أقلام ثقافية
سَحَر شُبّر: تداعيتُ المَعَرِّي
شاهدتُ فيلمَ (Out of Africa 1985) مرتينِ، كانت المرةُ الأولى بعيدةً بُعدَ عَقْدٍ من عُمري الجارِي، وأظنُّ حافزَها اسم الممثّلة ميريل ستريب (١٩٤٩ـ ) يشاركُها دَوْرَ البطلِ الممثّلُ روبرت رَدفورد (١٩٣٦- ٢٠٢٥م)، ومَنْ لهُ فِي السينما نَظرٌ فاحِصٌ وذوقٌ دقيقٌ لا يدعُ فيلمًا لهذينِ المُبَرّزينِ في إتقانِ الأَداءِ و براعَة التمثيل، فكيفَ وهذا الفِيلم يقومُ على قِصّةِ الرُّوائيّة الدنماركيّة كارين بلكسِن (١٨٨٥- ١٩٦٢م) وترسّمِ حياتِها بمآلاتِها وأَسقامِها كلِّها، وسَرْدِها عن تجربتِها؛ وقد جسّدتْها ستريب أروع تجسيدٍ ! والمرةُ الأخرى، وَقَعَتْ قبل أيامٍ، إذ نِعمةُ العُطلِ في البلدِ العزيز حثّتْنِي على تمحيصِ أوراقٍ كثيرة مُستقرّةٍ على المكتبِ، بينها قائمةُ الكتبِ المطلوبة ـ أي التي لم أجدْها بَعدُ ـ وهذا العنوان بالإنكليزيّة مكتوبٌ أمامه: آملُ الحصولَ عليه، لَكن أينَ؟ وَلِكي أدفعَ يأسَي من سوقِ الكُتب حيث باعَةُ الأطعمةِ وجوّالةُ التصوير وزوّاقو الورقِ يزعقونَ وينعقونَ وينشرونَ ويسمّون ما يفعلونه ثقافةً وإنشاء محتوى، ولِكَي أربأَ على مشَقّة شَحْنِ هذا الكتاب إليّ من موقعِ تسوّقٍ صينيّ .. شَرَعتُ بمشاهدتِهِ يُترعُني عِنادٌ عجيبٌ معَ نفسي على تحمّل مشاهِد كَبَوات الأقدارِ بالبَشرِ!! ولمّا تمكّن منّي ما نابَ كارين، فجسدُها عليلٌ وعلاجُه بالزّرنيخ، ومزرعةُ البُنّ حُلمها الذي بددتْهُ النّار في خِصابِ كينيا، وعشيقُها قد اقتنصتْهُ المنيّةُ لمّا قرَّ على الزّواجِ بها غِبَّ وحدةٍ وضَياع وكرِّ ارتحالٍ؛ جعلتُ أقرِّعُ نفسي على مطاوعتِها لهمومٍ قصّيّةٍ عَنها غالبًا ما تتصيّدها باصرتي السينمائيّة على أنّ نجواي وراء هذا التصيّد هي الهروب من الأدبِ والاستكفاء من القراءةِ! وإذ يُختتمُ الفيلمُ بِلَقْطَاتٍ قد أَتى لـ: كارين ما لا تريدُ من الحياةِ؛ قَدَحَتْ خِزانتي العصبيّةُ جملةً من المعرّيِّ المتوفّى سنة ٤٤٩ هجريّة: فَتضحكُ الأقدارُ، ولزوم ما لا يلزمُ ليسَ في رفٍّ عالٍ من المكتبةِ بحيث لا تتصفحّ يدايَ الجزء الثاني، وتلتمسُ عيناي " ضَحِكَ الأقدار " في الصحيفة ٦١٠ ـ طبعة دار طلاس بشرحِ نديم عَدِي:
يا إنسَ ! كَمْ يَرِدُ الحياةَ مَعاشِرٌ
ويكونُ مِن تَلَفٍ لَهم إصـدارُ
*
أَ تَرومُ مِنْ زَمنٍ وفاءً مُرْضِيًا
إنَّ الزّمـــانَ كَأهلِهِ غَدّار ُ
*
تَقِفونَ والفَلَكُ المُسخّرُ دائـرٌ
وتُقدِّرونَ فَتَضْحَكُ الأقـدارُ
وكارين إنسانٌ أقبلَ على الحياةِ، رَغمَ ما يعتريه من خذلانٍ ونَصَبٍ ثُم يدبِرُ عنها، وبين إقبالِه وإدبارِهِ أملٌ خادعٌ، وزعمٌ باطِلٌ أنّ سيطالُ منها ما ابتغى ويغنمُ بما دبّر وتقحّمَ .
***
د. سَحَر شُبّر






