أقلام ثقافية
ياسين غالب: عن العبث والثورة في فيلم ليوناردو دي كابريو الجديد
One Battle After Another
في فيلمه الجديد One Battle After Another، يقدّم المخرج بول توماس أندرسون أول تعاون له مع ليوناردو دي كابريو، في عمل يتجاوز حدود الحبكة التقليدية ليغوص في أسئلة وجودية حول الثورة، الهوية، والسلطة. لا يكتفي الفيلم بسرد قصة مطاردات وهروب، بل يتحوّل إلى مجاز طويل ومعقّد عن التاريخ الذي يعيد نفسه، والبطولة التي تذوب في خيبات الواقع.يجسّد دي كابريو شخصية بوب فيرغسون، المحارب السابق الذي يعيش على هامش مدينة نسيته أو اختارت أن تتناسى نضاله. فقد زوجته، وتحوّل من رمزٍ ثوري إلى رجلٍ مكسور، يطارده خصمه القديم لوكجاج (شون بن)، الذي لا يمثل فردًا بل منظومة قمعية خرجت من رحم الثورة نفسها.في حوارٍ عميق مع شخصية سينسي (بنيسيو ديل تورو)، يقول بوب بمرارة:
"أنا لم أهرب من الثورة... الثورة هي التي جاءت ورائي."
يكبر الصراع النفسي داخل بوب بين فكرة تبرير العنف الذي كان ضروريًا في الماضي، وبين الندم الذي ينهشه في الحاضر. يتأرجح بين غريزة البقاء وخيبة المحارب الذي لم يبقَ من معركته إلا الأطلال. خيار صعب، تصبح فيه ابنته ذات الستة عشر عامًا عنصرًا حاسمًا في معادلته الداخلية. في المقابل، بينما يتحول بوب فيرغسون إلى بطلٍ فقد إيمانه، تظهر بيرفيديا (تيانا تايلور) كصوتٍ من جيلٍ جديد لا يقدّس المثاليات، بل يتبنّى ثوريةً براغماتية بلا أوهام. تتهكم من فكرة الأمومة قائلة:"لستُ هنا لأصنع حليبًا للطفل."
تمثّل بيرفيديا تحوّل الخطاب الثوري من المثالية إلى الضرورة. وحين تقتل أحد المتعاونين، تقول: "هذا ليس النقاء.. هذا الضرورة."
تتكرّر رمزية فكرة "الثورة التي تأكل أبناءها" حين يتم تصفية العناصر السرية من الداخل، في مشهدٍ يعكس كيف تتحوّل الثورة إلى أداة قمعٍ حين تفقد بوصلتها الأخلاقية. شخصية لوكجاج تُبنى وتُعاد عبر الفلاش باك، والمرايا، والأحلام. ليس مجرد خصم، بل تجسيد للتاريخ حين يُترك دون محاسبة. هو العدو الذي يردد خطبًا من كتابات بوب نفسه، وكأن أيديولوجيا الرجل ارتدت عليه، ليصبح آلة التاريخ التي لا تموت.
يستخدم الفيلم التكرار كأداة سردية ومجاز سياسي: مشهد القطار يعيد تسلسلًا من الماضي، وسلاح قديم يعود للواجهة، في إشارة إلى أن الماضي لا يموت... بل يعيد نفسه ما لم يُفكّك جذريًا. في مقارنة ميتاسردية جريئة، يطرح الفيلم سؤالًا:
هل بوب هو النسخة الجادة من "الدود" مثله جيف بريدجزفي فلم The Big Lebowski؟ إنتاج: 1998.
الدود يرفض الانخراط السياسي ويفلت من العبث بسخرية، بينما بوب انخرط حتى النهاية وخسر كل شيء، بما في ذلك إيمانه بقضيته. شخصية “الدود” و بوب تمثّيل عملي للرفض الهادئ للعالم المنهك والانزواء، وسخريه من فكرة البطولة نفسها ودعوة مفتوحة لتقدّيس اللامبالاة والعدمية بمعناها الحياتي لاالفلسفي. لكن ماذا لو أن كليهما وُضع في الثورة خطأً؟
هل تتشكّل الهوية الثورية بالصدفة، أو بتشابه الأسماء كما في Lebowski؟
يتماهى الجواب في السرد السينمائي الممتد بلا خيوط مادية تمسك من "الدود" إلى بوب: مفارقة الهوية الثورية. فـThe Big Lebowski يسخر من البطولة المصطنعة، بينما One Battle After Another يعيد للأخطاء التافهة معناها المأساوي، ويحوّل الهويات المربكة إلى أقدار دامية.
قد يكون بوب ببساطة "الدود" بعد عقدين من الجراح. وقد تكون الثورة كلها محاولة عبثية لإضفاء معنى على فوضى لا معنى لها.
هنا تكمن عبثية الصراع: حين يولد العدو من داخلك. ينتهي الفيلم نهاية مفتوحة، بلا خلاص.
تختفي بيرفيديا، أو تتحوّل روحها الثورية إلى نسخةٍ أصغر منها — ابنة بوب — مع خيطٍ من التعقّل والمغامرة المحسوبة هذه المرة.
يُهزم لوكجاج ويتشوّه من الخارج قبل أن تُشوَى جثته بعد تخديره، في بعدٍ رمزي للتطهير بالنار، خاصة أنه تلاعب بالجينات وأنجب من امرأةٍ سوداء. لكن لا بناء جديدًا في الأفق، فقط بوب على الشاطئ، ينظر إلى المستقبل عبر الموبايل الذي يستخدمه لأول مرة.
لا يوجد نصر هنا. فقط إدراك الذات والفوز بها ... وخوف من تكرار المأساة.
الحذر، بمعناه الجديد القديم، والقلق على ابنته المتمرّدة.
***
بقلم: ياسين غالب







