عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

إيمانويل بيزاني: نحو لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان

قراءة نقدية لـ “علم الكلام الجديد” عند عبد الجبار الرفاعي

منذ ثمانينيات القرن العشرين، عرّف عدد من المثقفين المسلمين أنفسهم بأنهم ينتمون إلى “علم كلام جديد”، أو دعوا إلى تطويره. ومن بينهم الفيلسوف عبد الجبار الرفاعي، الذي ألّف كتابًا تمهيديًا في هذا الحقل الناشئ، دعا فيه إلى قطيعة إبستمولوجية والتخلي عن علم الكلام التقليدي، لأنه، بحسب رأيه، عاجز عن الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها الحداثة. ويسعى هذا المقال، في الوقت نفسه، إلى الإسهام في التعريف الأكاديمي بمفكر ما يزال قليل الحضور في الغرب، وإلى تقويم الإطار النظري الذي يقترحه في ضوء الحوار بين الأديان. ذلك أن علم الكلام التقليدي تشكّل أساسًا ضمن موقف دفاعي اعتذاري، مما جعله غير مهيأ للانخراط في حوار ديني بنّاء يحترم إيمان الآخر من دون السعي إلى تحويله أو استقطابه.

ومن هنا يطرح المقال السؤال الآتي: هل ينجح “علم الكلام الجديد”، كما يصوغه الرفاعي، في وضع الأسس اللازمة لقيام لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان؟ هذا السؤال التوجيهي سيكون منطلقًا لهذا التقييم. إن “اللاهوت الجديد” أو “علم الكلام الجديد” صار اليوم اسمًا لحقل معرفي يُدرَّس في المعاهد وكليات العلوم الدينية، ويحظى باهتمام أكاديمي متزايد. هل ينجح “علم الكلام الجديد”، كما يصوغه الرفاعي، في وضع الأسس اللازمة لقيام لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان؟ هذا السؤال التوجيهي سيكون منطلقًا لهذا التقييم.

من بين المجلات التي تُعنى بـ”علم الكلام الجديد” في إيران: “نقد ونظر”، و”هفت آسمان” (السماوات السبع). أما مجلة “إسلاميات” فتصدر عن لاهوتيي مدرسة أنقرة، وفي العراق تصدر: “مجلة قضايا إسلامية معاصرة”، التي أصدرها عبد الجبار الرفاعي قبل 30 عامًا، وقد صدر عددها الأخير الشهر الماضي، أصدرت هذه المجلة 82 عددًا مرجعيا في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. وفيما يتعلق بنشأة علم الكلام وتشكّله في مدارس كبرى، يُحال إلى دراسات جوزيف فان إس حول بدايات اللاهوت الإسلامي، وإلى أعمال أخرى تناولت تشكّل الفلسفة الإسلامية فيما بعد العصر الكلاسيكي وفلسفة علم الكلام.

ويشير عبد الجبار الرفاعي في كتابه “مقدمة في علم الكلام الجديد” إلى أن هذا العلم نشأ من التساؤل حول طبيعة كلام الله ومعناه. ومع ذلك، فإن الرؤية والتشخيص اللذين يقدمهما الرفاعي لعلم الكلام يتعلقان أساسًا بالعالم العربي، ولا ينصفان، بحسب كاتب المقال، الحيوية التي عرفها الفكر اللاهوتي الإسلامي في فضاءات جغرافية أخرى، وهو ما عبّر عنه المفكر شهاب أحمد بمفهوم “المجال الممتد من البلقان إلى البنغال”، وهو فضاء واسع يمتد من جنوب شرق أوروبا إلى البنغال في جنوب آسيا، ويشمل الدولة العثمانية وإيران وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية. ويستعمل شهاب أحمد هذا المفهوم لبيان ثراء وتنوع التعبيرات الإسلامية، ومنها الفكر الكلامي، في المدة الممتدة بين 1350 و1850، وهي مرحلة شهدت ازدهارًا فكريًا وفنيًا وروحيًا واسعًا.

في هذا السياق، سعى عدد من المفكرين، منذ القرن التاسع عشر، إلى تطوير علم الكلام واستعادة الروح التي تأسس عليها في بداياته. ومن هذه الدينامية وُلد “علم الكلام الجديد”، الذي يُنتظر منه أن يستجيب للحاجات والتطلعات المعاصرة انطلاقًا من الكلمة الإلهية، ومن ثم من ظاهرة الوحي نفسها. غير أن هذا التيار لا يقدم نفسه بوصفه مدرسة موحدة، إذ يضم تحت هذه التسمية مفكرين تختلف افتراضاتهم وأطرهم الإبستمولوجية.

وفي هذا الإطار كرّس الفيلسوف العراقي عبد الجبار الرفاعي، المولود سنة 1954 في ذي قار بالعراق، مشروعه الفكري لعلم الكلام الجديد في العالم العربي. وبعد دراسات متنوعة شملت دبلومًا زراعيًا سنة 1975، ودراسات دينية تقليدية في النجف وقم، ثم بكالوريوس في العلوم الإسلامية سنة 1988، وحصل على ماجستيرًا في علم الكلام سنة 1990، ودكتوراه في الفلسفة الإسلامية سنة 2005، ونال لقب الأستاذية سنة 2012. ويترأس اليوم مركز فلسفة الدين في بغداد. ألّف الرفاعي ستين كتابًا، من أبرزها “مقدمة في علم الكلام الجديد”، واستلهم في مشروعه أعمال مفكرين هنود وباكستانيين، مثل شاه ولي الله الدهلوي، وسيد أحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن، إضافة إلى الفلسفات المعاصرة والهرمنيوطيقا. ويسعى الرفاعي إلى استعادة الحيوية الروحية للدين، وعمقه الأخلاقي، وبُعده الجمالي، عبر القطيعة مع التكرار العقيم الذي لم يعد قادرًا على الإجابة عن القلق الوجودي المعاصر، والذي يفضي أيضًا إلى شرعنة إقصاء الآخر، ورفض التعددية الدينية، وإنكار أي أساس لاهوتي للحوار بين الأديان.

ومن خلال هذه المقاربة، يسعى عبد الجبار الرفاعي إلى استعادة تفكير خلاق وحدسي ورمزي، يتيح بناء تفسير جديد للوحي الإلهي. وهو يرى أن تجديدًا جذريًا للمقولات اللاهوتية وحده القادر على استعادة الطاقة الروحية للإسلام، وفي الوقت نفسه تأسيس حوار ديني صادق بين الأديان. ويهدف “علم الكلام الجديد”، في هذا الأفق، إلى القطيعة مع كل أشكال الشرعنة اللاهوتية للتمييز والعنف التي تستمد مبادئها وأسسها من علم الكلام التقليدي.

من هنا يطرح الرفاعي السؤال الآتي: هل تشكل الافتراضات الإبستمولوجية، والمقولات اللاهوتية، والغايات التي يتصورها لعلم الكلام الجديد، جهازًا لاهوتيًا فعّالًا حقًا لبناء لاهوت منفتح على الحوار بين الأديان، بوصفه السدّ الوحيد في مواجهة أخطار الصراعات الجديدة التي تغذيها القراءات المغلقة والإقصائية؟ وبعد عرض الانتقادات التي يوجهها الرفاعي إلى علم الكلام التقليدي، والمآزق التي يرى أنه يوقع فيها التفكير في التعددية الدينية، سينتقل الكاتب إلى تحليل المبادئ. وبعد عرض الانتقادات التي يوجهها عبد الجبار الرفاعي إلى علم الكلام التقليدي، والمآزق التي يرى أنه يوقع فيها التفكير في التعددية الدينية، سينتقل الكاتب إلى تحليل المبادئ المؤسسة لعلم الكلام الجديد، قبل تقويم مدى قدرته الفعلية على إعادة تأسيس فضاء لاهوتي مهيأ للحوار بين الأديان.2821 LTP

أولًا: عجز علم الكلام عن الحوار بين الأديان

يرى عبد الجبار الرفاعي أن عجز علم الكلام عن تقديم أطر لاهوتية صالحة للحوار، سواء مع أتباع الديانات الأخرى أو مع العالم الحديث، يعود إلى عدة عوامل. فمن جهة، تحمل هذه المنظومة الكلامية تصورًا لاهوتيًا لله يقوم على منطق السيد والعبد. ومن جهة أخرى، ظلّ علم الكلام مشبعًا بوظيفته الأصلية المتمثلة في الدفاع عن الإسلام وحمايته، الأمر الذي قاده كثيرًا إلى ممارسة التكفير، وهي ممارسة ما تزال آثارها حاضرة، على الأقل في الذهنيات، رغم تخلي مؤسسات أكاديمية عديدة، مثل الأزهر الشريف، عن استعمالها الصريح. كما أن مساواة علم الكلام بالدين نفسه أسهمت في تجميد الفكر اللاهوتي الإسلامي، وحكمت عليه بالتكرار المستمر، في مفارقة لافتة.

وعلى المستوى اللاهوتي، يسلّط الرفاعي الضوء على المشكلة الأساسية في علم الكلام، والمتمثلة في أن تصوره لله يتأسس على جدلية السيد والعبد، وهي بنية موروثة من العصور القديمة والعالم البيزنطي، انتقلت إلى الفكر الكلامي الإسلامي من دون مراجعة نقدية. فهذه العلاقة الهرمية، التي يُنظر فيها إلى الله بوصفه سيدًا مطلقًا، وإلى الإنسان بوصفه عبدًا ملزمًا بالخضوع الكامل، أثّرت بعمق في بناء العقائد الكلامية الإسلامية. كما أنها، بحسب الرفاعي، شكّلت المخيال الديني للمسلمين في علاقتهم بالعالم وبالآخر. وبدل أن تفتح أفقًا لحوار أو لتفكير في المسؤولية الإنسانية، حصرت العلاقة بالله في بنية تقوم على السيطرة والطاعة، حيث لا يتحدد الإنسان إلا عبر محو ذاته أمام إرادة إلهية تُتصوَّر وكأنها إرادة اعتباطية لا تخضع للمساءلة. وينتج عن ذلك، بحسب الرفاعي، نوع من “الاغتراب الوجودي” لدى المؤمن تجاه العالم، إذ لا يعود قادرًا على التفكير الحر، ولا على بناء علاقة تقوم على التبادلية أو المسؤولية، بل يبقى سجين منطق الخضوع الكلي، البعيد عن متطلبات العالم الحديث. ويرى الكاتب أن علم الكلام الأشعري، حين بالغ في تأكيد القدرة المطلقة لله على حساب العدالة، بحيث يبقى الله حرًا في مكافأة من يشاء، أسهم في شرعنة نوع من الاستبداد العمودي الذي يتسرّب إلى الحياة اليومية ويتجلى فيها.

ومن البديهي أن مثل هذا اللاهوت يترك أثرًا حاسمًا في المجال السياسي للمجتمعات الإسلامية، إذ يميل، بفعل انعكاسه على الواقع، إلى تبرير أنماط الاستبداد وترسيخها. وينتج عن ذلك، بحسب عبد الجبار الرفاعي، تربية على الخوف تؤسس لثقافة “العبودية الطوعية”، وتبني المجتمع بصورة هرمية وفق العلاقة بالعقيدة والإيمان. ففي إطار هذا اللاهوت يُصنَّف أفراد المجتمع تصنيفًا عموديًا بحسب مراتبهم العقدية؛ فالمؤمنون بالعقيدة الرسمية يحتلون قمة السلم، أما الآخرون فيوضعون في مراتب أدنى، من غير أن يُسمح لهم ببلوغ المكانة العليا. ونتيجة لذلك، لا تتحدد حقوق الإنسان وحرياته ومسؤولياته على أساس المواطنة أو الانتماء الوطني، وإنما على أساس درجة ولائه العقدي وإيمانه. ويرى الرفاعي أن هذه الرؤية التي أنتجها علم الكلام وأسهم في ترسيخها تتناقض مع أي إمكان للتعايش السلمي والمتكافئ بين الجماعات، وتجعل الحوار بين الأديان عاجزًا عن أن يكون حوارًا مثمرًا يواجه التمييز ويؤسس لـ “مواطنة كونية”، مهما ارتفعت اليوم الأصوات الإسلامية الرسمية الداعية إلى ذلك. ومن جهة أخرى، يتجلى هذا الاغتراب في صورة أنثروبولوجية فقيرة للإنسان. فقد أسهم علم الكلام، بحسب الرفاعي، في تشكيل منطق يقوم على “ترويض” الإنسان و”تنميط” سلوكه ومعتقداته وحتى تعبيراته العاطفية. ومن خلال إنكار فرادة كل إنسان وخصوصيته، قوّض هذا التفكير الأسس اللاهوتية للكرامة الإنسانية، وهي الأسس الضرورية للاعتراف بالآخر. وفي ظل هذا الأفق يُنظر إلى المختلف، سواء كان من أتباع دين آخر، أو مفكرًا نقديًا، أو صاحب تجربة روحية مغايرة، على أنه تهديد للوحدة العقدية، ومن ثم يجري إقصاؤه.

هكذا ترسخت ثقافة لاهوتية قائمة على الإقصاء، تتجلى في ممارسة التكفير، التي جرى تبريرها باسم حقيقة واحدة مغلقة على نفسها. ولذلك يرى الرفاعي أن الإطار التقليدي لعلم الكلام، وما يتفرع عنه من فقه، يجعل من المستحيل بناء لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان، أو تأسيس مواطنة جامعة غير تمييزية. فعلم الكلام، بكل امتداداته، ظل يسعى إلى حماية الإسلام من كل أشكال التجديد، وإثبات حقيقته في مواجهة المدارس الأخرى التي يعدّها منحرفة، أو الأديان الأخرى التي يعتبر عقائدها ضلالًا. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”، أصبح من المتعذر، بحسب عبد الجبار الرفاعي، قيام أي حوار صادق أو تعايش حقيقي. ولذلك يخلص إلى نتيجة حاسمة مفادها أن التكفير في علم الكلام والفقه يمنع المسلم من المشاركة العضوية والخلاقة في حياة المجتمعات المتعددة دينيًا وثقافيًا، كما يمنع نشوء المواطنة بوصفها أساس الدولة الحديثة، ومن ثم يصبح بناء دولة حديثة أمرًا مستحيلًا في البلدان التي تتخذ من علم الكلام والفقه مرجعًا للدساتير والقوانين والبرامج العامة. ويؤكد الرفاعي أن هذا المنطق قاد إلى تبرير العنف من أجل تشكيل مجتمع يتكون من “نسخ متطابقة”، تتشارك الصفات ذاتها والأفكار المتماثلة والمشاعر المتشابهة. وهكذا لم يقتصر هذا النظام على تهميش الاختلاف، وإنما اختزل الإيمان في مطابقة صارمة، الأمر الذي جعل أي حوار، سواء داخل الإسلام أو بين الأديان، شبه مستحيل. ويرى أن هذا المنطق نفسه يتجلى اليوم في المبدأ السلفي المعروف بـ”الولاء والبراء”، الذي يقصي كل من لا يشارك الجماعة عقيدتها، والذي استند إليه تنظيم داعش في تبرير العنف واستخدام السيف. كما يظهر هذا المبدأ في تقييد الإحسان إلى الآخر، إذ يُنظر، ضمن هذا التصور، إلى أن فعل الخير مع من يُعتقد أنه من أهل الهلاك أمر غير ملائم. ويبيّن الرفاعي كيف أن الأدبيات المنبثقة من علم الكلام والفقه تبرر الاستيلاء على أموال غير المسلم، أو تجعل كل طعام محرّمًا على غير المؤمن. ويرى الرفاعي أن هذا التوجه يمثل خيانة لرسالة الدين والإيمان، التي يفترض أن تدفع المؤمنين إلى إنجاز أفعال نافعة للإنسانية جمعاء. فبدل أن ينتج علم الكلام مفاهيم ومبادئ تؤسس لإنسانية حقيقية، أفرز، على العكس، منظومات فكرية تغذي باستمرار آليات التمييز والإقصاء. وفي مواجهة ذلك، حاول عدد من المفكرين، منذ قرون، إحياء علم الكلام وإصلاحه في ضوء الفلسفة الحديثة، غير أن هذه المحاولات بقيت هامشية، وواجهت اعتراضات حادة من حراس علم الكلام التقليدي. ويشير الرفاعي إلى أن رفض الفلسفة الحديثة يحمل مفارقة واضحة، لأن علم الكلام نفسه تكوّن تاريخيًا من خلال استيعاب التراث الفلسفي اليوناني، وخاصة فلسفة أرسطو، وتشكّل عبر التفاعل بين الإسلام في بداياته.

وعلى الرغم من الإرث الأولي للفلسفة اليونانية، فإن كثيرًا من علماء الكلام المسلمين يرفضون اليوم أي حوار مع الفلسفة الحديثة والمعاصرة، الأمر الذي يجعلهم عاجزين عن إدماج مسألة إعادة تشكيل العقل العملي وما يترتب عليها من آثار في تفكيرهم اللاهوتي. المفارقة، بحسب عبد الجبار الرفاعي، أن المبرر الذي يُقدَّم لهذا الرفض يقوم على الخوف من “تغريب” علم الكلام، أي من أن يؤدي الانفتاح على فلسفات نشأت خارج الثقافة الإسلامية إلى تشويه طابعه الإسلامي. ويرافق هذا الانغلاق على الفلسفة نوع من المساواة بين علم الكلام والدين نفسه، بحيث تُعدّ كل محاولة لتجاوز المدرسة الأشعرية أو نقدها أو الانفتاح على آفاق جديدة بمثابة طعن في الدين برمته. ولهذا تُفسَّر كل معارضة بوصفها علامة على إنكار الضروري أو بدعة، حتى غدا علم الكلام، الذي كان يُنظر إليه بوصفه “أشرف العلوم”، مصفوفة جامدة منغلقة على ذاتها، كثيرًا ما تحظى بدعم السلطات السياسية التي تستمد منه شرعية حكمها.

يرى الرفاعي أن الخطابات الصادرة عن علماء مسلمين يدعون إلى الحوار بين الأديان لا تتجاوز غالبًا حدود المجاملات واللياقات الأخلاقية من دون أثر حقيقي، لأنها تبقى خارج البنية اللاهوتية التقليدية، ولا تدفع اللاهوت الإسلامي إلى إعادة التفكير في نفسه انطلاقًا من ضرورة الحوار والاعتراف بالآخر. كما أن عجز علم الكلام عن تجاوز الإطار الأرسطي الذي حكم المتكلمين الأوائل حرم اللاهوت الإسلامي من امتلاك المفاهيم الأساسية اللازمة للإجابة عن الأسئلة الجديدة التي فرضها ظهور الذات الحديثة والحداثة نفسها. ويرى الرفاعي أن جمود علم الكلام يمنع اللاهوت الإسلامي من استيعاب قضايا مركزية، مثل كرامة الإنسان، وهي فكرة تقع في صميم تشكل الذات الحديثة وحقوق الإنسان، مع أن القرآن، بحسب رأيه، يتيح تأسيسًا لاهوتيًا واضحًا لها. ومن هنا يدافع الرفاعي عن ضرورة بناء “علم كلام جديد”، ويتساءل الكاتب عن مفاهيم هذا العلم الجديد وطبيعته ومنظومته القيمية ومنهجيته.

ثانيًا: علم الكلام الجديد، دعوة إلى قطيعة إبستمولوجية

تُعدّ فكرة “التجديد” عند عبد الجبار الرفاعي فكرة محورية، إذ لا يتعلق الأمر عنده بإصلاح أو إحياء بالمعنى التقليدي، وإنما بضرورة التفكيك والقطيعة مع الرؤى اللاهوتية القديمة. فالرفاعي، وهو يفكر خارج الأسوار التقليدية، يسعى إلى “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، أي إلى إعادة النظر في اليقينيات والعقائد والمطلقات، والتحرر من تكرار المقولات الموروثة، ومن الشروح على الشروح والحواشي على الحواشي. يرى الرفاعي أن أول من استعمل تعبير “علم الكلام الجديد” هو المفكر الهندي شبلي النعماني، غير أن الدلالة التي قصدها تختلف عن المعنى الذي يمنحه الرفاعي لهذا المفهوم اليوم. فشبلي النعماني كان يريد معالجة قضايا جديدة فرضتها الحداثة، من دون اقتراح إطار إبستمولوجي جديد للتفكير فيها. فقد انشغل موضوع “علم الكلام الجديد” لديه بقضايا مثل الانتحار، والرق، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والميراث، والجهاد، بقصد الدفاع عن التعليم الإسلامي التقليدي، من غير أن يفتح مسافة نقدية تجاه التصورات الكلامية عن الله، إذ بقي اشتغاله محصورًا في مستوى الشريعة، ولم يتناول بنية المعتقدات نفسها. أما هذا التحدي تحديدًا فهو ما يريد الرفاعي مواجهته. ولا يرى الرفاعي أن “علم الكلام الجديد” يمثل مدرسة مغلقة، وإنما يعدّه جزءًا من تيار عام يمتد في أثر مفكرين هنود مثل سيد أحمد خان. كما يدرج ضمن هذا التيار أسماء مثل محمد إقبال وأمين الخولي، الذي كان يؤكد أن “تطور العقائد واجب”. ويرى بعض المفكرين، مثل حسن حنفي، أن المطلوب هو ثورة إبستمولوجية تنطلق من الإنسان من أجل بناء “لاهوت للتحرر”، في حين يدعو آخرون، مثل محمد عابد الجابري، إلى توظيف مفاهيم الفلسفة المعاصرة، بينما يرى محمد أركون ضرورة تجديد المنهج.

ويرى آخرون ضرورة تجديد المنهج نفسه، عبر إدخال المقاربة التاريخية النقدية مثلًا، من أجل فهم كيفية تشكّل المقولات والبُنى الفكرية الموروثة من القرون الماضية وسياقات إنتاجها. ومن ثم فإن فكرة تجديد علم الكلام ليست جديدة، إذ ظهرت أيضًا منذ ثمانينيات القرن العشرين في الوسط الشيعي مع مفكرين مثل: عبدالكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري، ومصطفى ملكيان، ومحسن كديور. وهذه الرؤية تنقض الاعتقاد بأن الفكر الكلامي التقليدي يمثل حقيقة ثابتة ونهائية، لأن أطروحات المتكلمين، بحسب عبد الجبار الرفاعي، ليست سوى “أجوبة ظرفية” عبّرت عن عصرهم وبيئتهم وثقافتهم وتجاربهم الشخصية والظروف التي عاشوا فيها. صحيح أن الأسئلة الميتافيزيقية تبقى بطبيعتها أسئلة أزلية، غير أن الإجابات عنها ترتبط دائمًا برؤية للعالم يسميها الرفاعي “اللاوعي المعرفي”. لذلك يرى ضرورة استيعاب “المنعطف الهرمنيوطيقي”، الذي لا يعني التحرر من الدين نفسه، وإنما التحرر من البُنى الدينية التقليدية التي تغذي المخيال الجمعي، وتغذي أحلام الجماعة وطموحاتها ونرجسيتها، بحيث تبقى الجماعة أسيرة الصور المثالية التي صنعتها ورسختها في معتقداتها وذاكرتها التاريخية. ومع ذلك، يلاحظ الرفاعي أن هذا التجديد الذي دعا إليه عدد من اللاهوتيين لم ينجح حتى الآن في فرض نفسه أو التحول إلى معرفة متداولة على نطاق واسع في التعليم الديني، لأن “المفكرين الجدد” ما يزال يُنظر إليهم بوصفهم أصحاب بدع أو نزعات هدامة. وحتى المؤسسات الإسلامية التي تعلن حاجتها إلى التجديد، مثل الأزهر الشريف، بقي خطابها، بحسب رأيه، خطابًا بلاغيًا في معظمه، لأن علم الكلام الذي يُدرّس فعليًا ما يزال هو علم الكلام الأشعري التقليدي. كما أن كثيرًا من الداعين إلى تجديد أصول الدين لم ينجحوا في فتح الطريق نحو تفسير متجدد للوحي، مع أن هذا التفسير يمثل الشرط الضروري لكل تجديد حقيقي. ولذلك يرى الرفاعي ضرورة إنجاز جينالوجيا نقدية لمحاولات الإصلاح المختلفة، وتحليل أسباب إخفاقها، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تساعد على ولادة التجديد اللاهوتي المنشود وانتشاره. وفي هذا الأفق يؤكد الرفاعي ضرورة إحداث قطيعة إبستمولوجية داخل اللاهوت الإسلامي، من أجل بناء “فهم جديد…”.

في هذا الأفق يؤكد عبد الجبار الرفاعي ضرورة إحداث قطيعة إبستمولوجية داخل اللاهوت الإسلامي، من أجل بناء “فهم جديد للدين، وتحديد وظيفته المركزية في الحياة، وإعادة بناء مناهج تفسير القرآن والنصوص الدينية، وتشييد العلوم والمعارف الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية والمعارف الحديثة”. ويرى أن هذا التحول الجذري وحده القادر على إتاحة فهم مختلف تمامًا للحقائق اللاهوتية. فلم يعد المقصود الدفاع عن الإسلام أو دحض ما هو غير إسلامي انطلاقًا من مسلمات ثابتة، وإنما تعريف المعتقدات الدينية ووصفها وتحليلها في ضوء الفلسفة والعلوم والمعارف المعاصرة. وهذا يقتضي، بحسب الرفاعي، ممارسة جدلية نقدية حتى تجاه السلطات النصية نفسها، أي الانخراط فيما سماه غاستون باشلار “فلسفة الرفض”، حيث يتقدم العقل العلمي لا بالتأكيد وحده، وإنما أيضًا برفض المعارف السابقة وتصحيحها. ويستدعي هذا التجديد إعادة تعريف الدين ضمن أفق يلتقي مع المقاربات الوجودية والفينومينولوجية التي تهتم بالإنسان في ذاتيته وقلقه الوجودي وسعيه إلى المعنى وفق حاجاته العميقة. ومن منظور تداولي وسياقي، ينبغي إعادة تعريف الدين لكي يستجيب للحاجات الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان المعاصر. كما يدعو الرفاعي إلى هرمينوطيقا نقدية حية للتراث الديني، ترتكز على فلسفة دينامية عقلانية حوارية، ترفض الجمود العقائدي وتدعو إلى تجدد دائم يقوم على التحليل والسياق والعقل النقدي. ويمنح الرفاعي العقل مكانة مركزية، إذ يعدّه المعيار الأساسي للحكم على الحقيقة، ويرى أنه يتقدم على النقل، لأنه يضيء الحقائق الدينية بصورة تدريجية ومتطورة تبعًا لما يتيحه تطور المعرفة الإنسانية. ومن هنا يقترح لاهوتًا نقديًا للتاريخية، يقوم على فهم تطوري للحقيقة الدينية. الرفاعي لا ينطلق من النصوص للدفاع عنها مسبقًا، وإنما يضعها في مواجهة العقل والتجربة الإنسانية. كما أن العقل نفسه ليس ثابتًا، بل يتطور تاريخيًا مع تطور العلوم ومعرفة الإنسان بذاته وبالعالم. ولذلك تبقى الحقيقة الدينية، بحسب هذا التصور، حقيقة جزئية تتكشف تدريجيًا، ولا يمكن أن توجد صيغ نهائية أو ثابتة للعقائد. العقائد ليست مطلقات مغلقة، وإنما صيغ مؤقتة ترتبط بمستوى العقلانية والسياق التاريخي الذي وُلدت فيه. لهذا يرفض “علم الكلام الجديد” بصورة قاطعة فكرة اكتمال التفسيرات الكلاسيكية ونهائيتها، ويدعو بدلًا من ذلك إلى هرمينوطيقا مفتوحة تأخذ بعين الاعتبار نضج الوعي الإنساني وتطوره المستمر.

يدعو عبد الجبار الرفاعي إلى إعادة التفكير في الوحي القرآني من خلال الجمع بين بُعديه الإلهي والإنساني، والتخلي عن النظر إلى النبي بوصفه مجرد قناة سلبية لتلقي الوحي. كما يدعو إلى استبدال العلاقة القائمة على الخوف من الله بصورة العلاقة القائمة على المحبة، مع التأكيد على أن الله هو الذي يبادر إلى الحب، وأن الإنسان يمتلك الحرية في الاستجابة لهذا الحب. ومن هنا يطرح الرفاعي إعادة تشكيل وجدانية وتفاعلية للعلاقة بالله، تستلهم التصوف الإسلامي، وترتكز على أن الإنسان قادر على أن يحب ويُحب من الله، وعلى أن المبادرة الإلهية بالمحبة تشكل أساس هذه العلاقة، كما تشير إلى ذلك الآية الرابعة والخمسون من سورة المائدة. وينبثق من هذا التصور ما يسميه الرفاعي “ثورة أنثروبولوجية”، تقوم على الاعتراف بكرامة كل إنسان، وهو ما يعبّر عنه بمفهوم “الإنسان القرآني”. فالإنسان القرآني، بحسبه، هو صورة أنثروبولوجية تنطلق من الرؤية القرآنية للإنسان بوصفه كائنًا كريمًا، حرًا، مسؤولًا، ومنفتحًا على التعالي، بصرف النظر عن انتمائه الديني أو الثقافي أو الإيديولوجي. ولذلك لا يختزل الرفاعي “الإنسان القرآني” في صورة “المسلم التقي” بالمعنى الضيق، وإنما يراه كل إنسان يحمل، في ضوء القرآن، كرامة أنطولوجية، واستعدادًا روحيًا، وقابلية للحوار. إنه نموذج إنساني كوني، منفتح ومتعدد، يقوم على مركزية الوعي الوجودي. وهذه الكرامة لا تتأسس على الانتماء المذهبي أو الطاعة لأحكام فقهية بعينها، وإنما على الاعتراف بالإنسان حاملًا لجوهر مشترك لا يُنتهك، يتجاوز كل الانتماءات الطارئة. ومن هنا يمثل هذا التصور قطيعة أنثروبولوجية مع علم الكلام التقليدي، الذي صاغ علاقة الإنسان بالله من زاوية الاستعباد، على حساب الكرامة والحرية والاستخلاف في الأرض. ومع أن القرآن يصف الإنسان مرارًا بأنه ضعيف وجحود ومغرور، فإن الرفاعي يقرأ في هذه الآيات إمكانًا معاكسًا، إذ يرى أن الإنسان، رغم ضعفه وهشاشته، يمتلك القدرة على العظمة والتحول. وهذه العظمة تتجلى في “الاستخلاف”، الذي يعني “مركزية الإنسان في الأرض”، ويمثل “أعلى مراتب التكريم الإلهي للإنسان”. وهكذا يقطع “علم الكلام الجديد” مع صورة الإله المتسلط الذي يخضع الإنسان لأوامر قهرية، ويدعو بدلًا من ذلك إلى بناء صلة تتأسس على الحب المتبادل.

ويدعو عبد الجبار الرفاعي إلى بناء “أنطولوجيا إنسانية كونية”، تؤسس للاهوت يقوم على المحبة المتبادلة، ويعيد تعريف النبوة بوصفها مصدرًا لا ينضب لإغناء الإنسان، وقادرًا على الاستجابة الدائمة لتطلعاته المتجددة. ويقتضي هذا التصور التمييز بين الأحكام الظرفية المرتبطة بسياقات التنزيل، وبين القيم الأخلاقية الكونية ذات الطابع الإنساني العام. كما أن تجديد علم الكلام، بحسب الرفاعي، يستلزم منهجًا يدمج البعد النقدي والتعددي للعلوم الإنسانية الحديثة، مع الانتباه إلى التجربة المعيشة وتعقيد السياقات المعاصرة، ولذلك تتخذ هذه المقاربة موقفًا مضادًا للحرفية. ويدعو الرفاعي أيضًا إلى ترشيد استعمال المخيال الديني وضبطه، ضمن فلسفة تأويلية تكشف آليات إنتاج المعنى وتفكك مسلّماته، من أجل الحيلولة دون تحوله إلى أداة اغتراب أو هيمنة. كما يشجع على اعتماد مقاربة مقارنة بين الأديان، وعلى دراسة كيفية تشكّل مؤسساتها الدينية وتطورها التاريخي. وعلى الرغم من أن اللاهوت المقارن لا يحتل موقعًا مركزيًا في كتاباته، فإن تحديد معالمه وتعليمه يمثلان أحد المحاور المهمة في “علم الكلام الجديد”. فلم يعد المقصود دراسة المذاهب أو الأديان الأخرى من أجل الرد عليها أو التحصن ضدها أو تفنيدها، وإنما دراستها لاكتشاف قيمها الإنسانية المشتركة، وتأسيس حوار بنّاء يحترم الآخر. ومن هنا يتضح أن “علم الكلام الجديد” يجعل الحوار بين الأديان محورًا تأسيسيًا في مشروع التجديد اللاهوتي الإسلامي. غير أن الكاتب يطرح في النهاية سؤالًا حاسمًا: كيف يدرس هذا اللاهوت الجديد الآخر فعليًا؟ وكيف ينظر إلى تاريخ الأديان الأخرى وأشكال تدينها المختلفة؟ وكيف يوفق بينها وبين الإسلام ورسالته الكونية؟

ثالثًا: مكانة الآخر والأديان الأخرى في “علم الكلام الجديد”، أساس لاهوت الحوار بين الأديان

يؤكد عبد الجبار الرفاعي أن دراسة الأديان تقتضي أولًا القيام بمراجعة نقدية داخلية تكشف ما في الدين ذاته من عناصر قد تُنتج خطاب كراهية تجاه الآخر، أو سبق أن أفضت تاريخيًا إلى ذلك. ويرى أن هذا الوعي ضروري لحماية الأجيال الجديدة من “سحر الأدبيات التعبوية” التي مجّدت الماضي بصورة رومانسية جذابة، وما تزال تحتفظ بتأثير واسع إلى اليوم. كما يدعو الرفاعي إلى ممارسة نقد ذاتي متواضع، لأن الحوار بين الأديان يقتضي الاعتراف بأن الدين، في تجلياته التاريخية، لم يكن دائمًا وفيًا لوعوده الإنسانية أو لقيمه الأخلاقية العليا.

وعلى المستوى اللاهوتي، يسلّط عبد الجبار الرفاعي الضوء على المشكلة الأساسية في علم الكلام، والمتمثلة في أن تصوره لله يتأسس على جدلية السيد والعبد، وهي بنية موروثة من العصور القديمة والعالم البيزنطي، انتقلت إلى الفكر الكلامي الإسلامي من دون مراجعة نقدية. فهذه العلاقة الهرمية، التي يُنظر فيها إلى الله بوصفه سيدًا مطلقًا، وإلى الإنسان بوصفه عبدًا ملزمًا بالخضوع الكامل، أثّرت بعمق في بناء العقائد الكلامية الإسلامية. كما أنها، بحسب الرفاعي، شكّلت المخيال الديني للمسلمين في علاقتهم بالعالم وبالآخر. وبدل أن تفتح أفقًا لحوار أو لتفكير في المسؤولية الإنسانية، حصرت العلاقة بالله في بنية تقوم على السيطرة والطاعة، حيث لا يتحدد الإنسان إلا عبر محو ذاته أمام إرادة إلهية تُتصوَّر وكأنها إرادة اعتباطية لا تخضع للمساءلة. وينتج عن ذلك، بحسب الرفاعي، نوع من “الاغتراب الوجودي” لدى المؤمن تجاه العالم، إذ لا يعود قادرًا على التفكير الحر، ولا على بناء علاقة تقوم على التبادلية أو المسؤولية، بل يبقى سجين منطق الخضوع الكلي، البعيد عن متطلبات العالم الحديث. ويرى الكاتب أن علم الكلام الأشعري، حين بالغ في تأكيد القدرة المطلقة لله على حساب العدالة، بحيث يبقى الله حرًا في مكافأة من يشاء، أسهم في شرعنة نوع من الاستبداد العمودي الذي يتسرّب إلى الحياة اليومية ويتجلى فيها.

ومن البديهي أن مثل هذا اللاهوت يترك أثرًا حاسمًا في المجال السياسي للمجتمعات الإسلامية، إذ يميل، بفعل انعكاسه على الواقع، إلى تبرير أنماط الاستبداد وترسيخها. وينتج عن ذلك، بحسب عبد الجبار الرفاعي، تربية على الخوف تؤسس لثقافة “العبودية الطوعية”، وتبني المجتمع بصورة هرمية وفق العلاقة بالعقيدة والإيمان. ففي إطار هذا اللاهوت يُصنَّف أفراد المجتمع تصنيفًا عموديًا بحسب مراتبهم العقدية؛ فالمؤمنون بالعقيدة الرسمية يحتلون قمة السلم، أما الآخرون فيوضعون في مراتب أدنى، من غير أن يُسمح لهم ببلوغ المكانة العليا. ونتيجة لذلك، لا تتحدد حقوق الإنسان وحرياته ومسؤولياته على أساس المواطنة أو الانتماء الوطني، وإنما على أساس درجة ولائه العقدي وإيمانه. ويرى الرفاعي أن هذه الرؤية التي أنتجها علم الكلام وأسهم في ترسيخها تتناقض مع أي إمكان للتعايش السلمي والمتكافئ بين الجماعات، وتجعل الحوار بين الأديان عاجزًا عن أن يكون حوارًا مثمرًا يواجه التمييز ويؤسس لـ”مواطنة كونية”، مهما ارتفعت اليوم الأصوات الإسلامية الرسمية الداعية إلى ذلك. ومن جهة أخرى، يتجلى هذا الاغتراب في صورة أنثروبولوجية فقيرة للإنسان. فقد أسهم علم الكلام، بحسب الرفاعي، في تشكيل منطق يقوم على “ترويض” الإنسان و”تنميط” سلوكه ومعتقداته وحتى تعبيراته العاطفية. ومن خلال إنكار فرادة كل إنسان وخصوصيته، قوّض هذا التفكير الأسس اللاهوتية للكرامة الإنسانية، وهي الأسس الضرورية للاعتراف بالآخر. وفي ظل هذا الأفق يُنظر إلى المختلف، سواء كان من أتباع دين آخر، أو مفكرًا نقديًا، أو صاحب تجربة روحية مغايرة، على أنه تهديد للوحدة العقدية، ومن ثم يجري إقصاؤه. وهكذا ترسخت ثقافة لاهوتية قائمة على الإقصاء، تتجلى في ممارسة التكفير، التي جرى تبريرها باسم حقيقة واحدة مغلقة على نفسها. ولذلك يرى الرفاعي أن الإطار التقليدي لعلم الكلام، وما يتفرع عنه من فقه، يجعل من المستحيل بناء لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان، أو تأسيس مواطنة جامعة غير تمييزية. فعلم الكلام، بكل امتداداته، ظل يسعى إلى حماية الإسلام من كل أشكال التجديد، وإثبات حقيقته في مواجهة المدارس الأخرى التي يعدّها منحرفة، أو الأديان الأخرى التي يعتبر عقائدها ضلالًا. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”.

ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية” في مواجهة سائر الفرق المحكوم عليها بالنار، لا يستطيع علم الكلام، بحسب عبد الجبار الرفاعي، إلا أن يُفشل كل محاولة صادقة للحوار والتعايش. ولذلك يخلص الرفاعي إلى نتيجة حاسمة مفادها أن التكفير في علم الكلام والفقه يمنع المسلم من المشاركة العضوية والخلاقة في حياة المجتمعات المتعددة دينيًا وثقافيًا، كما يمنع نشوء المواطنة بوصفها أساس الدولة الحديثة، ومن ثم يصبح بناء دولة حديثة أمرًا مستحيلًا في البلدان التي تتخذ من علم الكلام والفقه مرجعًا للدساتير والقوانين والبرامج العامة. ويؤكد الرفاعي أن هذا المنطق قاد إلى تبرير العنف من أجل تشكيل مجتمع يتكون من “نسخ متطابقة”، تتشارك الصفات ذاتها والأفكار المتماثلة والمشاعر المتشابهة. وهكذا لم يقتصر هذا النظام على تهميش الاختلاف، وإنما اختزل الإيمان في مطابقة صارمة، الأمر الذي جعل أي حوار، سواء داخل الإسلام أو بين الأديان، شبه مستحيل. ويرى أن هذا المنطق نفسه يتجلى اليوم في المبدأ السلفي المعروف بـ”الولاء والبراء”، الذي يقصي كل من لا يشارك الجماعة عقيدتها، والذي استند إليه تنظيم داعش في تبرير العنف واستخدام السيف. كما يظهر هذا المبدأ في تقييد الإحسان إلى الآخر، إذ يُنظر، ضمن هذا التصور، إلى أن فعل الخير مع من يُعتقد أنه من أهل الهلاك أمر غير ملائم. ويشرح الرفاعي كيف أن الأدبيات المنبثقة من علم الكلام والفقه تبرر الاستيلاء على أموال غير المسلم، أو تجعل كل طعام محرّمًا على غير المؤمن. ويرى الرفاعي أن هذا التوجه يمثل خيانة لرسالة الدين والإيمان، التي يفترض أن تدفع المؤمنين إلى إنجاز أفعال نافعة للإنسانية جمعاء. فبدل أن ينتج علم الكلام مفاهيم ومبادئ تؤسس لإنسانية حقيقية، أفرز، على العكس، منظومات فكرية تغذي باستمرار آليات التمييز والإقصاء. وفي مواجهة ذلك، حاول عدد من المفكرين، منذ قرون، إحياء علم الكلام وإصلاحه في ضوء الفلسفة الحديثة، غير أن هذه المحاولات بقيت هامشية، وواجهت اعتراضات حادة من حراس علم الكلام التقليدي. ويشير الرفاعي إلى أن رفض الفلسفة الحديثة يحمل مفارقة واضحة، لأن علم الكلام نفسه تكوّن تاريخيًا من خلال استيعاب التراث الفلسفي اليوناني، وخاصة فلسفة أرسطو، وتشكّل عبر التفاعل بين الإسلام في القرون الأولى والفلسفة القديمة، وكذلك المسيحية واليهودية.

وعلى الرغم من الإرث الأولي للفلسفة اليونانية، فإنّ كثيرًا من اللاهوتيين المسلمين اليوم يرفضون أيّ حوار مع الفلسفة الحديثة والمعاصرة، وبهذا الموقف يعجزون عن إدماج مسألة إعادة تشكيل العقل العملي وما يترتب عليها من دلالات في تأملاتهم الفكرية. والحجة التي يسوقونها لتبرير هذا الرفض لا تخلو من مفارقة؛ إذ يرون في الانفتاح على الفلسفات المنبثقة من ثقافة غير إسلامية خطر “تغريب” علم الكلام، بما قد يفضي إلى تشويه طابعه الإسلامي. ويرافق هذا الانغلاق على الفلسفة، بحسب المؤلف، نوعٌ من المماثلة بين علم الكلام والدين نفسه. وضمن هذا التصور، تُعدّ كل محاولة للانفتاح، أو للتجاوز، أو لنقد المدرسة الكلامية الأشعرية، التي تهيمن اليوم على العالم السني إلى حدّ بعيد، ضربًا من التشكيك في الدين برمّته، لذلك تُفسَّر كل معارضة بوصفها تعبيرًا عن نزعة إنكارية لدى “منكر للضروري”، أو عن بدعة تصدر عن “مبتدع”. وهكذا أصبح علم الكلام، الذي يُنظر إليه بوصفه “العلم الأعلى رتبة”، والذي تتوقف عليه حركة تطور سائر العلوم، بنيةً جامدةً منغلقةً على ذاتها، وغالبًا ما يحظى بدعم السلطات السياسية التي يستند إليها في إضفاء الشرعية على سلطانها. وانطلاقًا من ذلك، يرى الرفاعي أنّ كل الخطابات الصادرة عن علماء مسلمين يدعون إلى الحوار بين الأديان ليست سوى جلسات مجاملة ولطف لا تترك أثرًا حقيقيًا. فهذه الدعوات السخية تبقى خارج البنية اللاهوتية الكلاسيكية، ولا تتيح لعلم الكلام أن يعيد التفكير في نفسه على ضوء ضرورة الحوار الديني والاعتراف بالآخر. إنّ هذا العجز عن تجاوز الإطار الأرسطي الذي تشكّل داخله علم الكلام لدى المتكلمين الأوائل يحرم اللاهوت الإسلامي من المفاهيم الأساسية اللازمة للإجابة عن الأسئلة الجديدة التي أثارها ظهور الذات الحديثة والحداثة نفسها. كما أنّ جمود علم الكلام يمنع اللاهوت الإسلامي من استيعاب قضايا مركزية، مثل قضية الكرامة الإنسانية، وهي فكرة تقع في قلب تشكّل الذات الحديثة، وتشكل أساس حقوق الإنسان، مع أنّ الرفاعي يرى إمكان تأسيسها لاهوتيًا في القرآن الكريم. ولهذا السبب يدعو الرفاعي إلى “علم كلام جديد”، غير أنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما مفاهيم هذا العلم الجديد؟ وما طبيعته، ومنظومته القيمية، ومنهجه؟

رابعًا: علم الكلام الجديد: مرافعة من أجل قطيعة إبستمولوجية

تُعدّ فكرة التجديد “التجديد” عند عبد الجبار الرفاعي فكرةً جوهرية في مشروعه الفكري، فهو لا يقصد بها الإصلاح “الإصلاح”، ولا الإحياء “الإحياء”، وإنما يحيل بها إلى ضرورة تفكيك الرؤى اللاهوتية القديمة والقطيعة مع أنماط التفكير الكلامي الموروث. ومن خلال التفكير خارج الأسوار التقليدية، يسعى الرفاعي إلى “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، أي إلى إعادة النظر في اليقينيات والعقائد الجامدة والمطلقات، والتحرر من تكرار المقولات المستعادة، ومن الشروح على الشروح، والحواشي على الحواشي، والتعليقات التي لا تنتج معرفة جديدة. فالتجديد عنده لا يكتفي بإعادة صياغة الخطاب الديني، وإنما يطمح إلى إعادة بناء أفق التفكير الديني نفسه، والانفتاح على أسئلة الإنسان المعاصر وقلقه الوجودي وحاجته إلى المعنى.

ويرى الرفاعي أن أول متكلم استعمل تعبير “علم الكلام الجديد” هو شبلي النعماني (1878-1914)، غير أنّ المعنى الذي قصده النعماني يختلف عمّا يقصده الرفاعي اليوم. فقد أراد النعماني معالجة قضايا حديثة ترتبط بالتحولات الاجتماعية والسياسية للعصر الحديث، من دون أن يقترح إطارًا إبستمولوجيًا جديدًا للتفكير الديني، لذلك انشغل علم الكلام الجديد عنده بموضوعات مثل الانتحار، والعبودية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والميراث، والجهاد، بهدف الدفاع عن التعليم الإسلامي التقليدي وحمايته من النقد الحديث. ولهذا بقي مشروعه في حدود الشريعة والأحكام، ولم يمتد إلى مساءلة البنية العميقة للعقائد أو نقد التصورات التقليدية عن الله والوحي والإنسان والعالم. أما الرفاعي، فيرى أن التحدي الحقيقي يبدأ من هنا تحديدًا: من إعادة التفكير في أنماط الفهم الموروثة، وتحرير الدين من الانغلاق الكلامي والفقهي الذي عطّل أبعاده الروحية والأخلاقية والجمالية. ولا يشير “علم الكلام الجديد” عند الرفاعي إلى مدرسة مغلقة أو مذهب محدد، وإنما يندرج ضمن تيار فكري واسع تشكل في العالم الإسلامي الحديث، ويمتد في أثر مفكرين مثل السيد أحمد خان (1817-1898)، وقاسم النانوتوي (1833-1880). ويمكن إدراج أسماء عدد من المفكرين ضمن هذا الأفق، مثل محمد إقبال (1877-1938)، الذي حاول إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام على ضوء الفلسفة الحديثة، أو أمين الخولي (1895-1966)، الذي أكد أن “تطور العقائد واجب”، في إشارة إلى أن العقائد ليست معطيات جامدة خارج التاريخ، وإنما تتطور تبعًا لتحولات وعي الإنسان وخبرته بالعالم. كما يلتقي هذا التيار مع مشاريع متعددة في الفكر العربي والإسلامي الحديث؛ فالفيلسوف المصري حسن حنفي (1935-2021) دعا إلى ثورة إبستمولوجية تنطلق من الإنسان نحو “لاهوت للتحرر”، بينما رأى الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري (1935-2010) ضرورة توظيف مفاهيم الفلسفة المعاصرة ونقد البنية المعرفية للعقل العربي. أما محمد أركون (1928-2010)، فقد شدد على ضرورة تجديد مناهج دراسة الفكر الديني، والانفتاح على علوم الإنسان الحديثة، وتفكيك السياجات المغلقة التي فرضها التراث الكلامي والفقهي على فهم الدين.

وفي هذا الأفق يتحرك مشروع الرفاعي، ساعيًا إلى تأسيس فهم للدين ينحاز إلى كرامة الإنسان، ويعيد الاعتبار للتجربة الروحية، ويحرر الإيمان من القوالب الجامدة التي أفقدته قدرته على إرواء “الظمأ الأنطولوجي” للإنسان المعاصر.

كما يرى بعض المفكرين، وفي مقدمتهم محمد أركون، ضرورة تجديد المنهج نفسه، عبر توظيف المقاربة التاريخية النقدية لفهم ظروف نشوء المفاهيم والمقولات الفكرية الموروثة وإنتاجها في سياقاتها التاريخية والثقافية. لذلك فإن فكرة تجديد علم الكلام ليست جديدة تمامًا، فقد ظهرت أيضًا منذ ثمانينيات القرن العشرين في العالم الشيعي مع مفكرين مثل محمد مجتهد شبستري، ومحسن كديور، ومصطفى ملكيان. وقد جاءت هذه المشاريع لتفنّد الادعاء القائل بثبات الحقيقة الكلامية التقليدية وكونها حقيقة نهائية لا تقبل المراجعة، ذلك أن أطروحات المتكلمين لا تمثل، بحسب عبد الجبار الرفاعي، سوى “أجوبة ظرفية عبّرت عن عصرهم وبيئتهم وثقافتهم وتجاربهم الشخصية والشروط المختلفة التي عاشوا فيها”. صحيح أن الأسئلة الميتافيزيقية ذات طبيعة أزلية، غير أن الإجابة عنها تبقى مرتبطة برؤية للعالم يسميها الرفاعي “اللاوعي المعرفي”، أي ذلك المخزون الثقافي والتاريخي الكامن الذي يوجّه التفكير ويصوغ أنماط الفهم من غير وعي مباشر به. لذلك يرى الرفاعي ضرورة الانتباه إلى المنعطف الهرمنيوطيقي، الذي يمثل في نظره تحريرًا، لا من الدين نفسه، وإنما من البنى الدينية التقليدية التي تغذي المخيال الجمعي، وتُبقي الجماعة أسيرة الصور المثالية التي صنعتها عن ذاتها ورسختها في معتقداتها وذاكرتها التاريخية، حتى تغدو عاجزة عن رؤية الواقع خارج تلك الصور المتخيلة.

ومع ذلك، يلاحظ الرفاعي أن هذا التجديد، على الرغم من الدعوات الكثيرة إليه، لم ينجح حتى اليوم في أن يفرض حضوره الواسع في المؤسسات التعليمية والدينية. فهؤلاء “المفكرون الجدد” ما يزال يُنظر إليهم بريبة، وكأنهم أصحاب نزعات متمردة أو هدامة. وحتى المؤسسات الإسلامية الكبرى، مثل جامعة الأزهر، التي تعلن الحاجة إلى التجديد، بقي خطابها ـ بحسب الرفاعي ـ محصورًا في مستوى بلاغي وشعاراتي، بينما ظل التعليم الفعلي قائمًا على تدريس علم الكلام الأشعري التقليدي كما هو. كذلك فإن كثيرًا من المفكرين الذين دعوا إلى تجديد أصول الدين لم يتمكنوا من فتح الطريق نحو تفسير جديد للوحي، مع أن تجديد فهم الوحي يمثل الشرط الحاسم لأي تجديد حقيقي في التفكير الديني.

ومن هنا يؤكد الرفاعي ضرورة إنجاز جينيالوجيا نقدية لمحاولات الإصلاح السابقة، وتحليل أسباب تعثرها، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تمهد لولادة تجديد لاهوتي أكثر عمقًا وتأثيرًا. وفي هذا السياق، يرى الرفاعي أن على اللاهوت الإسلامي أن يُحدث قطيعة إبستمولوجية مع أنماط التفكير الموروثة، من أجل بناء “فهم جديد للدين”، فهمٍ ينفتح على تحولات المعرفة الحديثة، ويعيد قراءة الوحي والعقيدة والإنسان والعالم في ضوء خبرة الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية الجديدة.

يرى عبد الجبار الرفاعي أن هذا التحول يقتضي بناء “فهم جديد للدين، وتحديد وظيفته المركزية في الحياة، وإعادة بناء مناهج تفسير القرآن والنصوص الدينية، وإعادة تشييد العلوم والمعارف الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية والمعارف الحديثة”. فهذا التحول الجذري وحده يتيح فهم الحقائق اللاهوتية بطريقة مغايرة جذريًا. ولم يعد المقصود الدفاع عن الإسلام أو دحض ما يُعدّ غير إسلامي انطلاقًا من مسلمات ثابتة، وإنما تعريف المعتقدات ووصفها وتحليلها في ضوء الفلسفة والعلوم والمعارف المعاصرة. لذلك يدعو الرفاعي إلى إقامة علاقة جدلية نقدية مع السلطات النصية والتراثية، والانخراط فيما يشبه “فلسفة الرفض” التي صاغها غاستون باشلار، حيث تتقدم المعرفة العلمية لا عبر الإثبات وحده، وإنما أيضًا عبر نقد المعارف السابقة وتصحيحها وتجاوزها. ويتحقق هذا التجديد، بحسب الرفاعي، من خلال إعادة تعريف الدين في أفق يلتقي مع المقاربات الوجودية والفينومينولوجية التي تنشغل بالشرط الإنساني، وبالذات في قلقها وسعيها إلى المعنى تبعًا لحاجاتها الوجودية. ومن منظور سياقي وعملي، ينبغي إعادة تعريف الدين كي يستجيب للحاجات الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان المعاصر. لذلك يقترح الرفاعي هرمنيوطيقا نقدية وحية للتراث الديني، تستند إلى فلسفة ديناميكية عقلانية حوارية، ترفض الجمود العقائدي، وتؤسس لتجدد دائم يقوم على التحليل والتأويل والسياق والعقل النقدي. فالعقل “العقل” عنده هو معيار الحكم على الحقيقة، وهو متقدم على النقل “النقل”. والعقل لا يكتشف الحقائق الدينية دفعة واحدة، وإنما ينيرها تدريجيًا تبعًا لتطور المعارف التي يكتسبها الإنسان. لذلك يؤسس الرفاعي لاهوتًا نقديًا للتاريخية، يرتكز على فهم تطوري للحقيقة الدينية. ومن خلال تقديمه العقل على النقل، لا ينطلق من النصوص للدفاع عنها مسبقًا، وإنما يعرضها على العقل والخبرة الإنسانية. والعقل نفسه ليس معطًى ثابتًا، بل يتطور تاريخيًا مع تطور العلوم وعلم النفس ومعرفة الإنسان لنفسه وللعالم. ولهذا تبقى الحقيقة الدينية دائمًا جزئية ومنفتحة على التحقق التدريجي، ولا يمكن أن توجد صيغ نهائية أو مطلقة لا تقبل المراجعة. فالعقائد لم تعد تُفهم بوصفها حقائق أبدية مكتملة، وإنما بوصفها صيغًا مؤقتة ترتبط بمستوى العقلانية والسياق التاريخي الذي تشكلت فيه. لذلك يرفض “علم الكلام الجديد” عند الرفاعي بصورة قاطعة فكرة اكتمال التفسيرات التقليدية ونهائيتها، ويدعو إلى هرمنيوطيقا مفتوحة تراعي النضج المتزايد للوعي الإنساني. وفي هذا الأفق يضع الرفاعي ثلاثة مبادئ أساسية لإعادة بناء التفكير الديني المعاصر.

ويضع عبد الجبار الرفاعي ثلاثة مبادئ أساسية لإعادة بناء التفكير الديني المعاصر: إعادة التفكير في الوحي القرآني من خلال الجمع بين بعديه الإلهي والإنساني، والكف عن النظر إلى النبي بوصفه مجرد قناة سلبية لتلقي الوحي؛ واستبدال العلاقة القائمة على الخوف من الله بعلاقة تقوم على المحبة؛ وإبراز أن الله هو الذي يبتدئ المحبة، وأن الإنسان يمتلك القدرة على الاستجابة لها بحرية. ومن هنا يدعو الرفاعي إلى إعادة تشكيل العلاقة بالله على أساس وجداني تفاعلي، يستلهم التصوف الإسلامي، ويرتكز على أن الإنسان كائن قادر على أن يُحب ويُحبَّه الله، وأن المبادرة الإلهية بالمحبة تسبق استجابة الإنسان، كما تشير إلى ذلك الآية الرابعة والخمسون من سورة المائدة. ويترتب على ذلك ما يسميه الرفاعي “ثورة أنثروبولوجية” تقوم على الاعتراف بكرامة كل إنسان، وهو ما يعبّر عنه بمفهوم “الإنسان القرآني”. فالإنسان القرآني عنده هو صورة أنثروبولوجية تستند إلى الرؤية القرآنية للإنسان بوصفه كائنًا كريمًا، حرًا، مسؤولًا، ومنفتحًا على التعالي، خارج كل انتماء أيديولوجي أو ديني أو ثقافي ضيق. لذلك لا يقصد الرفاعي بالإنسان القرآني “المسلم التقي” بالمعنى الفقهي المغلق، وإنما كل إنسان يُنظر إليه في ضوء القرآن بوصفه حاملًا لكرامة أنطولوجية، وطاقة روحية، وقابلية للحوار. إنه مثال إنساني كوني، مفتوح ومتعدد، يتمحور حول مركزية الوعي الوجودي. وهذه الكرامة لا تستند إلى الانتماء الطائفي أو الامتثال لأحكام قانونية محددة، وإنما إلى الاعتراف بالإنسان بوصفه حاملًا لجوهر إنساني مشترك، لا يجوز انتهاكه، ويتجاوز كل الانتماءات العارضة. وتمثل هذه الرؤية قطيعة أنثروبولوجية مع علم الكلام التقليدي الذي صاغ علاقة الإنسان بالله من زاوية الاستعباد والخضوع، على حساب كرامته وحريته ووظيفته الاستخلافية في الأرض.

صحيح أن القرآن يصف الإنسان مرارًا بوصفه كائنًا ضعيفًا وجحودًا ومغرورًا، غير أن الرفاعي يقرأ في هذه الآيات، بخلاف القراءة الكلامية التقليدية، تأكيدًا على إمكان مضاد يسكن الإنسان نفسه؛ فالإنسان، على الرغم من ضعفه وهشاشته، يمتلك قدرة على العظمة والتحول. وهذه العظمة تتمثل في الاستخلاف، الذي يعني “مركزية الإنسان في الأرض”، والذي يعدّه الرفاعي “أعلى مراتب التكريم الإلهي للإنسان”. ومن هنا يقطع “علم الكلام الجديد” مع صورة الإله المتسلط الذي يفرض على الإنسان أوامر قهرية، ويقترح بدلًا منها فهمًا لعلاقة الله بالإنسان يقوم على الرحمة والمحبة والحرية والكرامة الإنسانية.

ومن هنا يعمل عبد الجبار الرفاعي على بناء ما يسميه “كينونة وجودية كونية”، تؤسس للاهوت يقوم على المحبة المتبادلة، ويعيد تعريف النبوة بوصفها مصدرًا لا ينضب لإغناء الإنسان، وقادرًا على الاستجابة لتطلعاته المتجددة باستمرار. وتقتضي هذه الرؤية التمييز بين الأحكام الظرفية المرتبطة بسياقات التنزيل التاريخية، وبين القيم الأخلاقية الكونية التي تتجاوز تلك الظروف وتحتفظ بطابعها الإنساني الشامل. كما أن تجديد علم الكلام، بحسب الرفاعي، يفرض اعتماد منهج يدمج البعد النقدي والتداخلي للعلوم الإنسانية الحديثة، مع الإصغاء إلى الخبرة الحية وتعقيد السياقات المعاصرة. لذلك تتخذ مقاربته موقفًا مناهضًا للحرفية، وتسعى إلى تحرير النصوص الدينية من القراءة الجامدة التي تفصلها عن شروطها التاريخية والإنسانية. ويدعو الرفاعي أيضًا إلى ترشيد المخيال الديني وضبط استعمالاته، ضمن فلسفة تأويلية تكشف آليات إنتاج المعنى، وتفكك المسلمات الخفية التي تتحكم في الفهم الديني، من أجل الحيلولة دون توظيف الدين بطريقة اغترابية أو استلابية. كما يؤكد أهمية المقاربة المقارنة بين الأديان، ومعرفة الكيفية التي تشكلت بها مؤسساتها الدينية وتاريخها التأويلي. وعلى الرغم من أن اللاهوت المقارن لا يحتل مركز الصدارة في كتاباته، فإنه يمثل أحد المحاور المهمة في “علم الكلام الجديد”، إذ لم يعد المقصود دراسة المذاهب أو الأديان الأخرى بهدف الرد عليها أو التحصن منها أو دحضها، وإنما دراستها لاكتشاف ما تنطوي عليه من قيم إنسانية كونية، وتأسيس حوار يقوم على الاحترام المتبادل والاعتراف بالآخر. ومن هنا يغدو الحوار بين الأديان محورًا تأسيسيًا في مشروع التجديد اللاهوتي الإسلامي عند الرفاعي، لأنه ينظر إلى الآخر لا بوصفه تهديدًا للعقيدة، وإنما بوصفه شريكًا في البحث عن المعنى والحقيقة والكرامة الإنسانية.

خامسًا: مكانة الغيرية والأديان الأخرى في علم الكلام الجديد: أسس لاهوت الحوار بين الأديان

يؤكد عبد الجبار الرفاعي ضرورة القيام، قبل دراسة الأديان، بجردٍ نقدي يكشف ما يمكن أن يتضمنه الدين الخاص بالإنسان من عناصر أسهمت، أو يمكن أن تسهم، في إنتاج خطابات كراهية تجاه الآخر. فهذه اليقظة النقدية ضرورية، في نظره، لتحصين الأجيال الجديدة من “سحر الأدبيات التعبوية التي مجّدت الماضي بصورة رومانسية فاتنة”، وما تزال تحتفظ بتأثير واسع حتى اليوم. كما يدعو الرفاعي إلى ممارسة مراجعة داخلية متواضعة للذات، لأن الحوار بين الأديان لا يتحقق إلا حين يعترف كل دين بأن تمثلاته التاريخية لم تكن دائمًا وفية لوعوده الإنسانية، ولا منسجمة على الدوام مع القيم الروحية والأخلاقية التي يحملها في جوهره.

ومن منظور بنّاء، يدعو عبد الجبار الرفاعي إلى الاعتراف بأن “لا دين يحتكر وحده المحبة، أو الحريات، أو الحقوق، أو احترام الكرامة الإنسانية، كما لا يوجد تاريخ ديني خالٍ من التعصب والعنف وانتهاك الكرامة”. غير أن هذا العمل النقدي في استعادة الذاكرة ومراجعتها، على الرغم من كونه “واجبًا أخلاقيًا”، لا يكفي وحده، بل ينبغي أن يترافق مع دراسة لاهوت الأديان الأخرى. وهذه المقاربة نادرة، غير أنها موجودة، ويشير الرفاعي في هذا السياق إلى أبحاث وليد البعاج حول اليهودية. ويرى أن دراسة الأديان الأخرى تمثل شرطًا للحوار الأصيل، لأن معرفة الآخر في عمق إيمانه، وفي طريقته في الحديث عن الله، تسهم في تفكيك الصور النمطية والأحكام المسبقة التي تنتجها التقاليد المغلقة، والتي تتحول غالبًا إلى مصدر للتعصب والإقصاء. فالالتباسات والأحكام السلبية تجاه المختلف تُفضي دائمًا إلى مواقف إقصائية ترفضه وتنفيه. ولا تتوقف الدراسة المقارنة للأديان عند مجرد إبراز التشابهات أو القيم المشتركة، وإنما تنخرط في دينامية أعمق، لأنها تدفع الإنسان إلى نوع من التوغل في عالم إيمان الآخر، وفي نصوصه ورموزه وتجربته الروحية. وهذا “الانغماس” لا يوسّع الأفق المعرفي فحسب، وإنما يدخل في حوار داخلي مع إيمان الإنسان نفسه، ويكشف قدرة الأديان على بناء الصلة الإنسانية، وإنتاج أخلاق للعلاقة، وفتح فضاء مشترك للتفاهم. لذلك يشدد الرفاعي على الوظيفة التحويلية العميقة للدراسة المقارنة، التي لا تهدف إلى إقامة تراتبية بين الأديان، وإنما إلى الكشف عن غنى كل تجربة دينية وفرادتها. فلا يتعلق الأمر بتنصيب دين ما معيارًا للحقيقة المطلقة أو للكمال الذي ينبغي أن تخضع له بقية الأديان، وإنما بالدخول في منطق التعايش. ومن هنا يرى أن “الدراسة المقارنة للأديان تسهم في ترسيخ العيش المشترك، لأنها تؤسس لقبول الاختلاف العقدي والثقافي، وتفتح أفقًا لاحترام حق الاختلاف، واحترام من لا تشبهنا معتقداتهم وثقافاتهم”. ويؤكد الرفاعي أن هذا النمط من الانفتاح المعرفي والتربوي لا يمكن أن يتشكل داخل أفق علم الكلام التقليدي، كما يتجلى في نموذج محمد جواد البلاغي (1865-1933)، الذي درس الأديان الأخرى بهدف مقارنتها بالإسلام والكشف عما يراه تحريفًا فيها. لذلك فإن تأسيس لاهوت إسلامي للحوار يقتضي، مرة أخرى، مغادرة الأطر التقليدية لعلم الكلام، والانتقال من المقارنة الدفاعية المغلقة إلى المقاربة المقارنة المنفتحة التي تبحث عن الفهم لا عن الإدانة، وعن التعارف لا عن التفوق والإقصاء.

وفي هذا الأفق، تتحول دراسة الأديان عند عبد الجبار الرفاعي إلى فعل أخلاقي، وإلى التزام بالاعتراف بالآخر في فرادته وتميزه. فهي تدعو إلى النظر إلى كل تقليد ديني لا بوصفه منظومة مغلقة على ذاتها، وإنما بوصفه منبعًا لطاقة روحية وأخلاقية قادرة على الإسهام في السلام الاجتماعي. كما أنها لا تحبس المؤمنين داخل صورة جامدة من الماضي، وإنما تكشف الطاقة الخاصة بكل إيمان: قدرته على إنتاج المعنى، وإحداث التحول الداخلي، وبناء الجماعات الإنسانية. وهذه الطاقة لا تظهر عبر اختزال الأديان في صيغة واحدة، ولا عبر إذابة الفروق بينها، وإنما عبر مجاورة تأويلية تحترم خصوصية كل تجربة دينية. ومن هنا فإن المقارنة بين الأديان لا تعني حيادًا باردًا أو مسافة معرفية جافة، وإنما تُشرك المؤوِّل في تجربة اعتراف متبادل، حيث لا يمكن فهم أي دين فهمًا حقيقيًا إلا من خلال انفتاحه على الأديان الأخرى وتفاعله معها. لذلك يؤكد الرفاعي أن الإنسان لا يعرف دينه معرفة عميقة إلا حين يضعه في أفق الأديان الأخرى. وهذه المقاربة لا تنتهي إلى نسبية تلغي الحقيقة، ولا إلى توحيد قسري للمعتقدات، وإنما تكشف الحيوية المعقدة للظاهرة الدينية، وقدرتها على حمل المعنى للإنسانية كلها. غير أن مقاربة الرفاعي للآخر والأديان لا تصدر عن موقع “فيلسوف الأديان” بالمعنى الأكاديمي المحايد، وهو يحرص على التنبيه إلى ذلك، وإنما تصدر عن موقع “المتكلم الجديد”، أي المؤمن الذي يسعى إلى تجديد صورة الله والدين بحيث تصبح صورة سلام وسكينة. فالمتكلم الجديد، بحسب الرفاعي، “يحرر صورة الله من كل استعمال يجعلها ذريعة لسفك الدماء، أو اضطهاد الناس، أو إرهابهم، أو استنزاف طاقات البناء والتنمية”. ومن أجل ترسيخ هذه الرؤية يستند الرفاعي إلى تعليم محيي الدين بن عربي، وخاصة مفهومه عن “وحي النبوة العامة”، أي إمكان انكشاف معرفة بالله وحقائق إلهية عبر التجربة الوجودية والحدس الروحي، من غير أن تكون مرتبطة بالضرورة بوحي تشريعي أو بكتاب منزل. وهذه الإحالة إلى ابن عربي ليست هامشية في فكر الرفاعي، فهو يرى فيه مصدرًا يساعد على “بناء فهم للوحي لا يضحي بمضمونه الميتافيزيقي المتعالي، وفي الوقت نفسه يتحرر من القوالب المغلقة للفهم الكلامي”. وبعد أكثر من ثلاثين عامًا من قراءة ابن عربي، يعترف الرفاعي بأنه اكتشف فيه معلمًا يفتح أفق “لغة أخرى للإسلام”، لغة تتجاوز الانغلاق العقدي، وتنفتح على التجربة الروحية والبعد الوجودي للدين. ففي رؤية ابن عربي، كما يقرأها الرفاعي، يظهر “الدور الوجودي للدين” بوصفه حاجة ملازمة للإنسان في كينونته، لا تتحقق إلا من خلال الصلة الوجودية بالله. وعلى ضوء هذا التعليم يؤسس الرفاعي ملامح لاهوت تعددي منفتح على الأديان الأخرى، سواء أكانت أديانًا كتابية أم غير كتابية. وفي تفاعل مع تعليم ابن عربي، ومن منظور أكثر فلسفية، يحاول الرفاعي، مستعينًا بالفلسفة الحديثة، البرهنة على استحالة اختزال الحقيقة الدينية في تمثيل واحد مغلق أو احتكارها داخل حدود جماعة بعينها.

ويرى عبد الجبار الرفاعي أن الإنسان يعجز عن امتلاك الحقيقة الإلهية امتلاكًا مطلقًا، كما يعجز عن الإحاطة الكاملة بها. ومن هنا يستنتج أن هذا العجز نفسه يفسر تعدد التقاليد الدينية ويبرره، لأن كل دين يمثل محاولة نسبية لبلوغ حقيقة إلهية تتجاوز الجميع. لذلك يؤكد الرفاعي أن فرض دين واحد على البشرية أمر مستحيل واقعيًا وتاريخيًا، إذ “لم تتوحد الإنسانية يومًا حول دين واحد، ولو حاول دين ما احتكار تمثيل الله في الأرض، وفرض حضوره عبر القضاء على أتباع الأديان الأخرى، فلن ينجح في ذلك”. ومن هنا يدافع الرفاعي عن “إبستمولوجيا التواضع”، التي تتجلى خصوصيتها في جمعها بين التفكير الميتافيزيقي، والتصوف، وعلوم الدين المعاصرة. كما أن إدماج الأديان الأخرى وطاقاتها الروحية في بناء لاهوت إسلامي للغيرية والحوار يستند أيضًا إلى ثورة أنثروبولوجية وأخلاقية.

وفي هذا السياق يصوغ الرفاعي مفهوم “الإنسانية الإيمانية”، ويقصد به رؤية تعتبر أن الغاية الأساسية للإيمان هي خدمة الإنسان بما هو إنسان، بصرف النظر عن انتمائه الديني. ويندرج هذا المفهوم ضمن أخلاق إنسانية غائية يعمل الرفاعي على بنائها في ضوء الفلاسفة والمفكرين الذين يستند إليهم. فهذه الأخلاق، التي تتمحور حول خير الإنسان، تتضمن بعدًا نفعيًا من جهة، لأن قيمة الأفعال تُقاس بنتائجها وآثارها النافعة على البشر، كما تتضمن بعدًا كانطيًا من جهة أخرى، لأنها تؤكد القيمة الذاتية للإنسان، بغض النظر عن معتقداته وآرائه. وعلى خطى إيمانويل كانط، يرى الرفاعي أن الإنسان غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة. ومن منظور علم الكلام الإسلامي، تمثل هذه الرؤية قطيعة مع الأشعرية التي تجعل معيار الخير مستندًا إلى الوحي لا إلى العقل. لذلك يعيد الرفاعي إحياء الحدوس المعتزلية المتعلقة بإمكان معرفة الخير بالعقل، وينتقد التصورات الإقصائية للخلاص والقيمة الدينية للأفعال، وينحاز إلى لاهوت رحمة يتمحور حول الإنسان في ذاته، لا حول انتمائه العقدي. ومن هنا تقف “الإنسانية الإيمانية” على الضد من كثير من التصورات الكلامية التقليدية التي تشترط صحة الفعل الأخلاقي بانتماء صاحبه إلى العقيدة الإسلامية. فالخير عند الرفاعي لا يستمد قيمته من الإيمان وحده، وإنما من كونه يحقق خير الإنسان وكرامته. لذلك تسبق الإنسانية الهوية الدينية، ويصبح الإنسان، بما هو إنسان، موضوع الأخلاق الأول. وهذه الفكرة تمتلك جذورًا داخل التراث العقلي الإسلامي نفسه، وخاصة في الفكر المعتزلي، الذي يرى أن العقل البشري قادر بذاته على إدراك الحسن والقبح، أو ما يعرف بمبدأ “الحسن والقبح العقليين”. وقد شكل هذا المبدأ أحد الأسس الكبرى للأخلاق المعتزلية، لأن الفعل الحسن عندهم لا يكتسب قيمته فقط من الأمر الإلهي، وإنما من كونه حسنًا في ذاته، ومدركًا بالعقل الإنساني.

فالفعل الحسن، في الرؤية المعتزلية التي يستلهمها عبد الجبار الرفاعي، ليس حسنًا لأن الله أمر به، وإنما يأمر الله به لأنه حسن في ذاته. وهذه الرؤية تقطع مع التصور الإرادوي والوضعي للخير كما يظهر في الأشعرية، حيث لا يكتسب الفعل صفة الخير إلا من خلال الأمر الإلهي. ومن خلال تعريفه للفعل الأخلاقي بوصفه كل جهد يسعى إلى تحسين حال الإنسان وخدمته، بصرف النظر عن عقيدته، يحاول الرفاعي الاستجابة لتحديات التعددية الدينية والأخلاق الكونية في العالم المعاصر. لذلك لم يعد لاهوته ينطلق من عدالة الله فحسب، وإنما من الكرامة غير المشروطة للإنسان. ومن هنا لا يمثل مشروعه مجرد عودة إلى الاعتزال، وإنما تجاوزًا له نحو “الإنسانية الإيمانية”، حيث تصبح غاية الإيمان خدمة العالم والإنسان، لا تبرير خلاص احتكاري مغلق. وانطلاقًا من هذه الرؤية للآخر، ومن إدماجه في بنية “علم الكلام الجديد”، ومن الأسس الصوفية والعقلانية التي يستند إليها، يخلص الرفاعي إلى أن الحوار بين الأديان ينبغي ألا يبقى محصورًا في حدود المجاملات والعلاقات العامة، وإنما يتحول إلى “حوار بنّاء ومثمر، يحمل أسس السلام ومبادئ العيش المشترك”.

سادسًا: تقييم نقدي للاهوت الحوار بين الأديان في الفكر الإسلامي عند عبد الجبار الرفاعي

يتضح من تحليل أعمال عبد الجبار الرفاعي أن مشروع “علم الكلام الجديد” الذي يتبناه يعكس إرادة واضحة للإسهام في الحوار بين الأديان، من خلال فتح التفكير اللاهوتي على سؤال الغيرية وإدماجه في بنيته الداخلية. فمن خلال كتاباته يسعى الرفاعي إلى القطيعة النهائية مع النزعات الاعتذارية الإقصائية، ومع أحكام التكفير واللعن الموروثة من علم الكلام التقليدي، ومع “احتكار الرحمة الإلهية والادعاء بحصر الخلاص في دين واحد أو فرقة واحدة أو جماعة واحدة”. وفي قلب هذا المشروع تقوم لاهوتية للكرامة الإنسانية، تستند إلى ما يسميه “الإنسان القرآني” أو “الإنسانية الإيمانية”. وهذه الكرامة، التي يعدّها قيمة أولى، تتجذر في النص القرآني، ولاسيما في الآيات التي تؤكد تكريم الإنسان، مثل قوله تعالى: “ولقد كرّمنا بني آدم”. ومن خلال هذا الأساس يؤسس الرفاعي لفكرة المواطنة بوصفها انتماءً مشتركًا إلى فضاء وطني واحد يجمع مؤمنين من ديانات ومذاهب متعددة، مستخرجًا هذا المعنى من الإمكانات الكامنة في القرآن من غير الوقوع في إسقاطات تاريخية متعسفة. لذلك يدعو إلى إعادة قراءة القرآن في ضوء كثافته الدلالية وتعدد معانيه، تبعًا لاختلاف السياقات وتطور الوعي البشري. كما أن التمييز الذي يقيمه بين “الوجه الإلهي الكوني” للقرآن و”الوجه البشري الظرفي” يسمح له بالخروج من القراءة الحرفية والتفسير التقليدي المغلق، ويفتح أفقًا تأويليًا جديدًا للنص الديني.

وتمنح هذه المقاربة شرعية للقراءات التعددية لبعض الآيات القرآنية، في تعارض كامل مع القراءات التقليدية المغلقة. غير أن عبد الجبار الرفاعي، على الرغم من ربطه مفهوم “الإنسان القرآني” بمفهوم “الفرد”، الذي يعدّه أساسًا للتعددية الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية، لا يقوم بتفكيك الخلفيات الفلسفية الغربية التي يستند إليها هذا المفهوم تفكيكًا كافيًا، مثل الاستقلال الذاتي، والوعي التأملي، والحق الذاتي. ويترتب على ذلك نوع من إضفاء الطابع الجوهري على الفرد بوصفه حاملًا كونيًا للكرامة، بما يقلل من أهمية الوساطة الجماعية والتقاليد الدينية في تشكيل علاقة الإنسان بالله. فالفرد عند الرفاعي يبدو سابقًا على العلاقة الدينية نفسها، وهو ما يحدّ من إمكان بناء تصور حواري متجذر فعلًا في تنوع التقاليد الدينية وتجاربها التاريخية. لذلك يرى هذا النقد أن مشروع الرفاعي، حتى وإن حاول الدفاع عن طابعه اللاهوتي، يقترب أكثر من فلسفة الدين منه إلى “لاهوت الأديان” بالمعنى الدقيق، لأن الحوار بين الأديان يقتضي الاعتراف بأن الإنسان يتشكل داخل العلاقات التي ينتمي إليها، سواء أكانت تقاليد، أم جماعات، أم سرديات مؤسسة للهوية والمعنى. أما في ما يتعلق بتوظيفه للتصوف، فإن الرفاعي يستثمر مفاهيمه من أجل تأسيس رؤية منفتحة على الأديان الأخرى، مستلهمًا بصورة خاصة محيي الدين بن عربي ومفهومه عن “وحي النبوة العامة”، الذي يشير إلى إمكان انكشاف معرفة بالله وحقائق إلهية خارج حدود الوحي التشريعي والكتاب المنزل.

ومن خلال هذا التصور يفتح الرفاعي “علم الكلام الجديد” على تقاليد دينية متعددة، سواء امتلكت وحيًا كتابيًا أم لم تمتلك، بحيث لا تبقى الغيرية الدينية محصورة في “أهل الكتاب” وحدهم. وهذه الفكرة تتيح الاعتراف بإمكان حضور الحقيقة الإلهية في أديان وتجارب روحية مختلفة. غير أن السؤال الذي يطرحه هذا النقد يتمثل في مدى نجاح الرفاعي في تحويل هذه الإمكانية النظرية إلى بناء لاهوتي متكامل. فهو، وإن كان يضع مفاهيم واتجاهات مستمدة من القرآن والتصوف لتأسيس هذا الأفق، لا يطوّرها دائمًا بصورة منهجية مكتملة. كما أن استناده المتكرر إلى ابن عربي يثير إشكالًا منهجيًا، لأن اقتباساته، على الرغم من غناها، تُنقل غالبًا خارج سياقاتها التاريخية والنصية، الأمر الذي يمنحها طابعًا تجريديًا ومفارقًا لسياقاتها الأصلية، ويجعل إعادة توظيفها محكومة أحيانًا بأفق معاصر أكثر من ارتباطها بالبنية الفكرية الكاملة لابن عربي نفسه.

وبعبارة أخرى، يرى هذا النقد أن عبد الجبار الرفاعي يطبّق في قراءته لـمحيي الدين بن عربي نوعًا من المنهج “الأصولي”، وهو المنهج نفسه الذي ينتقده عند المتكلمين المعاصرين المرتبطين بعلم الكلام التقليدي، لأن اقتباساته لابن عربي تُستعمل أحيانًا بصورة انتقائية ومنفصلة عن سياقاتها الأصلية، وتُعاد قراءتها ضمن أفق شخصي ومعاصر. كذلك يرى هذا النقد أنه، على الرغم من الأسس الأنثروبولوجية والانحيازات الأخلاقية والسياسية الواضحة لصالح العيش المشترك، فإن “لاهوت الحوار” عند الرفاعي بقي أقرب إلى مستوى النوايا العامة منه إلى مستوى البناء العقدي المتكامل. فكرامة الإنسان تمثل نقطة انطلاق مركزية في مشروعه، غير أن الحوار نفسه لا يتحول إلى موضوع لاهوتي مؤسس بصورة مكتملة. فالقرآن والوحي، بحسب هذا النقد، لا يُعاد تأويلهما مباشرة في ضوء سؤال الحوار بين الأديان، كما لا نجد بناءً مفاهيميًا متكاملًا للاهوت خاص بالحوار الديني. صحيح أن “علم الكلام الجديد” يقطع مع الإطار التقليدي الذي يراه الرفاعي عاجزًا عن إنتاج ثقافة حوارية، غير أنه لا يقدّم هرمنيوطيقا قرآنية مكتملة للتعددية الدينية، ولا يؤسس فعلًا “لاهوت أديان” بالمعنى الدقيق، بخلاف ما نجده عند عبد الكريم سروش. لذلك يبقى مشروعه، وفق هذا التقييم، أقرب إلى الأنثروبولوجيا الدينية والأخلاق الاجتماعية منه إلى بناء لاهوتي مكتمل. ومن هنا يمنح هذا الغموض العقائدي فكر الرفاعي أحيانًا طابع برنامج سياسي ـ لاهوتي إنساني ومنفتح على الغيرية، لكنه لا ينجح دائمًا في إنتاج المفاهيم اللاهوتية الضرورية لتأسيس حوار ديني متين. ولهذا يبدو “علم الكلام الجديد”، في هذا المجال تحديدًا، لاهوتًا غير مكتمل. ويرى هذا النقد أن أحد أسباب هذا القصور يعود إلى غياب بناء عقدي متماسك، لأن الرفاعي، في سعيه إلى تجاوز العقيدة الجامدة نحو فينومينولوجيا للإيمان بوصفه خبرة إنسانية تأسيسية وانفتاحًا على المطلق وسعيًا إلى المعنى، يفترض ضمنيًا أن العقيدة تمثل بطبيعتها عائقًا أمام التعايش. غير أن هذا الافتراض، بحسب النقد، لا يصح دائمًا، لأن العقيدة في كثير من التقاليد الدينية لا تؤدي وظيفة الإغلاق، وإنما توفر إطارًا تأويليًا لفهم الإيمان ذاته. فالعقيدة ليست في ذاتها عامل إقصاء، وإنما تتحول إلى أداة إقصائية حين تُستعمل استعمالًا أيديولوجيًا وهيمنيًا. بل إن العقيدة، حين تُفهم على نحو سليم، يمكن أن تصبح عنصرًا مهمًا في الحوار بين الأديان، لأنها تمنح كل جماعة دينية هوية واضحة تنطلق منها نحو اللقاء بالآخر. فالحوار الحقيقي لا يولد في الضبابية أو في تمييع الفروق، وإنما يحتاج إلى مواقف واضحة وقادرة على تسمية الاختلافات من غير عنف. ومن هنا توفر العقيدة لغة مشتركة وبنية مستقرة للتفكير اللاهوتي. لذلك يتساءل هذا النقد: إذا كان الرفاعي يدعو إلى إدماج دراسة لاهوت الأديان الأخرى داخل “علم الكلام الجديد”، فكيف يمكنه في الوقت نفسه أن يطالب بالتخلي عن العقيدة داخل اللاهوت الإسلامي؟ ويزداد هذا التساؤل قوة حين نكتشف، من خلال قراءة تراث المتكلمين أنفسهم، وجود إمكانات كامنة للتفكير في أنثروبولوجيا علائقية منفتحة على فرضية الخلاص الكوني، وقادرة على تقديم أسس لاهوتية للحوار والتعايش.

ويزداد هذا التناقض وضوحًا، بحسب هذا النقد، حين نلتفت إلى أن المرجعيات الفكرية التي يستند إليها عبد الجبار الرفاعي نفسها تتضمن عناصر تخفف من حدة القطيعة التي يعلنها مع البنية العقدية التقليدية. فـبول ريكور، على سبيل المثال، يؤكد أن الوصول إلى الآخر يقتضي “المرور عبر الهوية”، أي إن الإنسان لا يستطيع استقبال المختلف استقبالًا حقيقيًا إلا حين يعرف من يكون هو أولًا. وعلى العكس من ذلك، فإن الإيمان الذي يسعى إلى التحرر الكامل من كل بنية عقدية قد ينزلق بدوره إلى أشكال من الأصولية، أو الذاتية المطلقة، أو العداء للعقل. فحين تغيب العقيدة التي تنظّم الانفعالات الدينية وتؤطر التأويل وتضبط العاطفة، تصبح التجربة الإيمانية معرضة للانفلات والتحول إلى نزعات غير عقلانية. لذلك يرى هذا النقد أن العقيدة، ما دامت منفتحة وقابلة للمراجعة والنقد، تبقى فضاءً ضروريًا للتمييز والتبصر، كما تمثل أحد الضمانات المهمة للعيش المشترك ولتنظيم العلاقة بين الإيمان والاختلاف.

الخاتمة

لأن صورة الله هي التي تحدد طبيعة علاقتنا بالآخر، فإن القطيعة مع علم الكلام الكلاسيكي تعني عند عبد الجبار الرفاعي القطيعة مع منطقه الإقصائي، الذي يتجلى في تكفير المختلف وادعاء احتكار الخلاص. وكما يتضح من مشروعه، فإن “علم الكلام الجديد” الذي يدعو إليه يأخذ الغيرية والأديان الأخرى بجدية واضحة، ويتبنى أفقًا منفتحًا وشاملًا، ويتعمد تجاوز الحوار الديني الشكلي القائم على المجاملة، من خلال الدعوة إلى التعرف منذ الطفولة على نصوص الأديان الأخرى ومعتقداتها بطريقة بنّاءة. لذلك يدعو “علم الكلام الجديد” إلى تربية تقوم على الانفتاح على الآخر، لا من حيث الاعتراف بحقه في الوجود فقط، وإنما أيضًا من حيث الاعتراف بما يحمله من حقائق لاهوتية داخل تقاليده الدينية. وفي هذا تكمن قطيعة إبستمولوجية واضحة مع علم الكلام التقليدي. ويمثل هذا المشروع محاولة جريئة وخصبة لتجديد الخطاب الإسلامي انطلاقًا من قراءة تتمحور حول الإنسان. غير أن هذا المشروع، في مجال الحوار بين الأديان، يبقى محدودًا بسبب طابعه الداخلي المفرط في فهم الدين، وبسبب تصوره غير الكافي للطابع العلائقي للإنسان، الأمر الذي يحدّ من قدرته على التفكير في التجسد العملي للحوار انطلاقًا من قضايا دينية ملموسة. كذلك، وعلى الرغم من دعوة الرفاعي إلى “التوغل” في نصوص التقاليد الدينية الأخرى، فإن لاهوته يستند بدرجة أكبر إلى الفلسفة الغربية أكثر من استناده إلى النصوص اللاهوتية لتلك الأديان نفسها. ومن هنا لا يغدو مشروعه “لاهوتًا حواريًا” بالمعنى الذي نجده، على سبيل المثال، عند فريد إسحاق، الذي استطاع، متأثرًا بلاهوت التحرير المسيحي، أن يؤسس رؤية إسلامية للحوار بين الأديان. ومع ذلك، تبقى محاولة الرفاعي محاولة جديدة وجريئة، وحتى وإن بدت ذات طابع برنامجي أكثر من كونها بناءً لاهوتيًا مكتملًا، فإنها تمثل خطوة مهمة في مسار تجديد التفكير الديني الإسلامي والانفتاح على التعددية والعيش المشترك.

***

إيمانويل بيزاني

مدير المعهد الدومينيكاني للدراسات الشرقية (إيديو) في القاهرة، والمعهد الكاثوليكي في باريس.

...........................

* ترجمة عربية لبحث منشور في مجلّة «لافال اللاهوتية والفلسفية» ، المجلّد 82، العدد 1، سنة 2026، ص. 49-68. الصادرة في كندا:

https://revues.ulaval.ca/ojs/index.php/LTP/en/

index

رابط نشر البحث:

https://revues.ulaval.ca/ojs/index.php/LTP/fr_CA/article/view/54372