عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

بولص آدم: نادية هناوي.. تترك للنص جهةً أخرى

هناك نقاد يقرأون النصوص كما تُقرأ الوثائق: يثبتون حدودها، يسمّون عناصرها، ثم يمضون. وهناك من يقترب من النص كما يقترب المرء من مكان يعرف أن في صمته كلامًا لم يُقل بعد. أ.د. نادية هناوي من الصنف الثاني؛ الباحثة والناقدة وأستاذة النقد الحديث والنظريات النقدية والسرديات في الجامعة المستنصرية، التي جعلت من البحث الأدبي إقامة طويلة في السؤال، ومن النقد طريقًا لاكتشاف ما يظل في النص بعد أن تفرغ القراءة من ظاهره.

يمتد منجزها في مساحات واسعة من النقد الحديث والسرديات وفلسفة الجمال، ويتصل بالتحولات التي شهدتها الكتابة العربية ومناهج قراءتها. وقد راكمت خلال سنوات عملها الأكاديمي والثقافي عددًا كبيرًا من الكتب والدراسات والبحوث، حتى غدت تجربتها واحدة من التجارب النقدية العراقية الحاضرة في المشهد العربي، بما راكمته من معرفة ومتابعة واجتهاد، وبما منحتْه للنص العربي من قراءات تتسع لأسئلته وتحولاته.. وتكفي عناوين كتبها لتلمّح إلى اتساع هذا الطريق؛ ففي «موسوعة السرد العربي: معاينات نقدية ومراجعات تاريخية» تقترب من الذاكرة السردية العربية وطبقات تشكلها، وفي «علم السرد ما بعد الكلاسيكي» تتابع التحولات التي وسّعت أفق السرديات وأسئلتها، بينما تذهب في «أقلمة المرويات التراثية العربية» و«أقلمة السرد العربي من العصور الوسطى حتى القرن التاسع عشر» إلى تتبع حركة المرويات والتقاليد السردية بين الأزمنة والثقافات، ثم تفتح في «الرواية التسجيلية: اشتراطات النوع السردي» منطقةً دقيقة بين التسجيل والتاريخ والتخييل، وتواصل النظر في مستقبل هذا الحقل في «الآفاق المستقبلية في نقد السرديات العربية». وإلى جانب هذه المشاريع تمتد كتبها ودراساتها في نقد النقد، وتحدي الشكل، ومخاتلة الدلالة، والبحث الحفري، ومشاعية تقاليد السرد العربي، وغيرها من الموضوعات التي تكشف عن باحثة لا تستقر طويلًا عند باب واحد.

ومن وراء هذا التنوع خيط يمكن تلمسه في معظم اشتغالاتها: رغبة في أن يُقرأ السرد العربي في حركته، وفي علاقته بتاريخه وذاكرته وتحولاته، وأن تُختبر المفاهيم النقدية أمام النص بدل أن يُختزل النص في المفهوم. لذلك حضرت «الاختلافية» في رؤيتها بوصفها طريقة في النظر؛ طريقة تترك الباب مفتوحًا أمام الأسئلة الجديدة، وتتعامل مع النقد باعتباره معرفة قابلة للتجدد.

وهكذا تبدو كتبها، على اختلاف عناوينها وموضوعاتها، كأنها محطات في رحلة واحدة؛ رحلة باحثة تذهب إلى النص من أكثر من طريق، وتعود منه وفي يدها سؤال آخر.

ولذلك كان لقراءتها لمجموعتي القصصية «باصات أبو غريب» وقع خاص في نفسي.

حين كتبت نادية هناوي عن المجموعة في «الشرق الأوسط»، لم تتوقف عند حكايات السجن بوصفها موضوعًا، وإنما أصغت إلى المكان وهو يتحول داخل السرد إلى ذاكرة، وإلى الجسد وهو يحمل آثار الترويع، وإلى الوثيقة والشهادة والذاكرة الشفهية وهي تدخل في نسيج الحكاية. قرأت السجن بوصفه أكثر من مكان؛ بوصفه أثرًا يبقى في الإنسان حتى بعد أن يغادر المكان. وتوقفت عند عدد من قصص المجموعة، فرأت في تفاصيلها صلات بين التاريخ والجسد والذاكرة، وانتهت إلى تقدير ما أنجزته المجموعة في بناء سرديات السجن والترويع.

كنت، وأنا أقرأ قراءتها، أشعر أن الكتاب الذي خرج من يدي ذات يوم قد عاد إليّ من طريق آخر. ثمة أشياء يكتبها الكاتب ولا يعرف تمامًا أنها استقرت في النص؛ ظلال تتوارى خلف الجملة، وعلاقات بين المكان والذاكرة والجسد لا تظهر إلا حين يأتي قارئ يعرف كيف يصغي إلى ما بين السطور.

وهذا تحديدًا ما منحته لي قراءة نادية هناوي. أعادت إليّ بعض ما كتبت، لكن بعد أن أضاءت له مواضع لم أكن أراها بالوضوح نفسه. جعلتني أنظر إلى المجموعة من مسافة جديدة، وأدرك أن الكتاب حين يغادر صاحبه يدخل في حوار آخر مع قارئ يمتلك أدواته وحساسيته وتجربته.

لهذا أعتز بقراءتها لـ«باصات أبو غريب» اعتزازًا يتجاوز المجاملة. إنها قراءة جاءت من ناقدة تعرف السرد من داخله، وتعرف في الوقت نفسه كيف تمنح النص فسحة أوسع من حكايته المباشرة. بعض القراءات تمر على الكتاب ثم تنصرف؛ وبعضها يترك فيه أثرًا يجعل الكاتب نفسه يعود إلى صفحاته القديمة كأنه يراها للمرة الأولى.

ولعل أجمل ما في تجربة نادية هناوي أنها تجمع بين صرامة الباحث وكرم القارئ. وراء المصطلح عقل يبحث، ووراء التحليل حساسية ترى الإنسان. ولذلك حين تكتب عن نص، يشعر صاحبه أن تجربته وجدت قارئًا يمنحها وقتًا كافيًا كي تكشف عن طبقاتها، ثم يترك لها حقها في الغموض والاتساع.

وفي بغداد، حيث تتراكم الذاكرة فوق الأمكنة، تبدو تجربتها النقدية متصلة بهذه المدينة بقدر ما هي متصلة بالكتاب. مدينة تحفظ حكاياتها في الحجر، وتترك بعضها للوثيقة، وبعضها للذاكرة، وبعضها الآخر ينتظر أن تأتيه كتابة تمنحه شكلًا جديدًا. وربما لهذا ظلت أسئلتها مشدودة إلى السرد والتاريخ والذاكرة والجسد؛ أشياء لا تنتهي بانتهاء الحدث، وإنما تبدأ أحيانًا بعده.

أكتب عنها اليوم بامتنان هادئ؛ عن الباحثة التي أفنت سنوات في مطاردة الأسئلة، وعن الناقدة التي وسعت مساحة النظر في السرد العربي، وعن الأستاذة التي جعلت من المعرفة الأدبية عملًا يوميًا طويل النفس. وأكتب أيضًا بامتنان شخصي، لأن كتابًا كتبته ذات وقت، وسط ذاكرة مثقلة بالمكان والوجع، وجد في قلمها قارئًا أنصف قلقه، وذهب به إلى مساحة أوسع من حدود الحكاية.

وفي هذه الأيام، أضع لها من القلب دعاءً صغيرًا يليق بمقام الامتنان، متمنياً الشفاء الناجز: أن تأتيها العافية هادئةً، وأن تستعيد أيامها خفتها، وأن يعود إلى الوقت فسحته، وإلى القلب طمأنينته، وأن تظل الكتب قريبة من يدها، والأسئلة التي أحبّتها مفتوحةً أمامها.

شكرًا يا أستاذة نادية على ما منحتِ النصوص من وقتك، وعلى ما منحتِ النقد من استقلال السؤال، وعلى قراءتك التي جعلت «باصات أبو غريب» تعود إليّ بوجه آخر. شكرًا لأنك تركتِ للنص جهةً أخرى، ولأنك، في كل مرة تكتبين فيها، تتركين للقارئ فسحةً يرى منها أبعد قليلًا.

وأنا، كاتبًا قرأتْه نادية هناوي ذات يوم، أحتفظ لتلك القراءة بمكان خاص في ذاكرتي. يكفيني أنها جاءت من ناقدة تعرف أن الكتابة لا تنتهي عند آخر سطر، وأن أجمل ما يمكن أن تفعله القراءة أن تفتح في النص ممرًا جديدًا، ثم تمضي بهدوء، تاركةً وراءها أثرًا لا يحتاج إلى كثير من الكلام.

أ.د. نادية هناوي الباحثة والناقدة وأستاذة النقد الحديث والسرديات، التي تترك للنص جهةً أخرى، وللقارئ نافذةً يرى منها ما كان غائبًا.

***

بولص آدم

........................

لتحميل المجموعة القصصية..

https://alketaba.com/%D8%A8%D9%8A-%D8%AF%D9%8A-%D8%A5%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%85%D9%88%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D8%B5%D8%A7%D8%AA-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%BA%D8%B1/

سرديات السجن والترويع الجسدي

بولص آدم يقدم مثالاً لها في «باصات أبو غريب»

د. نادية هناوي

https://aawsat.com/home/article/3049381/%D8%B3%D8%B1%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AC%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B3%D8%AF%D9%8A?page=7

في المثقف اليوم