أقلام ثقافية

احمد عابر: داود من جديد.. حين ينقذ الإنسان من الحجر

يقول غابرييل غارسيا ماركيز في رواية "الحب في زمن الكوليرا": إن الإنسان لا يولد مرة واحدة يوم تضعه أمه، بل تلزمه الحياة أن يعيد ولادة نفسه مرارا.

بهذا المعنى يمكن فهم داود الذي نراه اليوم، بعد خمسة قرون من نحت ميكيلانجلو، وفي استحضار جديد يقدمه نادي حكيم. ليس داود المنتصر، ولا داود الجسد المثالي، بل داود في لحظة المخاض الأبدي: لحظة أن يلد الإنسان نفسه بنفسه، قبل أن يعرف إلى أين سيقوده مصيره.

ما يفعله حكيم جريء ودقيق في آن. فهو، بصفته جراحا يعرف الجسد من الداخل، ونحاتا يعرف كيف ينقذ الشكل من مادته، لا يعيد إنتاج داود، بل يعيد تفكيكه. يجرده من الجسد، لا ليلغي القوة، بل ليكثفها في موضعها الأصلي: الرأس، الوعي، اللحظة التي تسبق الفعل. ثم يضع هذا الرأس فوق الماء، لا على أرض ثابتة، ولا في ساحة معركة، بل على سطح متحرك، عاكس، بلا قرار.2400 ahmad

وهنا يبدأ التأمل....

الرأس العائم فوق الماء ليس صورة جمالية فقط، بل سؤال وجودي. الماء مرآة، لكنه أيضا هاوية. هو الحياة في سيولتها، واللايقين في عمقها، والعدم في صمتها. داود لم يعد واقفا بثبات، بل حاضرا في فضاء معلق، حيث لا يحمل الجسد وزنه، ولا تضمن الأرض توازنه. كأن حكيم يقول: في اللحظات الفاصلة، لا نحتاج إلى الجسد كله، بل إلى الوعي فقط. إلى تلك الحقيقة الدقيقة التي تعرف الإنسان لا بعضلاته، بل بإدراكه.

هنا يلتقي العمل مع ما رآه أبو حامد الغزالي في الإنسان: أن جوهره ليس الجسد، بل تلك اللطيفة العارفة التي تدرك وتحاسب وتخاطب. داود فوق الماء ليس جسدا بلا رأس، بل رأس صار إنسانا كاملا، حضورا مجردا من كل حماية زائفة: لا درع، لا سلاح، ولا أرض تحت القدمين. فقط وعي كامل في مواجهة المجهول. وهذا الوعي هو عين القوة.

أما محيي الدين ابن عربي، فقد رأى الإنسان الكامل بوصفه نقطة توازن بين العوالم، لا غالبا ولا مغلوبا، بل شاهدا وحافظا للمعنى. داود، في هذه اللحظة، لا يحفظ العالم بقوته، بل بوجوده الواعي، بحضوره في البرزخ: بين الفعل وإمكانه، بين الحياة والموت، بين اليقين والاحتمال.

وهنا تتضح المسافة بين ميكيلانجلو وحكيم. ميكيلانجلو، حين نحت داود، تعمد ألا ينحته مع رأس جالوت. لم يختر لحظة النصر، كما فعل من سبقه، بل لحظة ما قبلها. جسده مشدود، عضلاته متوترة، نظرته مشحوذة نحو عدو لم يظهر بعد. إنه داود الاستعداد البدني، حيث الجسد هو ساحة التوتر. أما حكيم، فاختار لحظة أعمق. لم يعد الجسد هو الساحة، بل العقل. لم تعد العضلات هي مركز القوة، بل الوعي الصافي. الرأس وحده، فوق الماء، يقول إن المعركة الحقيقية تبدأ قبل الحجر، وقبل الجبهة، وقبل الدم.

والماء هنا ليس خلفية، بل معنى. إنه برزخ بين الوجود والعدم. داود لا يقف، بل يطفو. لا يثبت، بل يتمايل مع تيار الحياة. وهذا التمايل ليس ضعفا، بل اعتراف صريح بأن الإنسان لا يملك النتائج، بل يملك فقط حضوره في اللحظة. وهنا يلتقي داود مع عبارة ماركيز: أن نسمح لأنفسنا أن نتأرجح، وأن نعيد ولادة ذواتنا، لأن الحياة لا تمنحنا يقينا ثابتا.

العري في العملين يأخذ هنا معنى مختلفا. عري داود عند ميكيلانجلو هو اكتمال الجسد الإنساني. أما عند حكيم، فالعري أعمق: غياب الجسد نفسه. كأن الرأس العائم يقول: في النهاية، هذا ما يبقى منك. وعيك. حضورك. كل ما عدا ذلك قابل للغرق.

داود، في هذه الاستعادة، لا يسأل: هل سينتصر؟ بل: هل سيبقى حاضرا؟ هل سيحفظ المعنى قبل أن يتحول إلى فعل؟ هل سيشهد على نفسه في لحظة الاختبار؟

وهنا تتكثف الفكرة التي يشد بها هذا النص خيطه الأساسي: أن الاستعداد أعمق من النصر، وأن الوقوف أمام الاحتمال أكثر كشفا من الغلبة، وأن اللحظة التي تسبق الفعل تحمل من المعنى ما لا تحمله النتيجة أبدا.

حين يعيد نادي حكيم نحت داود، لا يعيد الرمز، بل يعيد السؤال: ماذا يعني أن تكون إنسانًا في لحظة الاختبار؟ لا في لحظة النصر، ولا في لحظة الهزيمة، بل في تلك المسافة الدقيقة بين ما أنت قادر عليه، وما لم تختبره بعد.

داود فوق الماء هو إنسان البرزخ. بين الرعي والملك، بين الحجر والجبهة، بين الخوف والإيمان، بين الجسد والروح. وفي هذه البرزخية تحديدًا يصبح الإنسان جديرا بالخلافة، لأن العالم لا يحتاج دائما إلى من ينتصر، بل يحتاج أولا إلى من يشهد.

ليس المهم أن نحمل رأس جالوت دليلا على الغلبة. المهم أن نقف، بكامل انتباهنا، دون أقنعة، ودون ضمانات. أن نلد أنفسنا في كل لحظة اختبار. وأن نطفو، مثل داود، فوق ماء اللايقين، ممسكين بيقين واحد فقط: أننا هنا، أننا حاضرون، وأن هذا الحضور، وحده، هو ما يجعل الإنسان إنسانا.

***

د. أحمد عابر

 

في المثقف اليوم