عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

ثلاث روايات لقصي الشيخ عسكر

مقال مذاع من محطة BBC / القسم العربي عام 1997

يعتبر الروائي العراقي المغترب قصي الشيخ عسكر من الروائيين القلائل، الذين كتبوا روائيا عن شخوص عربية تعيش في الغربة، معالجا تفاعلاتهم النفسية والثقافية في البيئة الغريبة الجديدة أي أنّ هذه الشخوص لا ترتد إلى ماضيها وكأنها تريد أن تسترجعه {وكان من الأوائل الذين فعلوا ذلك، يحيى حقّي، وتوفيق الحكيم، والطيب صالح}.

غير أنّ قصي الشيخ عسكر يخرج لنا هذه المرّة بثلاث روايات، لا تدور حوادثها بأوروبا حسب، ولكنها روايات من الخيال العلمي حسب قول المؤلف{ولابدّ أنّه أدرك أنّها ليست روايات علمية كما هي معروفة في البلدان المتقدمة، لذا قال روايات من الخيال العلمي}.

عناوين الروايات الثلاث: التجربة، النفق، الموتى يزحفون.نتعرف في رواية التجربة، منذ الأسطر الأولى على شخص اسمه"بيترسون"وهو مهندس ميكانيكي يتعامل مع الآلات من السابعة صباحا حتى الثالثة بعد الظهر كأنّ حياته تشكو من جفاف قاتل وصخب في العمل، وصخب في الخارج مصدره الناس والسيارات والقطارات،، وبسبب من هذه الحياة الجافة الخالية من الأحلام أصيب بكآبة شديدة هدّت جسده القويّ عندئذ لجأ إلى طبيب نصحه بالهرب من الحضارة والانعزال عن الآلة تماما، وذلك باللجوء إلى مدينة منعزلة أقامتها مجموعة من العلماء والأطباء، كتجربة أولى لا أثر للحضارة فيه.إنها مدينة عصور وسطى"مصابيحها تنار بالزيت، ووسائل النقل فيها عربات تجرها الخيول.كل شيء فيها مصمم وفق طراز العصور الوسطى {والأغرب من ذلك أنّ الطيران المدني والعسكري منع من التحليق فوق أجوائها}وفي هذه المدينة أيضا مُنِع المذياع والتلفزيون والتدخين، كما مُنِعت البندورة والبطاطا على اعتبار أنّ اكتشافهما حدث بعد عصر النهضة.

في هذه المدينة القروسطيّة يتعرف بيترسون أول ما يتعرف على جارته نادين وتزداد أواصر الصداقة بينهما يوما بعد يوم إلى أن يتزوجا ولكنها تعترف له بالتدخين وهو ممنوع في هذه المدينة، وأكثر من ذلك أنّها كانت تعمل في التهريب أي التعامل مع القرن العشرين، فتطرد من القرون الوسطى.الغريب في هذه القصة أن شخوص الرواية يتحدثون عن المستقبل وكأنّه ماض سحيق مروا به.وهذا هو ابتكار قصي الشيخ عسكر بالضبط وهو ابتكار طريف للغاية .جعل شخوصه يعيشون المستقبل أي القرن العشرين، وحين أرجعهم إلى القرون الوسطى، أصبح المستقبل الذي كانوا يعيشونه ماضيا بعيدا.

أما الرواية الثانية فهي بعنوان "الموتى يزحفون"وفيها يخترع عالم يدعى بدوان هيكلا عظميا عن طريق جهاز خاص يستجيب لأوامر الإنسان فيساعد في الطبخ وتنظيف المنزل، وحتى تنظيف الشوارع .إنه مستعد لكل خدمة غير أنّ وزير الصناعات الحربية وجدها فرصة لاستغلال هذه الهياكل العظمية في حربه مع دولة مجاورة كبيرة كانت قد احتلت مساحات واسعة من بلده الصغير، فكان له ذلك وبالفعل قامت تلك الهياكل بتدمير البلد المجاور، ولكن بعد هذا الانتصار تبين أنّ ثمة فيروسا دخل في الكومبيوتر فغير في سلوك الهياكل العظمية حيث راحت تدمر أبناء البلد الذي أنتجها.

الرواية الثالثة هي رواية "التجربة" حيث أعلن طبيب ألماني عن تجربة جديدة تُجرى على الإنسان مباشرة، وسيُدفع لمن تُجرى عليه التجربة، خمسون ألف دولار، في حالة الوفاة.لم يتقدم إلى هذه التجربة سوى شخص لبناني شاب يدعى عبد الله، كان قد هرب من أتون الحرب الأهلية بلبنان، ونظرا لعوز أمه وأختيه بلبنان وافق على قبول عرض الطبيب .التجربة الجديدة لا تعدو أكثر من زرع خلايا جديدة في المخ، وبات الشاب اللبناني يتكلم عشر لغات بطلاقة تامة. ولكن ماهي إلا أيام واكتشف أن الخلايا الجديدة قضت على خلايا لغته الأم. وهكذا نسي اللغة العربيّة، فوجد نفسه عاجزا عن فهم رسائل أمّه، وعاجزا عن الكتابة إليها باللغة العربيّة التي لا تعرف سواها، فما كان من الطبيب إلا أن نصحه بتعلم اللغة العربية من جديد.

مهما يكن من أمر، فمن الصعوبة قبول هذه الروايات على أنها روايات علمية بالمعنى الدقيق للمصطلح، ولكنها أقرب ماتكون إلى روايات فنتازية توسلت العلم ليس إلا.

ملاحظة مهمة:

الحقيقة في منتصف ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي لم يكن هناك انتشار واسع للكومبيوتر ولم تستخدمه دور النشر بل كانوا يصفون الحروف وكثرا ما يحدث خطأ، فالصديق عبد الرحمن النعيمي رحمه الله صاحب دار الكنوز أبقى في الداخل عبارة (روايات خيال علمي) وحدث في الغلاف خطأ وهو (روايات علميّة) كنت وقتها في كوبنهاغن وزرت دمشق ولبنان بعد سنة من طبع الكتاب وفوجئت أن على الغلاف عبارة (روايات علمية).

الكتاب طبع في بيروت، دار الكنوز عام 1995.