تحوّل الأشكال واستمرار الإنسان
منذ أن استشرفت آدا أوغستا لوفليس، في القرن التاسع عشر (Ada Augusta Lovelace: 1815 – 1852)، إمكان أن تُؤلِّف الآلات يوما ما الموسيقى وأن تُنظِم الشعر، لم تكن تُطلِق تكهناً رومانسياً عن قدرات الحوسبة الميكانيكية على اقتحام المجالين الإبداعي والجمالي، ولا حتى كان سؤال الإبداع الآلي سؤالاً تقنياً فحسب، بل كان هذا الاستشراف، في عمقه، سؤالاً جوهرياً يجعلنا نقف أمام ماهية الإبداع ذاته. واليوم، مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، يعود هذا السؤال بقوة أكبر: هل تستطيع الآلة أن تبدع فعلًا؟ أم أن الإبداع سيظلّ حِكراً على الإنسان بما هو كائن يعيش التجربة، ويختبر الزمن، ويعاني الفقد، ويعي هشاشته الوجودية؟
وعلى الرغم من مشروعية هذا الجدل ووجاهة مخاوفه، إلا أنّ كثيراً منه يقوم على افتراض مضمر يحتاج إلى مراجعة: وهو أنّ الأشكال الأدبية التي نعرفها اليوم، كالرواية والقصيدة، تُمثِّل الصيغة النهائية للإبداع الإنساني، وأن أذواق البشر ومعاييرهم الجمالية ستظل ثابتة لا تتغير. وهذا افتراض يفتقر إلى الحس التاريخي. فالإبداع لم يكن يوماً جوهراً ثابتاً يتجلّى في أوعية نهائية، بل كان، وعلى نحوٍ دائمٍ، استجابة تاريخية لتحولات في شروط الحياة الإنسانية، وفي الوسائط التقنية، وفي أنماط الإدراك والتلقي.
فالشعر، في أصوله القديمة، لم ينشأ فقط بوصفه فناً خالصاً، بل ارتبط بشروطٍ ثقافيةٍ وانثروبولوجيةٍ معينة، وبمجتمعات المشافهة حيث كان الوزن والإيقاع والتكرار أدوات للحفظ والتذكر قبل أن تكون عناصر جمالية. وحين استتبّت أنظمة الكتابة وتضاءلت الحاجة إلى سهولة الحفظ، غدا الشعر الغنائي حرّاً ليصير شيئاً أكثر تعقيداً وتركيباً. والرواية، بدورها، ليست شكلاً أبدياً نهائياً ومكتملاً، بل ثمرة العالم الحديث: ثمرة الطباعة، وصعود المدينة بفضاءاتها السردية، وتَعقُد الحياة الاجتماعية، وتنامي الفردية البرجوازية، والاستجابة لتجربة الاحتكاك بغرباء تبقى عوالمهم الداخلية في متناول اليد ومستعصيةً على النفاذ في آنٍ معاً. ثم جاءت السينما والتلفزيون، فلم يقضيا على السرد، بل أعادا تشكيله، وضغطا الحكايات المطوّلة في صيغٍ بصريةٍ مكثفةٍ، وغيرا معنى الزمن السردي نفسه. وعلى هذا النحو، فإن تاريخ الإبداع ليس إلا تاريخ تحوّل مستمر في الأشكال التي تعبّر بها الإنسانية عن نفسها.
من هنا، فإن الخطأ الجوهري في كثير من الاعتراضات والمخاوف من الذكاء الاصطناعي لا يكمن في الدفاع عن الحيز الإنساني ومداراته، بل في الخلط بين الوظيفة والشكل: بين الحاجة الإنسانية إلى المعنى والتعبير والتخييل، وبين القوالب التاريخية التي تجسدت فيها هذه الحاجة في لحظة معينة. فالقول إن الذكاء الاصطناعي لن يكتب رواية عظيمة على مثال القرن التاسع عشر لا يثبت عجزه عن الإبداع، بقدر ما يكشف تعلقاً غير نقديّ بنموذج تاريخي مخصوص، وكأنه معيار أبدي لن يتم تجاوزه (وهو افتراضٌ غير دقيق، فهناك روايات تم توليدها بالذكاء الاصطناعي فازت بجوائز أمام لجان متخصصة، كما تحدث الدكتور عماد عبداللطيف أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب بجامعة القاهرة في أحد الندوات عن تجربة قاموا بها مع أحد النماذج اللغوية بحيث تم تدريبه على أسلوب كتابة أحد الكتاب المصريين، وبعد تدريب جيد، وكتابة تعليمات دقيقة لإنتاج قصة قصيرة بنفس الأسلوب الذي يكتب به هذا الكاتب. بعدها، قاموا بعرض قصة أصلية للكاتب والقصة المولدة بالذكاء الاصطناعي على أساتذة في الأدب للتمييز بينهما، وعلى الرغم من معرفتهما المُسبقة بأن أحدهما مُولدة، فقد وجدوا صعوبة بالغة في التمييز بينهما، وفق الدكتور عماد. علماً بأن نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية باللغة العربية لا زالت في مرحلة بدائية مقارنة مع مستواها في لغات أخرى).
إنّ الحدث الحقيقي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي اليوم ليس مجرد منافسة الإنسان داخل الأشكال القائمة، بل إعادة تشكيل البيئة الإبداعية نفسها. فنحن أمام لحظة تاريخية تشبه، من بعض الوجوه، لحظات ظهور الكتابة، والطباعة، والسينما، لكنها تتجاوزها من حيث إن الذكاء الاصطناعي لا يغيّر أداة التعبير فقط، بل يدخل إلى المجال الإبداعي فاعلاً جديداً قادراً على محاكاة أنماط التعبير بسرعة هائلة واتساع غير مسبوق. وحين تصبح الطلاقة الأسلوبية، أو الحبكة المتماسكة، أو المحاكاة الشكلية أموراً متاحة على نطاق واسع، فإن القيمة الفنية لن تعود قائمة في هذه العناصر وحدها، بل ستنتقل إلى مواضعٍ ومقاماتٍ أخرى أكثر عمقاً وتعقيداً.
وهنا ستنفتح أمام الإنسان إمكانات جديدة بدل أن يُدفع إلى الانكفاء الدفاعي النوستالجي. فإذا كانت الآلة بارعة في إعادة تركيب الأنماط الموجودة، فإن مهمة الإنسان قد تصبح ابتكار ما لم يتحول بعد إلى نمط. أي إن الإبداع البشري سيتجه أكثر فأكثر نحو اختراع صيغ جديدة تستجيب لخبرة معاصرة لم تعرفها العصور السابقة: خبرة العيش مع ذكاء غير بشري، ومع ذاكرة رقمية هائلة، ومع وسائط تفاعلية تتداخل فيها الكتابة بالصورة بالصوت بالخوارزميات.
ومن المرجح، في هذا السياق، أن تظهر أشكال إبداعية هجينة تتجاوز الحدود التقليدية بين المؤلف والقارئ والنص. فقد يصبح العمل الأدبي أقل انغلاقاً واكتمالاً، وأكثر قابلية للتفاعل والتولّد المستمر. وقد تنشأ سرديات ديناميكية تتكيف مع كل قارئ أو مع كل سياق، لا بوصفها مجرد ألعاب تقنية، بل بوصفها أشكالاً جديدةً لتمثيل الذات والعالم في العصر الخوارزمي.
لكن هذا التحول لا يعني تلاشي الإنسان أو زوال خصوصيته. فما يظلّ عصيّاً على الاختزال ليس مجرد "العاطفة" بمعناها الضيق أو البسيط، بل التجربة المُجسَّدة بكل ما فيها من فناء وهشاشة ومسؤولية والتباس أخلاقي. فالآلة تستطيع أن تولّد نصوصًا تشبه آثار التجربة، لكنها لا تعيش التجربة ذاتها. ولهذا قد تتعاظم في المستقبل قيمة الأشكال التي تبرز الحضور الإنساني الحيّ: الأداء الشفهي، والطقس الجماعي، والكتابة المرتبطة بسياقات معيشة محددة، والأعمال التي تنبع من بيئات ولهجات لا تختزلها النماذج الإحصائية بسهولة. بل لعل في فيض المحتوى المولَّد آليًا ما سيدفع البشر إلى إعادة تقييم معايير الجمال ذاتها. فإذا غدت السلاسة متوفرة، فقد يتم البحث عن التوتر. وإذا صار الاكتمال والاتساع متاحاً بسهولة، فقد تكتسب الشذرات والتشظيات واللاتنسيق قيمة جديدة. وإذا استطاعت الآلة محاكاة الأساليب الموروثة، فقد يتجه الإنسان إلى المغامرة الشكلية، وإلى الأعمال التي تنطوي على مجازفة وجودية، لا على مجرد براعة تركيبية خرساء (المثال الأبرز في هذا السياق ما فعله التصوير - الفوتوغرافيا - بتحريره للرسمَ من قيد التمثيل الحرفي ودفعه نحو اتجاهات جديدة كالانطباعية والتجريد...إلخ).
إن العلاقة المستقبلية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في ميدان الإبداع لن تكون، على الأرجح، علاقة إلغاء، بل علاقة إعادة توزيع للأدوار. ستظل المبادرة الإنسانية حاسمة، ولكنها ستتخذ أشكالاً جديدة: اختياراً، وتوجيهاً، ونقداً، وبناءً للعوالم، وابتكاراً لأجناس فنية تناسب شروط عصر الشبكات والخوارزميات. وإذا كانت الملحمة قد انتمت إلى عالم الشفاهة، والرواية إلى عالم المدينة والطباعة، فإن أشكال الغد قد تنتمي إلى عالم الترابط الرقمي، والتفاعل الحي، والذكاء التشاركي.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس: هل سيهزم الذكاء الاصطناعي الإنسان في الإبداع؟ بل: هل يملك الإنسان الشجاعة التاريخية ليعيد تعريف الإبداع نفسه؟ إنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في حماية الأشكال القديمة بوصفها مقدسات، بل في ابتكار أشكال جديدة تليق بعصرنا، وتحفظ، في خضم التحول التقني، ما يجعل التعبير الإنساني فعلاً ذا معنى. وهكذا لا يكون الذكاء الاصطناعي نهاية للإبداع، بل فرصة تدشين كبرى لحمله على أن يتجدد، وأن يكتشف إمكاناته التي لم يفكر فيها من قبل.
***
أمين اليافعي








