بقلم: / بين ليرنر
ترجمة: صالح الرزوق
***
في وقت مبكر من العلاج، قررنا أن لا تقرأ كتابتي. لو صدرت عنك ردة فعل قوية حيال كتابتي، مهما كان نوعها، قد تؤثر على علاقتي معك، ولكن إذا كنت غير مبالية تقريبا، سأشعر بقلة القيمة، وسوء الفهم، والرفض. من زاوية ما ردة فعلك قد يكون مبالغا بها أو غير كافية، ودائما اشتبهت أن مشاعرك تجاه كتابتي، مهما بذلت من جهد للتستر عليها، ترشح من أسئلتك، ومن صمتك، ونصائحك. وما يضاعف من كل هذه المشاكل أن كتبي تشمل موضوعات في السيرة، ونسخا معدلة ومؤثرة من خبراتي وصدماتي ومخاوفي ورغباتي المتعارضة (دائما أريد الكثير جدا والنذر اليسير). من ذلك إذا كتبت رواية عن كرومويل أو عن غرباء، ولكن لأن أبطالي يشبهونني، كيف يمكنني أن أعلم أنك تخلطين بيننا؟.
دائما كنت تؤكدين أنك لا تعتقدين أن قراءة كتاباتي ستؤثر عليك مهما كانت علاقتك بي، ومع ذلك طالما تساءلت هل أثرت بك، وأيها اكتفت بميزاتها الخاصة. إلى جانب ذلك، قلت أكثر من مرة، المهم أنني آتي إلى عملنا بــ "المادة الخام"، وهي مزيج من العواطف والرغبات والمثبطات الموجودة وراء كتاباتي. وهذا أفضل من قراءتك لمحاولاتي المعدلة وهي تبحث عن الاكتمال. (هل ذلك هو الحال الراهن؟).
لم نستغرق وقتا طويلا لنتفق أن هذه البنية من الشعور - الإحساس أن كل شيء كثير جدا أو قليل جدا، وأن الخيارات الوحيدة هي مقاربة حميمة غامرة أو هجران، وأنه بمقدورك الالتحام بالشخص أو أن يرفضك الآخرون - تميز عدة علاقات لي، ولا سيما مع النساء. تابعنا هذا إلى خبرات الطفولة، وبالأخص، طبعا، مع أمي. تذكرت أنني صرخت وأنا أفحص رفوفك خلال أول استشارة، وهي واحدة من ثلاث لنحدد إن كنا "متماثلين على نحو جيد" قائلا: "هل قرأت كتابة أمي؟". (حين سمعت نفسي أسأل هذا السؤال، فكرت بكتاب الأطفال الكلاسيكي الذي أحبه أبنائي وفيه يدور العصفور الصغير ويسأل بقية الحيوانات - والعديد من الأشياء غير العاقلة - "هل أنت أمي؟". كم أكره ذلك الكتاب). أجبت: ماذا يعني لك إن قرأت أو لم أقرأ كتاباتها؟.
حينما رشحك لي صديق أحد الأصدقاء، وكلاهما روائي، بحثت عنك في غوغل وعلمت أنك بريطانية، وتلقيت تدريباتك في الفيستوك، وأنك كاتبة، أيضا. ضمت صفحتك في الويب قائمة من عدة قصص قصيرة وأعمالا "غير روائية". ولكن قررت أن لا أقرأها. ثم فكرت: سأستسلم في النهاية. وسيغلبني الفضول في لحظة ما، لأنه لا يمكنني تمالك نفسي، وهكذا قررت أنه يجب مسبقا أن أبدأ بالعملية، فقط لأتأكد أنه لا يوجد شيء واضح يقلل من مستوى كتابتك. كنت أعرف عددا من الأشخاص الأذكياء، ولكنهم كتاب سيئون. ومن الممكن لمحللة نفسية ماهرة أن تنتمي إلى هذا النوع، وشعرت إذا كانت كتابتك رديئة سيستحيل علي أن أثق بك. في إحدى الليالي، بينما شارلوت نائمة بجواري، فتحت إحدى مقالاتك بجهاز الهاتف سرا. ما فعلت لا يمكن التعبير عنه لا بكلمة "قراءة" ولا "اطلاع". كنت أنظر إلى اللغة وأحاول حماية نفسي منها. حاولت الارتباط بهذه الأشياء التي قمت بها (وأصبحت متاحة للجميع) من مسافة بعيدة على أمل أنها لن تتجاوز العتبة التي تجعل علاقتنا مستحيلة. كانت المقالة منشورة في مجلة تسمى "ثلاث عشرة طريقة". وهي عن تعقيدات الحمل في زمن الإغلاق، ورأيت فقرة طويلة عن الحساسين. لم تجذبني جملك ولم تنفرني. كان نثرا جيدا بما فيه الكفاية (الطريقة التي يتكلم بها وينيكوت عن "أم طيبة"). قررت أن أحدد موعدا، ولكنني اضطربت قليلا حيال محللة نفسية تنشر مثل هذه الكتابة الشخصية على الإنترنت، حيث يمكن لمرضاها العثور عليها. خلال أول استشارة، وبعد أن شرحت لها المشكلة - كما كنت أفهمها حينها - التي أحضرتني إلى العلاج، وبعد أن سألتها إن كنت قرأت والدتي، سألت إن كنت ملمة بــ"عملي"، وتركت حول الكلمة وقفات بالكاد ملحوظة لتنم عن شيء من الرهبة. وطبعا كان جوابك سؤالا عن طبيعة شعوري إن كنت ملمة أم لا، وكيف أرى مقدار تأثير ذلك على العلاج، وهل سيكون القرار بالمتابعة. قلت إنني أشعر شعورا ممتازا إن كنت تقرأين أو قرأت قصائدي، ولكنني مرتبك فيما يتعلق بالروايات. ثم قلت لأنني لا أحمل أي شعور حيال الذات باستثناء كتاباتي، إن إقصاءها عن العلاج يبدو غريبا، ويدعو لليأس، وغير نافع. لن أظهر "بكل ذاتي"، سأتخذ شكل كليشيه. (قرأتني أم لم تقرأني: كارثة في الحالتين). لزمت الصمت لدقيقة طويلة. ربما كنت تقررين إذا كنت ستجيبين على سؤالي بسؤال آخر، ثم قلت: "قرأت بعض شعرك، ولكنني لم أقرأ سردك".
اعتقدت أن ذلك هو الجواب الممكن الذي أريده، ولكن خجلت من إخبارك أنني شعرت بالرفض، أو على الأقل بالخيبة - ولهذا السبب أخبرك هنا. وفكرت أن عالمة نفس بعمري تقريبا وتهتم بالأدب وتعيش في نيويورك، لا بد أن تقرأ على الأقل واحدة من رواياتي. ولا بد أنه كان لدي شعور مبالغ به حيال انتشار سمعتي الأدبية. ولكن كان لديك كتب لأصدقائي والمنافسين لي وقد رأيتها على الرف بين المراجع المتخصصة بالتحليل النفسي. وبدا من غير اللائق لي أنك لم تحاولي على الأقل قراءة أحد كتبي النثرية. "لم أقرأ سردك أبدا" تعني بالضرورة "وجدت سردك غير مقروء". وبالتأكيد باشرت بالاطلاع على إحدى قصصي في هذه المجلة - وهي بين المجلات الموجودة في غرفة الانتظار - ثم قمت بتجاهلها؟.
سألتها إذا اتفقنا على العمل معا، هل ستقرأين المزيد من كتابتي، القديمة والقادمة؟. هل ستصبح موضوعا للنقاش، فقد توجه على نحو ما علاجي؟.
قلت هذا أمر سنناقشه مع الوقت، شيء يمكننا "الانشغال به"، ويمكننا اكتشاف ما يعنيه لي ما قرأته وما لم تقرأه من أعمالي (وهذا لا يتضمن الاقتباسات الاستثنائية التي تتكلم عنها). بالتأكيد أنت لا تريد قراءة المزيد من تلك الحوارات مسبقا، وحينما تصادف كتابتي في مجلة خلال الانتظار سوف "تصرف نظرك" عنها. (وأشك أنك فعليا تستعملين عبارة "تصرف نظرك"، ولكنني أتذكر فعليا أنك استعملتها، وتفهمت أن ما أتذكره أكثر من سواه هو خطأ غالبا، وما يكشفها هو طريقة الواقع المتعالي للأخطاء العميقة. وشرحت لي أنك لا تمتلكين نظرية عامة عن ما يجب على المحللة النفسية أن تقرأ أو لا تقرأ من كتابة مريضها: "وهذا شيء يجب التعامل معه على أساس كل حالة على حدة".
أزعجني هذا الكلام عن "كل حالة على حدة". ليس في التو واللحظة، ولكن وأنا على متن القطار F المتجه إلى البيت. بالعادة على متن قطار F يبدأ شيء ذكرته بإزعاجي، وأشعر أن لديك عدة كتاب بصفة مرضى، وكل واحد منهم "حالة" خاصة. ربما مرضاك بشكل أساسي من الكتاب، وربما أنت متعمقة في الشريحة الأدبية، وهذا يضر بعلاجنا، ويجعله مستحيلا، ولأن معظم ما أحتاج لمواجهته ناجم عن اضطراب وحيرة من الحدود، وهو اضطراب تتبعه جزئيا إلى المحيط الذي كبرت فيه: والداي كانا محللين نفسيين، وكل أصدقائهما كانوا محللين، والجميع لجأوا إلى العلاج على يد أصدقائهم أو أعدائهم أو أساتذتهم. وبدايات إحساسي بالعلاج النفسي كان نفوذا لحد الإزعاج، ولم يمسك أحد بالإطار، ليحمي الجانب الخطأ من التلامس (كنت طفلا لا يسمح بلمس الطعام المميز وهو في طبقه، وهذه محاولة ضعيفة للتسيد)، ولهذا السبب أنا الآن، في أواخر أربعيناتي، أخضع فعليا للعلاج النفسي. أنا بأمس الحاجة لك لتمسكي الإطار، بتعبير آخر، لتعلميني كيف أمسك الإطار، ولكن وأنا على متن القطار F خلصت إلى أنك ربما تعالجين العديد من الشعراء والروائيين، ونحن نعرف بعضنا البعض، أو على الأقل عن بعضنا البعض، ونتكلم عن بعضنا البعض، ونلوث علاج بعضنا البعض، وأنا أعتقد أن علاقة المحللة النفسية بمريضها ترشح حتما إلى علاقتها بمريضها التالي. حينما فاتحتك بالموضوع في الاستشارة التالية، كيف أن الكلام عن "كل حالة على حدة" جعلتني أهتم لأن مهنتك تشمل الكثير من الكتاب، والكثير من التقاطعات واحتمال التلوث، أكدت لي أن أيا من مرضاك لا يعرفني شخصيا -- ولكن كيف يمكن التأكد؟. أن أسألهم نوع من اختراق الحدود -- وإذا عملنا في النهاية معا، لن تقبلي أي شخص كانت لي معه علاقة قوية. أنت تفهمين أن ذلك سيقلل من جدية علاجي، ولا سيما أن موضوع الحدود، كما هو واضح، شديد الأهمية و محدد جدا بالنسبة لي وبطرق سوف نكتشفها. لكن تم التأكيد مجددا. على متن F شعرت بالضيق. شيء غير مريح - غير مريح أبدا أن ترفضي العمل مع أي شخص يمكن أن أعرفه، أو يمكن أن يعرفني، غير مريح جدا أن تضبطي أسلوبك لتحميني من هذا القلق. اعتبرت ذلك اعترافا علنيا، أنه من الممكن أن يتسرب كلامهم ويؤثر في علاجي، لو كانت لي علاقة مع مريض آخر من مرضاك. والأسوأ أنني كنت أخشى (لحد الجنون) أن استعدادك لقطع وعد قد يكشف أنك استثمرت فيني أكثر مما يجب. ربما تقرأين كتب والدتي وبالتأكيد يعنيك كثيرا أنك رغبت، بوعي أو بلا وعي، أن أكون مريضا لديك؟. أو ربما كرهت كتبها وأردت أن تعاقبيها من خلالي؟. أو ربما قرأت من كتاباتي أكثر مما اعترفت لي به، وأعجبت بها، أو كرهت قراءتها، ولديك رغبة بتبديل أسلوبك كي تضعيني في الفخ لأنني هدف علاجك التطهيري - علاجك التطهيري يخمدني، كان لمسة غير مناسبة، كأنك تشاهدين الكثير ممن سيصبحون كتابا. في الحالتين، كان كارثة.
الاستشارة الثالثة: أعربت عن قلقي من أن قراراتك عن من يمكن أن أراه بغرض حمايتي لا يحتمل. شرحت لي، بنجاح تقريبا وأنت تكتمين ابتسامتك، أنك كنت تحددين سياسة عامة لا تقبلين بموجبها مرضى يعرفون بعضهم البعض. وذكرت أن هذا القلق بسبب القراءة أو عدم القراءة، الكثير أو القليل، التلوث، اللمسة السيئة، والاحتفاظ بالإطار، وهكذا، هي أشياء يمكنك مساعدتي بها، المساعدة في التحقق والتعامل معها. وذكرت أيضا أن ردود الأفعال القوية هذه وأشكال المقاومة التي أمر بها نتيجة لطريقة الانهماك في العلاج قد تساعد في الحقيقة على نحو جيد خلال عملنا المشترك. فعليا وربما نحن انهمكنا؟. وبعد ذلك قررت الاعتراف أنني اطلعت على بعض كتاباتك (دون الانغماس معها)، ولكن لم أتمكن من الاعتراف. هل تذكرين (تذكرين طبعا) كيف اعتقدت أنني أخبرتك عن أوعيتي الدموية وجذورها، واحتمال تمدد الأوعية في نقطة اتصالها بالقلب، وهو شيء اكتشفته بالصدفة قبل خمس عشرة سنة من كوني مريضك، وكيف صدمني وأزعجني أنك لا تبالين بحالتي الطبية. أتذكر قولك: "هذه أول مرة أسمع عن ذلك، هل يمكن أن نتمهل ونعود ثانية إلى البداية؟".
في هذه اللحظة، أكون قد زرتك طيلة عام تقريبا، واقتنعت أنني كونت هذا التاربخ الطبي بوقت مبكر ولكنك فشلت في الاحتفاظ به. في الحقيقة لم أذكره أبدا. وهذا جزئيا إشارة إلى مدى قبولي لإصرار طبيب القلبية، بسبب استقرار أوعيتي عبر سنوات، أن حاجتي لتدخل جراحي يقل، ناهيك عن احتمال الموت بسبب جفاف الأوعية. وأعتقد الآن أن قلقي نجم أيضا من كتابة رواية كان فيها المرض الوعائي مركزيا (واحتمال الموت أو إجراء عملية قلب مفتوح). ولذلك قلت لي إنك لم تقرأي رواياتي، ولكن يجب أن أشعر في مكان ما أنك قرأت رواياتي، ومن تلك الخيالات استنتجت حقائق مركزية عني، وهكذا، طبقا لمنطق سحري ومشوه، فشلت في تذكر ظرفي القلبي الغامض، ويبنى على ذلك بالتزامن تناسي حياتي وأدبي، وهو أمر محزن وعدمي. ربما بالوعي الباطن تسترت على هذه المعلومات الطبية، لأتمكن من عرض هذه النسخة الخاصة من الهجران - أتستر عليها حتى يخبرني طبيب القلبية أن هناك اختبارات جديدة يمكنها المساعدة في تمييز الأمراض الأورطية الخطيرة من الحالات المجهولة وغالبا الحميدة، وعليه ربما أقدم أيضا على إجراء الاختبارات لتهدئة ذهني. بالنظر إلى القياسات المستقرة خلال عدد من السنوات، شعرت أن النتائج مطمئنة، ولكنني كنت قلقا، وذكرت الاختبارات لك، وتبين أنها أول مرة أثرت أيا من هذه الموضوعات. على كل حال كل ما عليهم فعله هو أخذ عينات من بطانة الخد، وبغضون أسبوعين سينعم ذهني بالراحة. تمزق ذهني خلال أسبوعين. أنت تعرفين التفاصيل. ولا يتوجب علي شرحها هنا. ويكفينا القول أن النتائج كانت تعني، بالإضافة إلى أمور أخرى، أن وعائي بالتأكيد تقريبا سوف يتدهور أكثر، ومهما كان الأمر كنت في ذروة خطر احتمال تمزقه ولو بحدود صغيرة وثابتة (مستقرة حتى لا تكون كذلك وفجأة). بضوء هذه المعلومات، طلب طبيب القلبية صورة جديدة، محورية مقطعية وبالمرنان المغناطيسي للمقارنة، ليس الإيكو القلبي ثنائي الأبعاد. واكتشفوا أن كل التقديرات السابقة قللت من الحقيقة كثيرا، وكنت أتجول لخمس عشرة سنة بعجز أورطي كبير يتجاوز كثيرا عتبة العمل الجراحي - وما كنت أخشى حدوثه في المستقبل كان حاضري منذ وقت بعيد. وهكذا شعرت بالانهيار نتيجة كل هذه الاختبارات، وهذا الوصف المرعب لنسيج أوعيتي.
ستوقفينني هنا قائلة: تابعت مهام الأبوة على نحو جيد، حتى في أسوأ اللحظات. تدبرت تنظيم مواعيد لا تنتهي مع أطباء الأشعة والقلبية والجراحين، وكسبت جماعة رائعة من المؤيدين، وهكذا. تريدين مني أن أقول حتى في هذه القصة التي لا يمكنك قراءتها (على الأقل بدون الإضرار بعلاجي، وإنهاء عقدنا) لم أتعرض للانهيار النهائي. رغم معاناتي ونوبات الاضطراب العقلي. لم ألق نفسي أمام قطار F، مع أنني أتخيل باستمرار أنني أقف أمامه وهو يدخل المحطة في ويست فورث، ليبدو الأمر كأنه حادث، أو كما لو أن أحدهم دفعني. ما أن حصلت على النتيجة من عينة بطانة الخد، تبدل عملنا معا. توقفنا عن استكشاف الرغبات المتضاربة وأصولها، نسختي من إيروس وثاناتوس، وطموحاتي وميولي بخصوص اغتيال الذات، وشكاياتي من الزواج ("شارلوت لم تحترم عملي!"). ميولي لسؤال البشر والأشياء "هل أنتم أمي؟". حيرتي حول العلاج النفسي ذاته، إلخ. كلا. العلاج النفسي الآن يتعلق بكيفية واحتمال متابعة حياتي في غضون الساعات المقبلة القليلة، وأن يمر الليل وأنا على قيد الحياة. في جلسة سبقت حصولي على نتيجة الاختبار، تكلمنا عن صعوبة البكاء بالنسبة لي، وكيف أنني بالتأكيد لست قادرا على البكاء في التحليل النفسي، وربما لن أتمكن من ذلك على الإطلاق. وفي الجلسة التي أعقبتها - وفي العديد من الجلسات اللاحقة - كنت أبكي وأنا أتلوى وأرتجف. أتذكر الكثير من هذا بصيغة الغائب، وأمكنني رؤية نفسي أتوسل إليك من خلال نعيبي كي تؤكدي لي أنني هنا لأتمكن من رؤية أبنائي يكبرون، وقد فعلت ذلك. اشتقت لمشاكلي القديمة، ولكنها تنتمي لعالم آخر. بالتأكيد أنا الآن غير قادر نهائيا على تذكر ما يتعلق برعاية شيء ما مهما كان تافها، مثل إن كنت قرأت كتبي أو لم تقرأيها. وأعتقد أنك وقفت معي ببساطة -لماذا أقول ببساطة - من خلال استعدادك لتقبل الموضوع، وبمشاهدة وتقبل كل أحزاني ومخاوفي، وبمرافقتك لي، ومساعدتك لي لأشعر أنني أنعم بالرفقة بدون أن تفقدي رباطة جأشك حينما كنت أعترف. مع أن لونك أحيانا تبدل، ووجهك احمر حيال تطرفي، ولكن بقيت تعابيرك في باقي الحالات ثابتة. في ذلك الوقت كنا لا نرى أنفسنا عدة مرات في الأسبوع فقط، ولكن أيضا جعلتني أكتب لك كل صباح، وهو شيء لم أتخيل أنني سأفعله. وكنت أقتلع نفسي من السرير وأحمل معي مضادات بيتا(1) وأكتب لك رسالة يأس وكنت تردين في خلال ساعة، وتكتبين شيئا بسيطا وداعما. قائلة: "سمعت كم أنت يائس وكيف تشعر. ولكن توجد كل الأسباب لتتفاءل، وبإمكاني تقديم الأمل لك الآن وحالا، حتى إذا كنت لا تستطيع الوصول إليه. سأراك في العيادة يوم الثلاثاء، ويمكنك للاتصال بي عند الحاجة لتكلمني قبل ذلك الموعد". ولا أعرف لماذا ساعدتني هذه الرسائل، باعتقادي أنها ساعدتني، على الأقل بمقدار محدود. والقليل من المساعدة في مثل هذه اللحظات يعادل شيئا كثيرا. ما أن تحدد موعد الجراحة، حتى بدأت بالاستقرار. أن يكون لديك خطة واضحة يبلور كل شيء، ساعد ذلك على أن أتكلم أنا وشارلوت، بهدوء، مع الأولاد، ولم يكونوا خائفين كما خشيت، فقد تمكنوا من كبح خوفهم وتجاهله، وساعدني أيضا أنني شعرت بكامل مهارات وحب "طاقمي" من الأطباء، والأصدقاء، والعائلة. بدأت أحظى ببعض الدقائق كلما راقبت الرياح وهي تدخل بين الأوراق، وأحيانا أشعر لدقائق، بزوال العذاب. تعاملت مع بيروقراطية التأمين والجامعات. وتمكنت من تقليب مسودات مقالتين كتبتهما حينما كنت قادرا على الكتابة. بحثت عن نشاطات في المستقبل البعيد كما لو أنه يوجد نشاط ما. ورتبت وصيتي ووثائقي المالية. وتأكدت أنني أضحك بوجود الأولاد على المائدة في الغداء. وتأكدت من تناول الغداء. ومحيت مسودات ومعظم مراسلاتي الإلكترونية والتي تصدمني الآن لأنها ذات ميول انتحارية. وأخبرت كل من أحبه بمقدار حبي له. كنت خائفا من الموت أو أن لا أشفى وأرعبني كثافة وصدقية كآبتي التي غالبا ما تعقب جراحة قلبية هامة، ظرف يشبه ما بعد الموت والمعروف ببلوز القلب (2)، ولكن في آخر جلسة وقبل الجراحة، حينما قلت حتى لو مررت بمثل هذه الكآبة، ستساعدينني أنت و"طاقمي" بالخروج منها. وأعتقد أنني صدقتك. وقلت إنه عاجلا سأصبح على الجانب الآخر من هذا، وسأكتب عنه. وأتذكر قولك أنني سأكتب عنه "بلغة جميلة"، ولكن ليس لديك طريقة لتعرفي إن كنت قادرا على كتابة نثر جميل ورشيق. في الساعة المقررة، فتحوا صدري، وضعوني على جهاز بديل، حاصروا قلبي، وبتروا امتداد الوعاء المريض، ولكن حافظوا على الصمام الأصلي، وربطوه ببديل صناعي، تتفرع منه الآن الشرايين التاجية، ثم وصلوا البديل بالأبهر الصاعد وأعادوا قلبي للعمل، وأغلقوا صدري. شيء من هذا النوع. بعد أسبوعين ونصف من الجراحة، كتبت مقالة عن محنتي. ونشرت فورا تقريبا في هذه المجلة. حمل غلاف العدد الذي نشرها صورة لقلب بشري، واعتقدت أنها، ولا زلت أعتقد، صورة قلبي. أشعر بالاعتزاز لهذا العمل، بدون علامات تنصيص ساخرة: كانت تبدو حقيقية، مهما كان معنى ذلك، وشعرت كأنها تصل بسرعة مطردة، وكانت مع الحياة، وهي جزء من بقائي وشفائي، وتثبت أنني لا أشكو من نقص معرفي دائم في آلة الوسائط (حاليا لست متأكدا تماما)، وتثبت أنني لا أزال (أو لأول مرة؟) قادرا على التمتع بحياتي مع اللغة. في خيالي كتابة ونشر عمل هو دفاع ضد بلوز القلب. واصلنا جلساتنا في الأسبوع الثاني من شفائي، وعالجنا "الصدمة المنضبطة" للجراحة بالهاتف لأنني كنت أتألم ومرهقا وغير قادر على امتطاء F، ولكن بعد سبع أسابيع عاد جسدي المتغير إلى مكتبك بجوار ويست فورث، ووجدت نفسي أحمل نسخة من المجلة، غطاء أمان صغير تصنعه الكلمات. وأنا أعود إلى العالم بحذر، غالبا ما أقرأ مجددا المقال كما لو أنني أبرهن لنفسي حقيقة ما مررت به، وحقيقة أنني على قيد الحياة. كنت جزءا من فرانك أوهارا - "قلبي في / جيبي، وهو قصيدة لبيير ريفيردي" - وجزءا من ذلك الشاب في "الجبل السحري" الذي يحمل صورة إكس لصدره في كل الأوقات، ليعرضها على الجميع، وهو يقول، لا أستطيع أن أعتقد أنهم لمسوني هناك. (أتذكر هذه الشخصية بقوة، ولذلك ربما اخترعته). في نقطة ما أدركت أنني قادم إلى عيادتك وقطعة من قلبي في حقيبة صغيرة لأنني أود أن أقدمها لك. وكان شعوري يختلف عما ناقشناه قبل وقت طويل من التشخيص والصدمة، ويختلف عن شعري ورواياتي. هذا عمل غير سردي - حتى لو أنني اخترعت بعض الشخصيات المتماسكة - وهذا وصف للعناية التي تلقيتها والمرونة التي أملت أنها واضحة، وكانت لا تزال توثق تجربة كان لك فيها دور. ورأيت أنه يسهل علي الكلام عن ذلك في جلسة واحدة - عللت ذلك أن برهانا أكبر يمكن لرغبتي أن توفره لك لا يعتبر مشكلة. ولم أشعر أن قراءتك له قد تكون أمرا كبيرا جدا أو صغيرا جدا. ولم أهتم بمتابعة ردة فعلك. أردت فقط أن أشاركك بهذا العمل الذي أعتقد أنه استوعب معاناتي، والتي يمكن استيعابها. وربما، كما أرى، أن هذا الشعور الواضح والهادئ يتضمن بعض التطور؟. وربما، بهذه الطريقة البسيطة، هزمت مفهوم ما هو كثير جدا أو قليل جدا؟.
لم تقولي لي "كلا، لن أقرأها أبدا"، ولكنك قلت إنه علينا تخفيف سرعة الأمور: "علينا أن نأخذ وقتنا بالكلام عن بعض التجارب الحياتية وليس طريقة عرضها وتمثيلها"، وهذا فرق لست متأكدا أنني قادر على شرحه فعلا. "دعينا نتكلم عما يعني هذا". وحقيقة أنني لم أنظر إلى ترددك على أنه رفض - ولا حتى على متن F بعد الجلسة - يؤكد لي إحساسي أنه عليك قراءة هذا العمل في نهاية المطاف، كما تغلبت بوضوح، على الأقل في هذه الحالة، على حالتي العصابية بخصوص علاقتك مع كتاباتي. مرت عدة جلسات بدون أن أذكر قطعة قلبي مجددا، مع أنها كانت دائما ملفوفة في حقيبتي. غني عن القول هناك العديد من الأشياء الأخرى التي يجب الكلام حولها لو وضعت باعتبارك ما مررت به، وما جرى. الآن أراك مرات أقل في الأسبوع، ولم أعد أرغب بالموت في مسيرتي، كنت قادرا على المزيد من التفكير والمشاعر المختلفة. ولكن مع مرور الجلسات، بدأت أشعر، بالضبط لأنني أشعر بنوع من النضج تجاه قطعة قلبي، أنه ليس من العدل أو أنه ليس من العدالة الإلهية أن ترفضيها، وبرفضك المقالة - ومع أننا لم نناقشها مجددا - ألا ترفضين الاعتراف بتحسني؟.
في إحدى الليالي، حينما كانت شارلوت نائمة بجواري، أدركت بلحظة خاطفة، وبقوة الإيحاء: يجب أن لا أطلب الإذن كما لو أنني طفل. يجب أن أقدم لك المجلة فقط. ويمكنك قراءتها أو عدم ذلك، ويمكننا الكلام حولها وعدم الكلام، ولكن أردت أن أعطيها لك، نقطة آخر السطر. وبالتأكيد يجب أن تقري أن ملكية القرار لي، فأنا أؤدي عملي في المؤسسة، وهو شيء،طالما ناقشناه. وفي الحقيقة من الممكن أن هذا بالضبط ما انتويت بترددك أن تصلي إليه - الظرف الذي يتعين علي أن أضطر للتصرف خلاله بدون تلكؤ، أن أعطيها لك ثم أنسحب. احتجت أن أكون على مستوى المناسبة، التي ساعدت في تحضيرها لي. نويت أن أفعل ذلك فورا حالما أدخل إلى مكتبك في موعدنا التالي. وأن يكون أول شيء أقوم به وأنا أجلس، ولكن لديك برنامج من الأسئلة لي، ثم نجد أنفسنا نتكلم عن أمور أخرى، وهكذا تتبخر من العيادة، ثم حينما ينتهي وقتنا أجد نفسي وأنا أمد يدي إلى الحقيبة. فتحت فمي لأبلغك بفصاحة قراري ولكن سمعت نفسي أهمهم شيئا عن تحسني وأنا أنهض عن الكرسي. لم أقترب منك من قبل، كان المخرج على يمين مجلسي. ولكن الآن فجأة - فجأة وببطء- زحفت نحوك مثل فرانكشتاين، مثل فرانكشتاين أوهارا وقلبه في يده وليس في جيبه، هذا الوحش الذي تم إيجاد قلبه مؤخرا وأعيد تشغيله. بدون قصد تذكرت كل الأنابيب والأسلاك التي ربطت بها في المستشفى، وتصورت أنها كانت تتبعني وأنا أتحرك نحوك مثل قاتل بالفأس، حاملا فأسا تحمل صورة قلبي، معتديا على فضائك الخاص، معتديا على فضاءات عديدة، قاذفا المؤسسة بالشتائم القذرة، وشاتما الملكية. شيء، بدأ بالحركة ولم أجد القوة لإيقافه، أردت الهروب من المكتب ولكن عجزت عن تغيير مساري. لم يكن هناك شيء أفعله، سوى تقريب المسافة بيننا، لأعطيك قطعة قلبي أو أرميك به، ولكن في النهاية وأنا أقترب - مرت ثوان فقط، وشعرت كأنني استغرقت دقائق، وكأنما أدنو منك خلال سبعة وأربعين عاما - رفعت كلتا يديك، وراحتاك نحوي. تجمدت. توقفت في مساري ميتا كما يقال. الدم يخفق في أذني. بقيت تعابيرك هادئة، ولكن احمر وجهك. قلت لي: "دعنا ننتظر ونتكلم عن الموضوع يوم الجمعة. من فضلك تريث الآن". قلت: حسنا. طبعا. وهربت.
لم نتكلم في الموضوع يوم الجمعة، أو في الجلسة التالية، ولا خلال عدة أسابيع، ولكن وجدت نفسي أفكر أنني صنعت مشهدا، وأنا أتخبط نحوك مع نهاية الجلسة، والاضطراب يغمرني بشأن ما فعلت، وافترضت أن صمتك يقصد تحريك هذه الأفكار. يمكنني رؤية عدد التصرفات "المعبرة"، والتي تقطع فكرة مفادها أنني أنظر بدون عقد لقراءتك (أو عدمها) في قطعة قلبي، ثم تساءلت إن لم تصنعي بعض العقد حين رفضت قبوله بهدوء حينما أتيحت لك الفرصة أول مرة - وهو رفض، بين أمور أخرى، لبلوغي الجانب الآخر من الجراحة، ولتري كيف حولت المعاناة إلى كتابة. إن كان دنوي منك ومعي المجلة مسألة كبيرة، فقد ساقني إلى ذلك عدم استلامك لها أولا، وهي مسألة تافهة. في ذلك الوقت كنت أحاول أن أكتب قصة جديدة، قصة لا علاقة لها بقلبي - على الرغم من أنه ما من شيء لا يمس القلب— ولكن كلما حاولت الشروع في العمل، وجدت نفسي أرفع بصري عن الصفحة أو الشاشة، مشتتا بصورة راحتيك المرفوعتين: كنت تمنعينني—تمنعينني من مواصلة الحياة والعمل رغما عن التشخيص. نعم، حسنا، كنا بحاجة إلى إعادة النقاش حول القراءة أو عدمها، وربما كان علي تفسير سبب اقترابي منك بتلك الطريقة الفوضوية، ولكن بالتأكيد كان عليك أنت أيضا تقديم بعض المراجعة الذاتية: ألا يمكن أنك، من خلال عدم قدرتك على استقبال "قطعة القلب" [المقالة]، تعبرين عن مقاومتك اللاواعية لعلاجي، ولتبادلاتنا؟ ألا يعبر ذلك عن ارتيابك بفكرة التبادل نفسها، تجاه ما يسمح لي بإعطائه، وتجاه ما يمكنك أنت أخذه؟ ربما كنت ترسلين لي دون وعي رسالة مفادها: "لا يمكنني تحمل الأمر".
ولهذا السبب، عندما عدت أخيرا إلى موضوع محاولتي الفاشلة في إعطائك المقالة، صغتها بطريقة ربما لم تكن محايدة تماما؛ حيث قلت في إحدى الجلسات، وكأنني أنا المعالج وأنت المريضة المتمردة: "أفكر أنه يجب علينا إعادة النظر في رفضك لقبول مقالتي"، وهو ما جعلك تضحكين.
"تضحكين" كلمة مبالغ بها؛ لقد أصدرت صوتا، صوتا بريطانيا خالصا، اعتبرته ضحكة مبتورة، ضحكة كتمت بنجاح شبه تام، رغما عن أنني أرجح أنه أشبه بصوت إقرار، صوت ينم عن مفاجأة خفيفة ممزوجة بالاهتمام، لكنه كان على الأقل قريبا من الضحك. مرت برهة قبل أن تقولي أي شيء، ثم سألت: "لماذا تريدني أن أقرأ المقالة؟"
وجدت هذا السؤال—بساطته وسذاجته المتعمدة—مستفزا للغاية. هل أصبت بفقدان الذاكرة؟ كيف يمكن لأمر كهذا أن يتطلب مزيدا من الشرح، ناهيك عن البدء من نقطة الصفر؟ لقد سقطت، ورأيت ذلك، وساعدتني، فقد خضعت لعملية قلب مفتوح، أتذكرين؟ هل كنت بحاجة لرؤية ندبة عملية استئصال عظم القفص؟ جروح خروج أنابيب الصدر؟ هل تحتاجين مني أن أفك أزرار قميصي هنا الآن وأريك إياها؟ لقد دخلت غرفة العمليات على قدمي ونجوت من الجراحة، وكتبت كل ذلك، ودونته في خضم الألم واضطراب نبضات القلب؛ كانت قطعة القلب جزءا مني، وكانت الكتابة الجزء الأفضل في، وكانت كتابتها جزءا من تماثلي للشفاء، وكل شخص في "طاقمي" الطبي قرأها، إلى آخر ذلك. لكن كل ما قلته هو:"ماذا تعنين بـ 'لماذا أريدك أن تقرئيها؟'".
"أعني ذلك تماما: لماذا يهمك أن أقرأ هذه القطعة بالذات؟ أن نعدل اتفاقنا؟".
"هذا الأمر مختلف". أعتقد أن حديثي عن العلاج يميل إلى الاختصار، على العكس تماما من كتابتي.
"هل يمكنك أن تخبرني مجددا لماذا هو مختلف—لماذا يختلف، مثلا، عن إعطائي نسخة من روايتك الجديدة؟".
"تريدين مني أن أكرر كل الأسباب؟ أولا، إنها قصيرة، وهي نص واقعي (غير خيالي)".
"قل المزيد عن سبب أهمية كونها نصاً واقعياً؟"
"لكننا تحدثنا بالفعل في كل هذا".
"حدث أكثر من مرة أنك تظن أنك أخبرتني بشيء أو شرحت لي شيئا بينما لم تفعل ذلك في الواقع. ثم تشعر بالخذلان والإهمال عندما لا أستحضره في ذهني. وأنا لا أريد أن أضع افتراضات هنا. لذلك أعتقد أن الأمر يستحق—".
"إنها تسجيلية. أريدك أن تعرفي كيف كان الشعور".
"ولكن يمكنك أن تخبرني كيف كان الشعور. والمشاعر التي تظهر وأنت تخبرني قد تكون أكثر أهمية من قراءتي لمقالتك، حيث قمت بصياغتها وتكوينها بالفعل".
"لماذا لا يمكن أن يكون الأمران معا؟ لماذا لا يمكنك قبول هذه الكتابة وفي الوقت نفسه نتحدث؟"
"أنا مهتمة بكلمة 'قبول' هذه. ما يمكنني قبوله منك، ولكن أيضا، ربما، عمليتك الخاصة في قبول حقيقة كل الـ—"
"ليس عليكِ حتى قراءتها، كنت أريدك فقط أن تأخذيها، لتكون لديك حرية الاختيار".
"ماذا سيحصل لكَ إذا أخذتها وقبلتها، لكنني لم أقرأها؟ لم أستخدم خيار القراءة؟"
"إنها لفتة".
"وأنا أقترح أن نفكك معنى هذه اللفتة".
"أشعر أن الافتراض كله خاطئ هنا. لماذا يقع عبء الشرح علي لأبرر رغبتي في مشاركة شيء هام بهذا الوضوح؟ أليس العبء عليك لتشرحي— لماذا لا يقع العبء عليك لتقولي—" شعرت بوجهي ترتفع حرارته.
"هل ترى نفسك عبئاً علي؟ أن هناك حدا لما يمكنني تحمله؟"
"لا". نعم. "لا يوجد شيء يمكن أن تقوله في جلساتنا أكثر من طاقتي". كانت تلك الجملة أكثر من طاقتي وتحملي. "ما أضغط عليه وأحاول فهمه هو فكرة أن كتابتك يجب أن تحول بين—"
"حسناً، لننس الأمر".
"ما هو 'الأمر' الذي ننساه؟"
"أنني أردت أن—" لقد أربكتني. بدأت أتفحص رفوف كتبك وكأن شيئا هناك قد يساعدني.
"لا أعرف لماذا أصبحت عاطفيا هكذا. أظن أنني أردت فقط—"وهنا فرضت صمتا كان هو صوت "الإطار" نفسه [إطار الجلسة العلاجية
البني والرمادي في الشتاء، وكيف ظننت أنها يجب أن تهاجر، بينما هي في الواقع هنا طوال الوقت؛ إنها تبدل ريشها وتغير لونها في الربيع، وتحول لونها الموسمي شديد للغاية، لذلك كنت تنتظرين عودة طيور الحسون بينما كانت موجودة بالفعل.تقول المقالة إن لديك فناء خلفيا صغيرا، لذا أفترض أنك تعيشين في بروكلين، ربما بالقرب من مقبرة "غرين-وود" أو "بروسبكت بارك"، بالنظر إلى حركة الطيور التي تصفينها. أم أن هذا حصل عندما كنت تعيشين في لندن؟ لم أصادف عبارة "سقوط الطيور المغردة" من قبل. في المرة الأولى كنت أتصفح جملك فقط، لأرى ما إذا كانت جيدة بما يكفي، ولكن الآن من الصعب ألا أسقط نفسي داخل مبناك، ألا أحلق فوق أحد تلك الهياكل المعدنية المنحنية للشرفات في الشارع الثالث والعشرين، مثلا، وأنظر إلى الألعاب المتناثرة على السجادة البيضاء والكتب على رفوفك والإطارات على جدرانك. (رؤية لوحة فرانكنثالر المطبوعة). من الصعب ألا أفتح الثلاجة، الخزائن، وصيدلية الأدوية، لأرى كيف تعيشين، ما الذي يدور داخل بيتك وجسدك، أن أعرف أكثر من اللازم. من الغريب أن لديك نفس اللعبة المتحركة التي تدور ببطء فوق سرير الأطفال—تلك الصور الظلية للطيور بألوان دافئة—والتي كانت لدينا في غرفة أطفالنا. فقد وضعناها في الشارع في أحد فصول الربيع؛ ربما التقطتها أنت.ثم يمر زوجك ويخترقني تماما. يضع سماعات في أذنيه، وأظن أنه يتحدث الكورية، يبدو قلقا، يرتدي كمامة KN95 سوداء ويغادر الشقة على عجل. أتساءل ماذا يوجد في حقيبته، ما هي وسائل الراحة الصغيرة التي طلبت منه إحضارها. هل تعرفين ذلك الشعور عندما يمر شخص ما عبر حضورك المائي (الشفاف) في حلم اليقظة الصغير أثناء القراءة، أو الإمعان في القراءة؟ لم أكن متأكدا من أن هذا يمكن أن يحدث حتى الآن بعد أن أصبح شرياني الأبهر من البلاستيك، لكنه يحدث. لا أعرف ما إذا كنت في ذلك الوقت الطويل قد توقفت عن القراءة أم أنني حجزت ما قرأته: أنك أنجبتِ أثناء فترة الإغلاق التام (الحظر) وأن طفلتك كانت بحاجة إلى جراحة. والمغزى هنا هو أن المشكلة تتعلق بالقلب. ربما ثقب فيه؟ لدى زميل شارلوت طفل خضع لعلاج ذلك بعد أشهر قليلة من ولادته. ولكن إذا كانوا قد أجروا العملية على الفور، فلا بد أن الأمور كانت حرجة، خاصة بالنظر إلى أن المستشفيات مكتظة ومستنزفة. تكتبين أنهم أخبروك أن رئتيها كانتا بحجم حبتي برقوق، وأن قلبها كان بحجم حبة جوز (قلب طائر الحسون بحجم حبة عدس)؛ لم تحددي ما كان عليهم فعله، ربما لحماية خصوصيتها المستقبلية أو خصوصيتك، ربما لم يكن الأمر يتعلق بالقلب على الإطلاق، ربما كانوا يفرغون السوائل بإبرة فحسب، وهو أمر روتيني، ولكن في مخيلتي القصصية، العملية هي عملية قلب مفتوح. وحتى لو كنت في غرفة العمليات لفترة وجيزة—حيث يعزفون موسيقى التشيلو الهادئة—فإنني لن أنظر، ولن أتنفس فوق أي شيء، لعدم وجود خطر بالتلوث. يمكنني التمييز بيننا؛ هي ليست ابنتي، وأنا لست ابنك. في نهاية مقالتك، تبدو الأمور على ما يرام: طفلة صغيرة تغمغم وتساعدك في وضع بذور "النيجر" في المغذية. لكنني أفكر في لون بشرتك، المرات القليلة التي تغير فيها عندما وصفت كل ما كنت متأكدا من أنه سيحدث بشكل خاطئ في جراحتي، كل الأضرار الدائمة التي خشيتها، عندما عددت كل كارثة محتملة في حالة الذعر التي عشتها. أتذكر كيف كان عليك في ذلك اليوم، قبل أن أقترب منك ومعي المجلة، أن تتحدثي معي بشأن جدولة المواعيد. ربما كان عليك أخذ ابنتك لإجراء الفحوصات والأشعة؟ أحيانا يتسبب الجهد المبذول لمنع الأشياء من التلامس في تمدد الأوعية الدموية الصغيرة في الوجه. لكنني لا أعرف، ولست بحاجة إلى أن أعرف. لقد جئت لأفهم إيماءاتك على نحو مختلف، لقد أوقفتني براحتيك قائلة: "من فضلك تريث الآن" - يا له من كلام جميل. أوقفتني كي أتابع. ولكنني تركتها على متن القطار.
***
.........................
* منشورة في نيويوركير، عدد 29 حزيران 2026.
هوامش المترجم:
1 مثبطات الأدرينالين.
2 الكآبة القلبية.
* بين ليرنر Ben Lerner - كاتب أمريكي معاصر. حاز على جائزة جورج أورويل في الرواية السياسية عن كتابه "نقوش".








