(لا تقل أبدا عن أي شيء لقد أضعته بل قل لقد أعيد. هل مات طفلك؟ لقد أعيد)
أبقتيتوس، المختصر
***
تبدو لوحة إيليا ريبين اختبارا عسيرا لما ورد من نص للفيلسوف الأغريقي. يدعونا أبقتيتوس إلى تقبل الفقد بوصفه استردادا لوديعة لم نكن نملكها قط، لكن القيصر الروسي المحتضن ولي عهده لا يواجه موتا فرضه القدر بل موتا صنعته يداه. لا يملك هذا الأب رفاهية القول إن ابنه أعيد، لأن الذي أعاده إلى الموت هو غضبه. هكذا تتحول اللوحة إلى تأمل بصري في الندم بوصفه عقوبة أشد من الموت. الزمن يمنح فرصة للاعتذار عن كلمة لكنه لا يمنح أبدا فرصة لإحياء من قُتل.
لماذا رسم ريبين الندم لا القتل؟ هذا السؤال ربما أحد مفتايح فهم اللوحة.ربما ان لحظة الضربة القاتلة ما كان يشد خيال اي رسام آخر، لكن ريبين تجاوز ذلك ورسم ما يليها مباشرة، تلك اللحظات التي ينهار فيها القاتل الأب تحت ثقل ما اقترفته يده. الضربة حدث عابر أما الندم فمصير، ولهذا رسم ريبين المصير لا الحدث. إنه لا يرسم العنف بل اكتشاف العنف، لا يرسم الجريمة بل اللحظة التي يفهم فيها القاتل أنه صار قاتلا.
تتجمع عناصر اللوحة حول الجسدين المتعانقين في قلب المشهد... بينما تنسحب الغرفة إلى ظلمة تكاد تبتلع كل شيء. هذا الفراغ ليس مجرد خلفية بل فاعل بصري يعلن أن العالم كله قد اختفى، ولم يبق إلا الأب وابنه داخل دائرة مغلقة من الألم. يحتضن القيصر ابنه لا كأب فقط بل كغريق يتشبث بآخر أنفاسه. أصابعه المرتعشة تضغط على الجرح المفتوح في محاولة يائسة لإيقاف نزيف يعرف أنه لن يتوقف وعيناه المتسعتان لا تنظران إلى الابن وحده بل إلى الجريمة و ما بعدها. هنا تتكثف اللوحة في صورة واحدة... اليد التي أمسكت بالصولجان قبل لحظات هي اليد نفسها التي تحاول الآن وقف النزيف. اليد التي تضرب هي اليد التي تريد عاجزة ان تشفي...هذا هو جوهر المأساة. لو أراد الغزالي أن يرسم قوله ...وربما قاد الغضب إلى القتل والآثام التي لا يتلافاها الندم... لما وجد صورة أبلغ من هذه الأصابع العاجزة عن إعادة قطرة دم واحدة.
في مقابل ذعر القيصر وجه الابن ساكن سكونا مؤلما... غادرته العواطف الإنسانية ولم يبق سوى استسلام هادئ ودمعة وحيدة كأنها آخر ما تبقى من الحياة. يتناثر الدم على الثوب الوردي الفاخر فيتحول اللون من زينة ملكية إلى شهادة على ما جرى. والصولجان الملقى على السجادة ليس مجرد أداة قتل سقطت من يد بل رمز فقد هيبته وصار شاهدا على عجزها. أدوات الحكم تستطيع في لحظة انفلات أن تدمر الحاكم نفسه.
وجد ريبين في مسرحية أليكسي تولستوي «موت إيفان الرهيب» تصويرا مأساويا للقيصر لا بوصفه حاكما فحسب بل أبا يكتشف متأخرا أن السلطة هزمت الأبوة. ورأى في هذا المشهد مرآة لروسيا أواخر القرن التاسع عشر التي كانت تعيش صدمة اغتيال القيصر ألكسندر الثاني وتصاعد العنف السياسي. فأعاد بناء الحادثة كسؤال أخلاقي موجه إلى أهل زمانه.
ماذا تفعل السلطة حين تنقلب على نفسها؟ وكيف يبدو الندم حين يكون القاتل هو الأب والسلاح هو أداة الحكم؟ ولهذا تجاوزت اللوحة إطارها التاريخي لتصبح بيانا ضد الاستبداد وتأملا في هشاشة الإنسان وتذكيرا بأن السلطة العاجزة عن ضبط غضبها تبدأ بتدمير أقرب الناس إليها.
يصطدم هذا المشهد بصوت أبقتيتوس الذي نقله لنا تلميذه آريانوس في كتاب المختصر. إن الطفل الذي يموت أعيد إلى الكون. لكن أصابع القيصر لا تعرف معنى الإعادة... إنها تضغط على الجرح كما لو أن الإرادة تستطيع هزيمة الزمن. هنا ينتهي سلطان القيصر ويبدأ سلطان الحقيقة. بعض الأفعال لا يبطلها الندم، وبعض الضربات تستمر أطول من حياة أصحابها. لذلك لم يرسم ريبين جريمة قتل بل رسم اللحظة التي اكتشف فيها القاتل أن الزمن لا يعود.
فهل يستطيع الندم مهما بلغ صدقه أن يعيد قطرة دم واحدة؟ وإذا كان العنف يصدر في لحظة انفلات فهل من عودة حقيقية من تلك اللحظة أم أن الزمن يتوقف إلى الأبد عند ارتطام الصولجان بالرأس؟ وكيف نواجه حكمة تقول سلم، بينما الجسد المحتضر بين ذراعي قاتله يقول إن بعض ما ينكسر لا يلتئم...
***
د احمد عابر








