معجم الطِّيب عند العرب، دقّة التسمية وبلاغة التفريق بين الألفاظ
قراءة في فقه اللغة عند الثعالبي واللغويين، وإضاءة على منهجي البصريين والكوفيين
ليست اللغة العربية، في جوهرها العميق، مجرد وسيلةٍ لتسمية الأشياء، وإنما هي نظامٌ دقيقٌ لرؤية العالم وتصنيف موجوداته، حتى ليغدو اختلاف اللفظ أحيانًا شاهدًا على اختلافٍ خفيٍّ في الهيئة أو الصفة أو الحال أو طريقة الاستعمال. ومن هنا نشأت في العربية ظاهرةٌ لغوية بالغة الثراء، هي التفريق بين الأسماء بحسب دقائق المعاني؛ فربما كان الشيء واحدًا في جنسه العام، ثم تتعدد أسماؤه بتعدد أوصافه وأحواله وطرائق تناوله.
ويظهر هذا الثراء بجلاء في معجم الطِّيب والعطر عند العرب؛ إذ لم تكن كلمة «الطيب» عندهم اسمًا جامعًا يُغني عن سائر الأسماء، بل كان عالمًا لغويًا واسعًا تتشعب فيه الألفاظ بحسب المادة والهيئة والرائحة وطريقة الإعداد والاستعمال. ولذلك نجد في كتب فقه اللغة والمعاجم القديمة تمييزًا بين أنواع الطيب، فيُسمّى بحسب كونه مائعًا أو يابسًا، أو بحسب كونه مسحوقًا مدقوقًا، أو بحسب طريقة تحضيره وتركيبه.
ومن الألفاظ التي تَرِد في هذا الباب المِلَاب للطيب المائع، والكَبْسُولَة أو ما يذكر في بعض الروايات بلفظ الكَبَاء للطيب اليابس، والأَلَنْجُوج لما يُدقّ ويُسحق من الطيب. ومهما اختلفت الروايات المعجمية في ضبط بعض هذه الألفاظ أو تحديد مجالها الدقيق، فإن القيمة اللغوية التي تكشفها هذه التسمية واحدة: أن العربية كانت تنظر إلى الشيء من خلال حالته لا من خلال جنسه المجرد وحده.
فالعطر، في التصور اللغوي العربي، ليس مادةً عطرية وحسب؛ بل هو مادةٌ لها هيئةٌ، والهيئة لها اسم، وطريقةُ الإعداد لها اسم، والكيفية التي يصل بها أثرُها إلى الحواس قد تكون مدخلًا إلى تسمية أخرى. وهنا تتجلى عبقرية العربية في قدرتها على الانتقال من التسمية العامة إلى التحديد الدقيق، ومن الكل إلى أجزائه، ومن الجنس إلى النوع، ومن النوع إلى الصفة.
- الثعالبي وفقه التسمية:
يأتي أبو منصور الثعالبي في مقدمة علماء العربية الذين أولوا هذه الظاهرة عنايةً خاصة، ولا سيما في كتابه الشهير «فقه اللغة وسر العربية»، حيث يتجلى مشروعه في جمع الفروق الدقيقة بين الألفاظ، وإبراز ما تنفرد به العربية من ثراءٍ في تسمية الأشياء بحسب أحوالها وخصائصها.
والثعالبي لا يتعامل مع الألفاظ بوصفها مترادفات متطابقة تمامًا، بل يرى أن وراء كل لفظة خصوصيةً دلالية، وأن الفروق بين الأسماء قد تكون نابعةً من اختلافٍ في الصفة أو الهيئة أو الدرجة أو الحال. ومن هنا فإن الحديث عن أسماء الطيب عند العرب ليس مجرد استعراضٍ لألفاظٍ غريبة، وإنما هو مثالٌ حيٌّ على ما يمكن أن نسميه «الهندسة الدلالية للغة العربية»؛ إذ تتوزع الألفاظ في شبكةٍ دقيقة، لكل اسمٍ فيها موضعه ووظيفته.
فحين يُقال إن للطيب المائع اسمًا، ولليابس اسمًا، ولما يُدق اسمًا، فإن اللغة لا تكرر الشيء نفسه بثلاثة ألفاظ، وإنما تعيد تصوير الشيء في ثلاث حالات وجودية مختلفة. فالاختلاف هنا ليس في المادة بالضرورة، وإنما في التحول الذي يطرأ عليها.
وهذا هو جوهر فقه اللغة عند الثعالبي: أن اللغة لا تكتفي بأن تقول لك «ما هذا؟»، بل تجيبك أيضًا عن سؤالٍ أكثر دقة: «على أي حالٍ هو؟»
- من الطيب إلى المِلَاب والكَبْسُولَة والأَلَنْجُوج:
إذا أخذنا الألفاظ الواردة في هذا الباب مثالًا، أمكن أن نرى كيف تعمل العربية على تفريع المعنى الواحد إلى حقولٍ جزئية.
فالطيب المائع، في التسمية التي نُقلت، هو المِلَاب؛ والطيب اليابس هو الكَبْسُولَة، أو ما يُذكر بلفظ الكَبَاء في بعض المصادر؛ أما الطيب الذي يُدقُّ ويُسحق فهو الأَلَنْجُوج.
وهذه الألفاظ، على اختلافها، تكشف أن العرب كانوا يربطون الاسم بخصائص المحسوس ربطًا وثيقًا؛ فاللغة هنا لا تنظر إلى الرائحة منفصلةً عن المادة، بل تجمع بين الحاسة والمادة والهيئة وطريقة التهيئة.
وهذه الدقة ليست ترفًا لغويًا؛ لأن الإنسان القديم كان أكثر التصاقًا بالعالم المحسوس، وكانت الأشياء تدخل في حياته من خلال تفاصيلها الدقيقة. ولذلك كان من الطبيعي أن تتسع اللغة للألوان والروائح والأصوات والأنواع والدرجات، وأن تمنح كل حالةٍ من حالات الشيء اسمًا يميزها عن غيرها.
ولعل هذا يفسر لنا لماذا كانت كتب اللغة القديمة حافلةً بما قد يبدو للقارئ الحديث ألفاظًا غريبة أو مهجورة؛ فهذه الألفاظ ليست بقايا معجمية بلا وظيفة، وإنما هي شواهد على عالمٍ لغوي كان أكثر قدرةً على التقاط الفروق الدقيقة في التجربة الإنسانية.
هل كانت العربية ترى الترادف تطابقًا؟
هنا نصل إلى مسألةٍ لغوية كبرى، هي قضية الترادف، وهي من المسائل التي اختلف فيها علماء العربية قديمًا وحديثًا.
فقد ذهب فريقٌ من اللغويين إلى إمكان وجود ألفاظ متعددة لمعنى واحد، ورأوا أن العربية واسعةٌ في الترادف، وأن تعدد الأسماء للشيء الواحد من خصائص ثرائها. ويظهر هذا الاتجاه في كتب جمع الألفاظ والصفات، وفي أعمال علماء مثل الثعالبي وغيرهم.
لكن فريقًا آخر رأى أن ما يبدو ترادفًا تامًا قد يخفي وراءه فروقًا دقيقة؛ فالألفاظ المتقاربة في المعنى قد تختلف في السياق أو الدرجة أو الاستعمال أو الإيحاء. ومن هنا جاءت عناية طائفة من علماء العربية بما يسمى الفروق اللغوية، ومحاولتهم الكشف عن الفاصل الدقيق بين الألفاظ المتشابهة.
ومن هذه الزاوية، فإن أسماء الطيب مثالٌ بالغ الدلالة؛ فليس من الضروري أن تكون المِلَاب والكَبَاء والأَلَنْجُوج أسماء مترادفة ترادفًا مطلقًا، بل قد يكون كل اسم منها ناظرًا إلى حالةٍ مخصوصة من أحوال الطيب.
وهنا تتجلى قيمة المنهج الثعالبي: ليس كل تعدد في الألفاظ تكرارًا للمعنى، بل قد يكون تعدد الألفاظ نتيجةً لتعدد زوايا النظر إلى المعنى الواحد.
- البصريون والكوفيون: منطق القياس والسماع:
أما إذا انتقلنا إلى موقف النحاة البصريين والكوفيين، فإننا ندخل إلى مسألة أوسع من أسماء الطيب، وهي مسألة مصادر الاحتجاج اللغوي ومناهج بناء القاعدة.
فقد عُرف الاتجاه البصري بعنايةٍ شديدة بالقياس، والاحتراز في قبول الشواهد، والبحث عن القاعدة المطردة التي يمكن أن تنتظم تحتها الظواهر اللغوية. وكان البصريون أكثر تشددًا في الاحتجاج بما لا يثبت عندهم من كلام العرب، وأميل إلى بناء النظام النحوي على أصولٍ كلية منضبطة.
أما الكوفيون فكانوا أوسع روايةً وأميل إلى قبول المسموع من كلام العرب، وأقل تضييقًا في الاحتجاج باللغات واللهجات المختلفة، ولذلك اتسع عندهم مجال الاستشهاد بالنوادر والشواذ وما ورد عن قبائل العرب، ما دام له أصل في السماع.
غير أن هذه المقابلة لا ينبغي أن تُفهم على أنها قطيعةٌ مطلقة بين المدرستين؛ فالبصريون لم يهملوا السماع، والكوفيون لم يهجروا القياس، وإنما كان الاختلاف بينهما في درجة الاعتماد على كل مصدر وحدود الاحتجاج به.
وهذا التفريق مهم عند الحديث عن الألفاظ المعجمية النادرة؛ لأن اللفظ الغريب لا يصبح صحيحًا لمجرد وروده في رواية واحدة، كما أن ندرته لا تعني بالضرورة بطلانه. وإنما يُنظر في مصدره، ورواياته، وضبطه، وشواهده، واستعمال العرب له.
ومن هنا يمكن القول إن البحث في ألفاظ مثل المِلَاب والكَبَاء والأَلَنْجُوج ينتمي أساسًا إلى مجال المعجم وفقه اللغة أكثر مما ينتمي إلى النحو بمعناه الاصطلاحي. فالنحاة البصريون والكوفيون كانوا معنيين أساسًا بنظام التركيب والإعراب والقياس والسماع، بينما كان فقهاء اللغة وأصحاب المعاجم أوسع عنايةً بتصنيف الأشياء وأسمائها وخصائصها.
فقه اللغة: حين تصبح الأشياء أبوابًا إلى اللغة:
إن أعظم ما تكشفه هذه الظاهرة أن فقه اللغة العربي لم يكن علمًا للفظ وحده، بل كان علمًا للعلاقة بين اللفظ والعالم.
فالعرب سمّوا الأشياء بحسب ألوانها، وروائحها، وأصواتها، وأشكالها، وأحجامها، وطرائق استعمالها، ومراحل تحولها. ولذلك اتسع معجمهم اتساعًا مذهلًا؛ لأن الحياة نفسها كانت تُرى بعينٍ دقيقة، وكان لكل فرقٍ محسوسٍ أو معنوي احتمالٌ في أن يجد له مكانًا في اللغة.
وفي هذا السياق يصبح كتاب الثعالبي «فقه اللغة وسر العربية» سجلًا مهمًا لهذه الحساسية اللغوية؛ إذ يقدم لنا صورةً عن عقلٍ لغوي لا يكتفي بالعام، بل يبحث عن الخاص، ولا يرضى بالجنس إذا كان النوع ممكنًا، ولا بالنوع إذا كانت الصفة قابلةً لأن تكون عنوانًا للتسمية.
وهذه هي قيمة فقه اللغة في أعمق معانيه: أن يعلّمنا كيف كانت العربية تنظر إلى الأشياء، لا كيف كانت تسميها فحسب.
- اللغة ذاكرة الحضارة:
إن الألفاظ التي تبدو اليوم غريبة، مثل أسماء الطيب وأدواته وهيئاته، تحمل في داخلها جزءًا من ذاكرة الحضارة العربية. فحين تختفي الكلمة من التداول، لا يختفي لفظٌ فحسب، بل يوشك أن يختفي معه عالمٌ من التجربة والمعرفة.
إن كلمةً واحدة قد تختصر طريقةً في صناعة العطر، أو هيئةً في استعماله، أو مادةً كانت شائعةً في زمنٍ مضى. ولذلك فإن حفظ هذه الألفاظ ليس ضربًا من الحنين إلى الغريب والمهجور، بل هو حفظٌ لجزء من الذاكرة الثقافية والأنثروبولوجية للغة.
ومن هنا تبدو عناية الثعالبي وأمثاله من فقهاء اللغة ذات قيمة تتجاوز حدود المعجم؛ لأنهم لم يجمعوا الكلمات لمجرد الجمع، بل حفظوا من خلالها طرائق العرب في إدراك العالم وتصنيف الموجودات.
إن أسماء الطيب عند العرب تفتح لنا بابًا واسعًا إلى سرٍّ من أسرار العربية: أن اللغة كلما ازدادت دقةً في تسمية الأشياء، ازدادت قدرةً على صيانة الفروق التي يصنعها العقل والحس والتجربة.
فالطيب عند العرب ليس كلمةً واحدة تنتهي عند معناها العام، وإنما عالمٌ تتعدد فيه الأسماء بتعدد الأحوال؛ فالمائع له تسمية، واليابس له تسمية، والمدقوق له تسمية، كما تتعدد الأسماء بحسب المادة والرائحة وطريقة الإعداد والاستعمال.
وفي هذا تتجلى عبقرية العربية التي أدركها فقهاؤها الأوائل، وأبرزهم الثعالبي، حين جعلوا من الفروق الدقيقة بين الألفاظ موضوعًا للبحث والتأمل. كما أن اختلاف البصريين والكوفيين في طرائق الاحتجاج يعلّمنا أن الحكم على اللفظ لا ينفصل عن منهج النظر في اللغة: أهو سماعٌ أم قياس؟ أهو مطّرد أم نادر؟ أهو فصيحٌ ثابت أم روايةٌ تحتاج إلى تثبّت؟
وهكذا فإن فقه اللغة ليس علمًا للماضي وحده، بل علمٌ لفهم العقل الذي صنع اللغة؛ وحين نتأمل ألفاظًا قليلة التداول، كأسماء الطيب، فإننا لا نستعيد كلماتٍ من معجمٍ قديم فحسب، بل نستعيد طريقةً كاملة في النظر إلى العالم، حيث كان الإنسان العربي يرى في اختلاف الهيئة اختلافًا في الاسم، وفي اختلاف الاسم اختلافًا في المعنى، وفي دقة المعنى دقةً في الوجود نفسه.
ولعل أعمق أسرار العربية أن الأشياء عندها لا تُسمّى فقط بما هي عليه، بل بما تكون عليه؛ فالمادة إذا تغيّرت حالها تغيّر اسمها، وإذا تغيّرت صفتها تغيّرت دلالتها، وإذا دقّت الفروق بين الموجودات اتسعت اللغة لتحتضنها. ومن هنا كان معجم الطيب صورةً مصغّرةً من عبقرية العربية الكبرى: لغةٌ ترى التفاصيل، ثم تمنح كل تفصيلٍ اسمه.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين








