عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

عماد خالد رحمة: «إِذَنْ» و«إِذًا»

جدلُ الحرفِ بينَ النحوِ والرسمِ ودلالةِ المعنى

ليستِ اللغةُ العربيةُ مجرّدَ وسيلةِ تواصلٍ عابرة، بل هي كائنٌ حيٌّ يتنفّسُ في أصواتِ الحروفِ، ويتجلّى في هندسةِ المعنى، حتى ليغدو اختلافُ حرفٍ واحدٍ باباً من أبوابِ التأويلِ والمعرفة. ومن دقائقِ العربيةِ التي حيّرتِ الكتّابَ والمتعلّمين، وأثارتْ جدلَ النحاةِ واللغويين، مسألةُ كتابةِ «إذن» بالنون، و«إذاً» بالتنوين أو بالألف. أهما لفظٌ واحدٌ اختلفَ رسمُه؟ أم هما أداتانِ متباينتانِ في الوظيفةِ والدلالة؟

إنّ الوقوفَ عند هذه المسألة ليس تمرينًا إملائيًا فحسب، بل هو غوصٌ في فلسفةِ العربيةِ ذاتها؛ تلك اللغةِ التي رأتْ في الرسمِ امتداداً للمعنى، وفي الإعرابِ موسيقى للفكر. ولذلك قال عبد القاهر الجرجاني إنّ «النظمَ هو توخّي معاني النحو»، أي إنّ سرَّ البلاغةِ ليس في الكلمةِ منفصلةً، بل في علائقها ووظائفها. ومن هنا نفهمُ لماذا اهتمّ النحاةُ بحرفٍ صغيرٍ مثل «إذن»، لأنّ الحرفَ في العربيةِ قد يُقيمُ معنىً أو يهدمُه.

أولًا: «إذن» الناصبةُ للفعل المضارع

«إذن» حرفُ جوابٍ وجزاءٍ واستقبال، ينصبُ الفعلَ المضارعَ بشروطٍ مخصوصة. تقول:

سأزورُك غداً.

فتجيب:

إذن أُكرمَكَ.

فـ«أكرمَ» فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بـ«إذن».

وقد اشترطَ النحاةُ لعملِها شروطاً، منها:

أن تكونَ في صدرِ الجملة.

أن يكونَ الفعلُ بعدها دالّاً على الاستقبال.

ألّا يفصلَ بينها وبين الفعلِ فاصلٌ غيرُ القسمِ أو النداءِ أو «لا» النافية.

وهذه الشروطُ تدلُّ على دقّةِ العقلِ النحويِّ العربيِّ، إذ لم يكنْ النحاةُ يضعونَ القواعدَ عبثاً، بل كانوا يستقرئونَ منطقَ العربِ في كلامِهم. وقد رأى نحاةُ البصرة، وفي مقدّمتهم سيبويه، أنّ «إذن» تعملُ عملَ «أنْ» المضمرة، ولذلك نصبتِ المضارع. أمّا الكوفيون، وعلى رأسهم الكسائي، فقد وسّعوا في أحكامِها وأجازوا بعضَ ما منعه البصريون.

وكان الخلافُ بين المدرستينِ البصريةِ والكوفيّةِ انعكاساً لرؤيتينِ في فهمِ اللغة:

فالبصريون يميلونَ إلى القياسِ والصرامةِ المنطقية.

والكوفيون أكثرُ اعتماداً على السماعِ وتنوّعِ الاستعمال.

ثانياً: لماذا تُكتبُ «إذن» أحياناً «إذاً»؟

هنا تبدأُ رحلةُ الرسمِ الإملائيِّ، حيثُ يختلطُ الصوتُ بالخطِّ.

الأصلُ التاريخيُّ عند جمهورِ النحاةِ واللغويين أن تُكتبَ الكلمةُ بالنون: «إذن». وهذا ما رجّحه كثيرٌ من أئمةِ اللغة، لأنّ النونَ أصليةٌ في الكلمة وليست تنويناً.

غيرَ أنّ بعضَ الكتّابِ كتبها «إذاً» بالألف، توهّماً أنّ النونَ تنوينُ نصب، كما في:

شكراً

حقّاً

فعلاً

فانتشرتِ الكتابةُ بالألفِ في العصورِ المتأخرة، ثم شاعَ استعمالُها الصحفيُّ والأدبيُّ.

وقد وقفَ مجمعُ اللغةِ العربيةِ عند هذه المسألة، فرأى أنّ الرسمَ الأصحَّ هو «إذن» بالنون، لأنّها حرفٌ مستقلٌّ لا تنوينَ فيه. أمّا «إذاً» فكتابةٌ جائزةٌ شاعتْ اصطلاحاً لا قياسًاً.

وهذا يُظهرُ كيف أنّ اللغةَ ليستْ جامدةً، بل تتفاعلُ مع الاستعمالِ الاجتماعيِّ والثقافيِّ. فاللغةُ، كما يرى ابن جني، «أصواتٌ يُعبّرُ بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم»، أي إنّ الاستعمالَ جزءٌ من حياةِ اللغةِ، لا يمكنُ فصلُه عن قواعدِها.

ثالثاً: الفرقُ بين «إذا» و«إذن»

ينبغي ألّا نخلطَ بين «إذا» الشرطيةِ أو الظرفيةِ، وبين «إذن» الجوابية.

١. إذا

اسمٌ يدلُّ غالباً على الزمانِ المستقبل، مثل:

إذا جاءَ الشتاءُ هاجَ الحنين.

وهي هنا ظرفٌ لما يُستقبلُ من الزمان.

٢. إذن

حرفُ جوابٍ وجزاء، مثل:

سأجتهدُ.

إذن تنجحَ.

فالفرقُ بينهما فرقٌ بين الظرفِ والحرف، وبين الشرطِ والجواب، وبين الزمنِ والتعليل.

رابعاً: البعدُ الفلسفيُّ للحرفِ في العربية

لقد أدركَ فلاسفةُ اللغةِ أنّ الحروفَ ليستْ فراغاً صوتيّاً، بل مفاتيحُ للرؤيةِ والتفكير. ولهذا قال الفارابي إنّ اللغةَ مرآةُ العقل، بينما رأى ابن رشد أنّ فسادَ العبارةِ يؤدّي إلى فسادِ التصوّر.

ولذلك لم يكنِ النحوُ العربيُّ ترفاً علميّاً، بل محاولةً لحمايةِ المعنى من الانهيار. فحينَ يضطربُ الحرفُ يضطربُ الفكر، وحينَ تتشوّشُ العلاقاتُ النحويةُ تتشوّشُ الرؤيةُ للعالم.

ومن هنا نفهمُ لماذا قاتلَ النحاةُ دفاعاً عن الضبطِ والإعرابِ والرسمِ؛ لأنّ اللغةَ عندهم كانتْ نظاماً للعقلِ والحضارة، لا مجرّدَ ألفاظٍ عابرة.

خامساً: الرأيُ الراجحُ في الكتابة

الأفصحُ والأدقُّ لغوياً أن تُكتب:

«إذن» بالنون.

لأنّ النونَ حرفٌ أصيلٌ فيها، لا تنوينٌ عارض.

أمّا «إذاً» بالألف، فكتابةٌ شاعَ استعمالُها حديثاً، وهي مقبولةٌ عند بعضِ المعاصرين، لكنّها ليستِ الاختيارَ الأقوى من جهةِ التحقيقِ اللغويِّ.

خاتمة:

إنّ الفرقَ بين «إذن» و«إذاً» ليسَ مجرّدَ مسألةٍ إملائيةٍ صغيرة، بل شاهدٌ على عبقريةِ العربيةِ التي جعلتْ من الحرفِ عالَماً كاملاً من الدلالةِ والنظام. فالحرفُ في العربيةِ ليس ظلّاً للكلام، بل روحُه الخفيّة.

ولعلّ أجملَ ما يُقالُ في هذا الباب، ما أشارَ إليه الجاحظ حين رأى أنّ البيانَ ليسَ في كثرةِ الكلام، بل في إصابةِ المعنى بأدقِّ صورة. وهكذا تبقى العربيةُ لغةً ترى في النقطةِ معنى، وفي الحركةِ موسيقى، وفي الحرفِ تاريخَ أمّةٍ كاملة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين