطة ارتكاز واحدة تستريح عندها العين. هذا القرار التركيبي هو مفتاح ربما لفهم ما كان يود ايصاله. فالعنف ليس حدثا يقع على فرد بل حالة مكانية تشمل الفضاء برمته.

ينتمي هذا العمل إلى سلسلة عن حملة نابليون على روسيا عام ١٨١٢ رسمها فيريشاغين (١٨٤٢–١٩٠٤) انطلاقا من خبرته الشخصية بالحروب التي خاضها جنديا لا من معايشة الحدث التاريخي لإحتلال فرنسا لموسكو. فيريشاغين كان متأثرا بالواقعية الأوروبية التي أعاد صياغتها في أسلوب وثائقي روائي يوزع الألم على كامل سطح اللوحة. في هذا العمل تحديدا يتقاطع مع لوحة فرانشيسكو غويا (الثالث من مايو ١٨٠٨) وسبق وأن كتبت عن هذه اللوحة . ثمة تقاطع يوضح الفرق بين نموذجين في معالجة العنف بصريا. يصور غويا جنودا فرنسيين مجهولي الملامح أيضا لكنه يمنح المشهد مركزا أخلاقيا واضحا وهو الرجل ذو القميص الأبيض الفاتح، الفاتح ذراعيه وبدوره يستقطب الضوء والنظر والتعاطف. ننظر إلى المجزرة من خلاله، ويصبح موته الفردي بؤرة المأساة كلها.

يفعل فيريشاغين العكس تماما. لا يمنحنا مركزا أخلاقيا واحدا. لا بطل في لوحته، ولا شهيد معزول، ولا استشهاد فردي. حتى الضحايا موزعون على مساحة التكوين... جثث راقدة في المقدمة، أسرى واقفون في الوسط، نساء ورجال فقدوا معالم البطولة وذابوا في الكتلة البشرية المهدورة. العمارة حاضرة بالدرجة نفسها وكذلك الدخان، وكذلك انتظام الجنود في أقصى اليمين. تصبح المجزرة موضوع اللوحة ولا ضحية بعينها. وهذا التوزيع المتعمد للثقل البصري هو قرار فني وأخلاقي في آن واحد.

العنف ليس فعلا بطوليا ينقذنا من هوله رمز فردي بل نظام بصري كامل يضع المشاهد أمام مسؤوليته في النظر دون أن يمنحه موطئ قدم أخلاقي يريحه. وبهذا المعنى يقودنا التنظيم الصارم للتكوين إلى النتيجة ذاتها التي بلغها المشهد الا وهي ذلك الصمت الثقيل والذي يصعب فهمه على كل إدراك.

يقول غويا في أحد كتبه: نوم العقل يلد الوحوش

يمكن استحضار هذه العبارة هنا بوصفها استعارة بصرية تسلط الضوء على طبيعة الجنود في لوحة فيريشاغين. لا يتعلق الأمر بنسبة القصد التاريخي إلى غويا نفسه؛ فنقشه الصادر عام ١٧٩٩ كان نقدا موجها إلى الخرافة والجهل المجتمعي، وليس تعليقا على الطاعة العسكرية. لكن الاستعارة تصلح لفهم كيف يتحول الانضباط حين يفرغ من اليقظة إلى آلة لإنتاج العنف. في اللوحة لا نرى كراهية في وجوه الجنود، ولا غضب ولا توترا نفسيا بل نرى انضباطا بصريا آليا: البنادق مرفوعة بزاوية واحدة، والأجساد مصطفة بإيقاع متطابق، والوجوه محجوبة عن المشاهد ليكتمل تحولهم إلى كتلة مجردة من الإرادة الفردية. هكذا يتجاور في المشهد العنف المنظم ذلك المكان المقدس في صدام محسوب لا تحله اللوحة ولا تعلق عليه. لا تنهار جدران الكنيسة في الكرملين ولا تتحرك الأيقونات. النظام العسكري وحده هو الذي يعمل والنتيجة الوحيدة التي ينتجها هي صمت الجثث، وصمت الشواهد المعمارية، وصمت المشاهد الذي يترك وحده في مواجهة ما يراه.

هذا الانتقال من النظام إلى الصمت هو الخيط الذي يشد التكوين كله. فالنظام العسكري في يمين اللوحة لا ينتج ضجيجا بل ينتج جثثا صامتة في مقدمتها. والدخان وهو العنصر الأكثر حركية في المشهد، لا يكشف عن مصدر النار بل يحجب الرؤية فيزيد من ثقل السكون البصري.

المكان المقدس الذي كان ينبغي أن يمتلئ بالتراتيل لا يصدر عنه إلا هذا الصمت الذي ربما يليه الطلقات. وكما أن باسكال وجد في سكون الكون ما يفزع يجد المشاهد هنا في سكون الكرملين ما يقلق. ليس رعب الدم بل رعب الترتيب الذي لا يصدر عنه صوت.

ونعود هنا إلى باسكال...الصمت الذي افتتحنا به لم يعد هو نفسه. لقد تحول عبر الرحلة البصرية إلى طبقة فوق طبقة. لا تمنحنا اللوحة خاتمة ولا حكمة جاهزة بل تبقي الفضاء معلقا على السؤال الذي زرعه باسكال في بدايات الحداثة. بعد أن تحول حرم الجمال إلى مسرح للعنف المنظم، وبعد أن انتظم القتل في إيقاع بصري لا يشي باضطراب، وبعد أن بات المكان شاهدا لا يغفر هل بقي أمامنا سوى هذا الصمت الأبدي؟ وهل بوسعنا كبشر حقا أن نتحمله دون أن يرعبنا؟

***

د احمد عابر

 

في المثقف اليوم