قراءة تفكيكية من داخل المشغل الأصولي
لم تأتِ قناعتي بأن الفتوى اجتهادٌ بشري من موقفٍ عدائي تجاه الحوزة العلمية في النجف الأشرف، بل كانت ثمرة سنوات من الدراسة المعمقة وقراءة كتبها التأسيسية في علم أصول الفقه والاجتهاد.
لقد كان رفيقي في هذه الرحلة البحثية متون فكرية رصينة؛ من بينها كتاب «النظرة الخاطفة في الاجتهاد» للشيخ محمد إسحاق الفياض، وكتاب «الاجتهاد والفتوى» للسيد محيي الدين الغريفي، و**«الاجتهاد والتقليد»** لزعيم الحوزة العلمية السيد أبي القاسم الخوئي بتقرير الشيخ غلام رضا عرفانيان. كما عكفتُ على دراسة «أجود التقريرات» (تقريرات السيد الخوئي لأبحاث أستاذه المحقق الميرزا محمد حسين النائيني)، وانفتحتُ على مناهج الاستنباط المعاصرة مثل «مباني الاستنباط» للسيد محمد الحيدري، مستنيراً بأبحاث ومحاضرات أساتذة فضلاء كالسيد عدنان البكاء، ومستلهماً من التراث العلمي الغني لمرجع الطائفة السيد عبد الأعلى السبراوي في آثاره الفقهية والأصولية.
١. ميكانيكية الاستنباط: كيف تصنع الأدوات البشرية نصاً فقهياً؟
قبل خوض هذه الغمار العلمي، كنت أظن -كغالبية الناس- أن الفتوى تمثل الحكم الإلهي والشرع السماوي بصورة مطابقة ومباشرة. غير أن الولوج إلى كواليس "المشغل الأصولي" يكشف حقيقة مغايرة تماماً؛ فالأصوليون يقررون بوضوح أن الفقيه لا يصنع الحكم الإلهي ولا يتلقاه بالوحي، وإنما يبذل أقصى وسعه العلمي عبر منظومة معقدة من القواعد اللغوية، والعقلية، والشرعية للوصول إلى "الحجة".
إن هذه المنظومة تقوم على ركائز استدلالية صاغتها وطورتها عقول البشر عبر القرون، وليست نصوصاً توقيفية مقدسة:
حجية الظهور: وهي قاعدة لغوية عقلائية تعتمد على فهم العرف البشري للألفاظ والسياقات، والظهور بطبيعته احتمالي لا قطعي.
حجية خبر الواحد: وهي مسألة أصولية شائكة تدور حول مدى وثوقية نقل الرواة لحديث الآحاد، والقبول بها قائم على أدلة ظنية اعتبرها الشارع مرخصة للعمل، لا مفيدة لليقين التاريخي المطلق.
مباحث التعارض والترجيح: وهي قواعد عقلية وضعها الأصوليون لفك التشابك والتناقض الظاهري بين النصوص (الروايات)، مما يعكس تدخلاً عقلياً بشرياً مباشراً لترتيب الأولويات الاستدلالية.
٢. مملكة الشك والأصول العملية: هندسة إدارة الحيرة
تتجلى بشرية الفتوى بأوضح صورها في أبحاث "القطع والظن والشك". عندما ينسد باب العلم (اليقين بالواقع الإلهي)، يجد الفقيه نفسه وجهاً لوجه أمام الشك. هنا لا يتوقف عن الفتوى، بل يلجأ إلى ما يُعرف بـ «الأصول العملية»:
البراءة: (كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام) - وهي رخصة لتسهيل حياة البشر عند عدم وجدان الدليل.
الاستصحاب: (إبقاء ما كان على ما كان) - وهو حكم ظاهري للمتردد يعتمد على الاستمرارية الزمنية للحالة السابقة.
الاحتياط والتشاغل: لتأمين المكلف من العقاب الافتراضي.
إن هذه الأصول لا تكشف عن الحكم الواقعي الذي أراده الله في اللوح المحفوظ، بل هي مجرد "وظائف عملية للمتحيّر" وضعها الشارع لإدارة العجز البشري عن إدراك الحقيقة المطلقة. فكيف يمكن بعد ذلك وصف المنتج النهائي (الفتوى) بأنه يمثل الإرادة السماوية القطعية؟
٣. صراع المباني: لماذا يختلف المراجع؟
إن رصد الاختلافات الفقهية بين المراجع ليس رصداً لاختلافٍ طارئ أو شخصي، بل هو نتاج طبيعي وموضوعي لـاختلاف المباني الأصولية.
قد يتفق فقيهان على نفس النص القرآني ونفس الرواية، ولكنهما يختلفان في النتيجة اختلافا جذرياً:
أحدهما يرى حجية "الشهرة الفتوائية" كجابر لضعف السند (كما هو مبنى بعض المتقدمين)، بينما يرفضها الآخر تماماً كالسيد الخوئي الذي يصفها بأنها لا تسمن ولا تغني من جوع استدلالي.
أحدهما يقدم "أصالة الاحتياط" في مسألة معينة بناءً على مسلك "حق الطاعة" (كمبنى السيد الشهيد محمد باقر الصدر)، والآخر يجري "أصالة البراءة" بناءً على مسلك "قبح العقاب بلا بيان" (كمبنى المحقق النائيني).
هذا التباين الهندسي في تأسيس القواعد يثبت بالدليل القاطع أن الفتوى صياغة فكرية إنسانية، ورأي تخصصي محكوم بالخيارات المنهجية للفقيه، وليس نقلاً حرفياً للإرادة الإلهية.
٤. الحد الفاصل: بين قدسية الوحي وبشرية الفتوى
من هنا، يصبح التفريق حتمياً بين قدسية الوحي وبشرية الفتوى:
الوحي: ثابت، مطلق، معصوم، ولا يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة.
الفتوى: قراءة بشرية نسبية وتاريخية للوحي، تتأثر بالأدوات العلمية للفقيه، وبمستوى تطور العلوم المعاصرة له، وبظروفه وبيئته الاجتماعية والسياسية.
إن عدم التفريق بين هذين الحقلين يؤدي إلى منزلق خطير؛ وهو إلباس الفهم البشري رداء العصمة الإلهية، وصناعة جدار سميك يمنع نقد الفتاوى وتطويرها بما يلائم حركة الزمن وحاجات المجتمع المتجددة.
٥. نحو احترام العلم لا تقديس الرأي
إن نقدي لآلية تقديم الفتوى في الفضاء العام ليس استهدافاً للدين، ولا تقليلاً من شأن الحوزة العلمية وجهود علمائها الإجلاء؛ بل هو دعوة للعودة إلى جوهر ما تقرره كتب الأصول نفسها: المجتهد يخطئ ويصيب.
إن احترامنا للفقيه ينبع من كونه باحثاً أكاديمياً بذل جهداً مضنياً في دراسة النصوص وفهمها، وتوقيرنا له هو توقير للعلم والتخصص. لكن هذا الاحترام يجب ألا يتحول إلى "تقديس" يعامل الرأي الفقهي (الذي هو ظن معتبر في أحسن أحواله) كعقيدة معصومة لا تقبل النقاش أو المراجعة.
إن فتح الباب للاعتراف ببشرية الفتوى هو الضمانة الوحيدة لحيوية الفقه الإسلامي، وهو السبيل لرفع القداسة الزائفة عن القراءات البشرية للنصوص، ليبقى الفكر مفتوحاً على التطوير، والتحديث، والنقد العلمي البنّاء.
***
ستار الزهيري
١٤ تموز ٢٠٢٦ | ١ صفر الخير ١٤٤٨ هـ








