أقلام ثقافية

ناجي ظاهر: نوادي القراءة ضد القراءة

كتب أحدهم ما مفاده انك قد تقرأ مئة كتاب، وقد تمر على كل ما فيها باهتمام كبير، متوقفا عند كل حرف وحركة، الا أنك قد تكتشف فجأة نسيانك كل تلك الكتب التي قرأتها، وقد تنسى كل ما تضمنته ايضا، سوى انك ستكتشف انك بت إنسانا غير ذلك الذي كان قبل قراءة كل تلك الكتب. أورد هذا كله واستشهد به مجتمعا في القراءة وفائدتها الآنية وبعيدة المدى في نفسية وكينونة من يمارسها.. مقضيا الساعات الطوال برفقة الكتب وبين يديها، فالقراءة في عمقها الانساني تعني الكثير وقد تنبه اديبنا العربي العريق ابو عثمان بن عمر بن بحر المكنى بالجاحظ، لجحوظ في عينيه، أن القراءة هي عقل غيرك يضاف إلى عقلك، في حين ردد العشرات، منهم الكاتب العربي المصري البارز عباس محمود العقاد، ما سبق ولحق، ما ردده العديدون من الكتاب والمفكرين، وهو أن القراءة هي زاد يطيل العمر ويثريه كونها تجربة تضيف إلى تجربتنا وعمرا يضاف إلى اعمارنا.

اقول هذا وانا افكر في نوادي القراء القائمة في العديد من بلداتنا ومدننا العربية، غاضا النظر عن انها جاءت كالعادة تقليدا، لكن لا باس به، لنواد سبق واقيمت في شتى التجمعات المتحضرة في العالم ولدى ابناء العم اسحق في بلادنا تحديدا، ومتفكرا فيها وفيما قدمته وتقدمه بين الحين والآخر، من متابعة حافلة بالمحبة والتقدير للكتاب ولكل من يهتم به، سواء بصورة شخصية أو بصورة عامة عبر ما نشرته وسائل الإعلام عن هذه النوادي المباركة في كل الاحوال، بإمكاني تسجيل الملاحظات التالية.

الملاحظة الاولى: أن هذه النوادي كما عرفنا والفنا، تنشط بصورة موسمية، وهي عادة ما تقيم نقاشا حول هذا الكتاب أو ذاك، في فترات متباعدة، ويخيل لي أن كلا من نشاطاتها، إنما يقوم بعد تحمس، من حماس، أحد اعضائها، اثر قراءته كتابا ما فيقوم باقتراح مناقشته في ناديه وإذا ما لاقى اقتراحه القبول تم اقتناء الكتاب المقصود، تلاه توزيعه على أعضاء النادي وعقدت بالتالي الجلسة، ليكتب عنها خبر يتم نشره في وسائل الإعلام الإلكترونية أو وسائل التواصل الاجتماعي، مسجلا إنجازا للنادي الذي يدور الحديث حوله، ولتتلو نشر ذلك الخبر حالة من البيات، بانتظار مديد لاقتراح اخر لمناقشة كتاب جديد. هكذا نلاحظ، وارجو ان أكون مخطئا في ملاحظتي هذه، أن تلك النوادي، خاصة في المكتبات العامة أو بين ظهرانينا في التجمعات المعنية، بدلا من أن تعمل بصورة مكثفة ومركزة، كما يفترض، تتحول الى العمل بصورة متقطعة، وتفتقد إلى الحماس المطلوب للمواصلة الهامة جدا والمحببة فيما يتعلق بحالة القراءة والكتابة.

الملاحظة الثانية: أن هذه النوادي، بدلا من أن تهتم بالعمق في عملها، تلجأ إلى السطحية، بمعنى أنها تنتظر الاقتراحات من أصحاب الكتب الصادرة مؤخرا، وليت الأمر يتوقف في قبولها هذا الاقتراح على تقديمه، ذلك أن الأمر يتجاوزه إلى مدى، أكاد اصفه بأنه مكروه، وهو أنني أنا مدير النادي، اذا ما كنت من أصدقاء الكاتب صاحب الاقتراح، وافقت على اقتراحه أو طلبه فورا ودون تردد، أما إذا لم أكن كذلك، أعني من اصدقائه، فإن الأمر يختلف، ذلك أن الاقتراح سيرفض إما بسبب أننا جمدنا نشاطنا حاليا، واما أننا سندرس الأمر، وقد ندخل اقتراحك في برنامجنا للسنة القادمة. اقول هذا انطلاقا من تجربة شخصية، فقد تلقيت مثل هكذا ردين، كل على انفراد بالطبع، على اقتراح وضع كتاب جديد لي ضمن نشاطات وفعاليات ناديين في منطقة إقامتي الناصرة، وتلقيت الرد ذاته ، وفي الوقت نفسه قام هذان الناديان، أو أحدهما بالحتم، بمناقشة كتاب لكاتب واصل ويتقن فن العلاقات العامة. لماذا اقول هذا؟.. أنني أقوله للفت النظر ولمعالجة الأمر بهدف إيجاد الدواء للداء القتال.. لا اكثر.

الملاحظة الثالثة: أن هذه النوادي عملت، عندما ركبها شيطان الرغبة أو الهوس حينا، وعندما تقبلت هذا الاقتراح أو ذاك حينا اخر، بطريقة لا تختلف عن طريقة بقية المؤسسات الثقافية في بلادنا تحديدا، في مقدمة هذه الطريقة، انتظار الاقتراح يأتي من الخارج، واضعة ذاتها بذلك في خانة رد الفعل البدائي، وعدم المبادرة المتحضرة، بمعنى الفعل المرغوب به والمحبب، ولي تجربة مرة بطعم الحنظل بهذا الصدد. هذه التجربة حصلت على النحو التالي: اقترح علي صديق متأدب شاب ذات لقاء مرافقته إلى مؤسسة ثقافية تحتضن ناديا للقراء، بهدف اهدائها كتابه الجديد الصادر مؤخرا. ما إن تناولت مديرة المؤسسة الكتاب حتى اقترحت عليه جلسة اخرى، لوضع الكتاب ضمن برنامج نادي القراء، بعد ذلك جرى حديث حول الحراك الادبي الثقافي في البلاد. وعندما سألتني تلك المديرة، عن رأيي، رددت عليها قائلا، إن ما حصل في ذلك اللقاء لم يعجبني وآثار حفيظتي، المديرة فوجئت وعادت تسألني عن السبب، فاجبتها بمنتهى الوضوح، أن اقتراحها مناقشة كتاب صدر مؤخرا هو أمر مبارك، بغض النظر عن أنها لم تقرأه بعد، بعد ذلك جرى نقاش، ودي معها، اطمئنوا لست عنيفا، الخصه بكلمات قلائل فأقول إن ما حصل لم يرق لي لأنه ليس من المطلوب من الكاتب صاحب الكتاب الصادر حديثا ان يتوجه إلى المؤسسة الثقافية أو نادي القراء، ليتم اقتراح مناقشة كتابه في النادي، وان الأفضل أن يقوم أحد أعضاء النادي بقراءة ما يتم إصداره من كتب جديدة ومستحقة بالطبع ، وان يقترح بالتالي ما هو جدير بالوضع ضمن أعمال ناديه القرائي لتتم مناقشته، أما أن يذل الكاتب نفسه ويزور المؤسسة المعنية أو نادي القراء وفي نفسه أن يقوم هذا الأخير بوضع كتابه ضمن أعمال النادي، وان تصل الرسالة المشفرة بالتالي، فتقترح الإدارة الاهتمام بكتابه، فإن هذا يدل على واحد من امرين، أما أن النادي ما هو إلا ناد التفاخر واتمام واجب مؤسساتي، يخدم في العادة جهة اجتماعية او سياسية، وإما أنه مصاب بحالة نوم وبيات، وهو ما لا يليق في كلا الحالتين.

كي لا افهم خطا اقول.. إنني اعرف ان عمل نادي القراء، اي نادي، يحتاج إلى بذل الكثير من النصب أو التعب والجهد، ويكفي أن أشير إلى ما يحتاج إليه لمناقشة قرائية واحدة، توضيحا لما اقوله، فالنادي يحتاج اولا إلى شراء عدد من نسخ الكتاب يوازي عدد أعضائه الراغبين في المشاركة، بعدها يحتاج إلى توزيع الكتاب عليهم، يليه قراءة الكتاب في وقت محدد، يقينا انني اعرف هذا كله، غير أن ما قصدته من ابداء ملاحظاتي الانفة، هو ما بعد هذه الامور الشكلية الضرورية والهامة.. أنه يصب في خانة عمل النادي ذاته وليس خارجه.  . أما الهدف من هذه الكتابة وما تضمنته من ملاحظات، فإنه يأتي من محبة كبيرة لحياتنا الأدبية الثقافية عامة.. اولا وثانيا وثالثا.. فهيا الى العمل.

***

ناجي ظاهر

في المثقف اليوم