عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد سيف: ليس شرطا أن يكون لنا رأي!

في عالَم تكتظّ فيه القضايا والمواضيع الساخنة في كل يوم بمختلف الأصعدة وفي شتى الحقول السياسية منها والاجتماعية والثقافية والاجتماعية والدينية وغيرها، نميل لتبنّي مواقف شخصية إزاءَها؛ لاعتبارات عدّة، ليس أقلّها أن نواكب النقاشات اليومية، ولكن السؤال الذي يطفح على السطح: هل من الطبيعي أن يكون لنا رأي شخصي في كل موضوع يُطرح؟ خاصةً مع هذا الكم الهائل الذي تغرقنا به القنوات المعرفية من كل حدب وصوب، ولعل الإجابة البديهية: كلا، ولكن تطبيقاتنا اليومية تعاكس ذلك إلى حد كبير، إنْ بسبب طبيعة أدمغتنا الميّالة إلى محاولة سدّ الفراغات وعدم قبول الفجوات بلا تفسير ولو بشبه إجابة، وإنْ بسبب إكراهات تفاعلاتنا الاجتماعية التي تملي علينا الانخراط في المواضيع المطروحة والمنافَحة عن أحد اتجاهاتها لإثبات الذات أو السعي وراء الاعتراف الاجتماعي أو غيرها من الأسباب النفسية والاجتماعية، هذا أو ذاك أو غيره، ما نلمسه جليًا من الواقع أننا متلبّسون على نحو كبير بالاندفاع إلى تشكيل آراء شخصية متسارعة في مختلف القطاعات.

ليس لدي رأي، لا أدري، لا توجد لدي أدلة كافية تسعفني للانحياز لرأي دون آخر، ليس هذا الموضوع من اهتماماتي، كلها عبارات أصبحت تفتقر إليها أوساطنا بشكل حقيقي اليوم، فصرنا ننبري في كل محفل وفي كل قضية تُتداوَل بالرأي الذي نتبنّاه إزاءَها؛ ربما استحياءً من عدم اتّباع الجموع التي تتباهى برأيها وإن كان آراؤها مجرّد تقليد وتبعيّة ليس إلا، وربما انتفاخا بجانب من معرفة اطّلعنا عليها، أو لِخَلْطنا بين كثرة آرائنا وثقل هُويّتنا، وربما لأسباب أخرى، المشروعة منها وغير المشروعة.

إنّ الرأي الحصيف يتطلب استفراغ الجهد في فحص الأدلة والتفتيش عن الثغرات قبل الاستقرار على رأي شخصي، وهذا ما لا يسعفه وقتنا المتاح وسط التزاماتنا اليومية، ناهيك عن التضخم الهائل لعدد المواضيع التي يتم طرقها يوميا إنْ على الصعيد المحلي وإنْ على الصعيد العالمي، فإذا كان ذلك كذلك، فمن الطبيعي جدا أن نتوقف عن تبنّي أي اتجاه إزاء حزمة واسعة من تلك القضايا المحمومة، وأنّ أي سقوط في فخّ الاصطفاف وراء أيّ اتجاه فهو محتوم بالقصور وعدم الاتزان، لنجد أنفسنا بعد ذلك عبارة عن آراء مشوّشة مشوّهة باهتة الملامح.

لا بأس أن يكون لنا رأي - على تفاوت درجات التبنّي - بين الفينة والأخرى، ولكن أن تكون استجابتنا التلقائية لكل موضوع شائك تلوكُه الألسنة بإظهار رأي شخصي تجاهه فهذا هوسٌ يوقعنا في حرج عقلي كبير، ووعي سطحي مقرف، ثم مَن زرع فينا وجوب تبنّي رأي شخصي في كل قضية يُثار الجدل حولها أو مقاربة يتم تداولها؟ وهل ذلك من متطلبات الشخصية الواعية أو المثقفة أو المواكبة وغيرها من المصطلحات الرنّانة؟

مهما يكن من أمر، أودّ أن أختم بلفتةٍ دقيقة، وهي أنّ تبنّي الآراء حينما نجد في أنفسنا التأهّل لذلك ينبغي أن يكون تبنّيا قابلا للتراجع عنه، وليس حكما نهائيا؛ لأن الآراء تستند إلى المعرفة المتحصلة وفق الأدوات المتاحة والمحددات الموجودة، وسمة المحدودية هذه تفرض عليها ألا تكون مطلقة؛ ولذا من الطبيعي جدا أننا حينما نتبنّى رأيا ما أن نتراجع عنه لاحقا، على أن هذا التراجع لا يشترط أن يكون انزياحا من رأي إلى رأي آخر، بل من الطبيعي جدا أن ننتقل إلى وضعية عدم وجود رأي بالمرّة متى ما تضافرت القرائن المعرفية التي ترجعنا إلى المربع الأول وهو الحيادية، وأنْ نكون خِلوًا من الانحياز لأي اتجاه في بعض المواضيع الجدلية، ونكتفي بممارسة دور المراقب بكل وعي واتزان، ولك أن تتخيل بَهاء طبيعة أوساطنا المعرفية حينما تزدهر فيها ثقافة الاتزان في تبنّي الآراء وعدم الانسياق خلف كل (ترند) محموم.

***

محمـــد سيـــف

في المثقف اليوم