قراءات نقدية
طارق الحلفي: حين يصبح الركام ذاكرة

قراءة في قصة "هدايا من عتمة الركام" للقاصة سعاد الراعي
***
الطفولة حين تنقلب إلى شهادة على الخراب
تفتح القصة نافذتها على عالمٍ متشظٍّ بين الموت والرجاء، حيث تُمسي الطفولة مجرَّدة من براءتها، مثقلة بالحروب التي تصنع رجالًا صغارًا قبل الأوان. "هبة"، بطلتنا ذات الأعوام الستة، ليست مجرد طفلة، بل هي انعكاسٌ لحالة أجيالٍ ولدت وسط النيران، وكأنها ابنة الرماد الذي يتجدد مع كل قصف، مثل طائر الفينيق الذي يستحيل رماده حياةً جديدة، ولكن بفارقٍ مرير: هذه الحياة لا تزال محاصرة بالموت.
وسط عالم تلاشى تحت القصف، وتحت سماء لم تعد تحمي، تسير الطفلة هبة بين أنقاض بيتهم، بحثًا عن هدايا العيد لأمها وأختها. ليس في المشهد ما يوحي بالعيد سوى عناد الأمل في قلبها، قلب صغير لم يتوقف عن الإيمان بوجود ما يستحق الحياة وسط هذا الدمار. هنا تتجلى أكثر الصور إيلامًا للمأساة الإنسانية في غزة: حين تتحول مخلفات الحرب إلى ذكريات، وتصير الحجارة بقايا الأحبة.
بساطة المعاناة وعظمة الدلالة
تبدأ القصة بتصوير هبة وهي مربوطة بحبلٍ إلى والدتها وأختها، كأن القدر قد كبّلها قبل أن تمتلك حتى حرية الطفولة. إنها ليست مجرد صورة عابرة، بل رمزٌ قويٌّ للارتباط الجبري بالمأساة، إذ لا خيار لها سوى البقاء داخل هذه الدائرة المغلقة من الفقد والخوف. غير أن فعلها الأول في القصة هو محاولة الانعتاق: تفكّ قيودها، ليس بمعنى التمرد، بل كاستجابة لغريزة البقاء، وكأنها تسعى خلف بارقة من النور وسط العتمة.
تتحرك القصة بين لحظتين زمنيتين: الماضي حيث البيت والحياة، والحاضر حيث الدمار والفقد. هذه المفارقة تُكسب الأحداث بعدًا دراميًا مؤلمًا، فالطفلة لا تبحث عن كنوز ولا عن دمية أو قطعة حلوى كما يفعل أقرانها، بل تنبش في الركام عن بقايا حياة.. عن أشياء يمكن أن تُهدى.. عن رموز تعيد تشكيل صورتها عن ذاتها.. عن بقيةٍ من دفء العائلة التي انهارت تحت القصف.. وعن عائلتها التي ضاعت في رماد القصف، وما تجده ليس مجرد أشياء، بل شظايا ذاكرة متشظية، قطعًا من حياةٍ كانت نابضة ذات يوم.
الصورة الرمزية للأشياء:
الحَجَر والإبزيم والدبوس: دلالات الرماد والهوية والذاكرة
الحَجَر: شاهدة الألم وبصمة الغياب
حين تلتقط هبة الحجر الملطخ بدم والدها وأخيها، لا تراه مجرد حجر، بل هو شهادة دامغة على الفقد.. أثر باقي من حياة زالت، وقطعة من ذاكرةٍ ترفض أن تمحى.. للحجر هنا رمز مزدوج:
1. شاهد قبر غير مُعلن، حيث يرقد الأحباء دون وداع.
2. ذاكرة ملموسة، تتحدى النسيان والطمس، وكأن الطفلة ترفض أن يموت والدها وأخوها في العدم.
ان هذا الحجر هو صكّ الملكية الوحيد المتبقي لعائلة هبة على هذه الأرض.. انه ليس جمادًا.. بل نبضًا في يد طفلة، وشهادة على أن المكان لم يكن مجرد أنقاض، بل بيتًا وروحًا وحياة.
الإبزيم: آخر خيط يربطها بالأب
حين تعثر هبة على إبزيم حزام والدها، لا تراه مجرد معدن محترق، بل رباطًا أخيرًا بينها وبين الأب الذي لم يعد هنا.. يذكّرنا هذا الرمز بما تعنيه الممتلكات الشخصية لمن فقدناهم؛ كيف يمكن لشيء صغير كإبزيم أن يكون أثقل من جبل حين يُحمل بذاكرة القلب.. أنها تستعيد عبره شيئًا من الأمان الغائب.
الدبوس: أثر الطفولة المسلوبة
أما الدبوس المعدني، الذي كان يربط لفافة أخيها الرضيع، فهو أكثر الرموز قسوة. إنه بقايا براءة لم تكتمل، وطفولة توقفت قبل أن تبدأ. إن التقاطها لهذا الدبوس لا يأتي من باب الصدفة، بل هو محاولة لا واعية لاحتضان الذكرى، لملامسة ظلّ الأخ الغائب.. تحمله كما لو أنها تحضن ما تبقى من أخيها، وكأنها تطوي بين راحتيها أنفاسه التي لم تعش طويلًا.
الطفولة حين تُسلب، والمستقبل حين يُسرق
تمثل شخصية هبة نموذجًا لما تصنعه الحرب بطفولة الإنسان، فهي لم تعد مجرد طفلة، بل أصبحت ذاكرة حية للفقد والمعاناة. فالطفلة هبة ليست استثناءً في واقع غزة، بل هي مثال يتكرر كل يوم.. والحرب هنا لا تقتل الجسد فقط، بل تقتل الطفولة، فهي تجبر الصغار على حمل مسؤوليات أكبر من أعمارهم.. انها تجبرهم على نسيان اللعب، وعلى استبدال الدمى بحجارةٍ. ففي عمر سنوات ست تحمل هبة من النضج ما يفوق سنها، وما في يدها الصغيرة ليس سوى ذكريات مفجعة من تحت الركام..
الحرب هنا ليست فقط دمارًا ماديًا، بل تدميرًا نفسيًا بطيئًا، يخلّف أرواحًا صغيرة محملةً بحزنٍ لا يليق بسنها.. وحياةً فقدت ألوانها قبل أن تبدأ..
ان المأساة الحقيقية ليست فقط فيما حدث، بل فيما سيأتي، في أجيالٍ تنشأ وسط هذا الدمار، فلا يبقى لديها سوى خيارين: الصمود أو الفناء.
بين جدار برلين وأنقاض غزة
يدخل الصحفي إلى المشهد كعينٍ خارجية ترصد الحدث، لكنه سرعان ما يتحول إلى شاهدٍ مغلوبٍ على أمره أمام عظمة ما يرى.. عدسته التي أرادت نقل الخبر وجدت نفسها تنقل إنسانيةً لا يمكن أن تختزلها الكلمات، فتتحول الطفلة إلى صورة تعبيرية تلخص معاناة غزة بأكملها.
حين يقارن الصحفي بين حجارة جدار برلين التي تباع كتذكارات وبين أنقاض غزة التي تباع بقرار سياسي، فإنه يضع المأساة في إطار عالمي من التهجير والاستغلال السياسي.
** جدار برلين كان رمزًا للانقسام ثم للتحرر، أما بيوت غزة المهدمة، فتضع الحرب في سياق أوسع.. انها ليست إلا ضريبة تُدفع.. لقرارات سياسية لا ترى في البشر إلا أرقامًا في صفقات التهجير والاقتلاع.. وما حجارة غزة الا "تصفية حسابات"، تُدمَّر ليُمحى أثر أهلها، ويُشترى مصيرها بقرارات القوى الكبرى.
** المفارقة أن أنقاض برلين صارت تذكارًا للحرية، بينما أنقاض غزة تُباع ضمن صفقات التهجير الجماعي، كما يتجلى في مشروع شراء أرض غزة بقرار ترامب، وكأن الأرض لا تُشترى الا بدم أصحابها.
** الاحتلال والتشريد يصبح جزءًا من منظومة عالمية تتكرر بأشكال مختلفة عبر التاريخ.
البساطة العميقة في نصٍّ مشحونٍ بالعاطفة
تنتمي القصة إلى السرد الواقعي العاطفي، حيث تتشابك التفاصيل الصغيرة مع دلالاتٍ كبرى.. اللغة بسيطة لكنها مغموسة بالشاعرية، فكل جملة تحمل شحنة وجدانية، تبتعد عن المباشرة.. لكنها تغرس المعنى في عمق القارئ دون عناء.
الحوار قليل، لكنه مكثف، حيث تمسك الطفلة بهداياها وتجيب بكل براءة:
"أبحث عن هدايا لأمي وأختي، لأن اليوم عيد."
وكأنها بهذه الجملة تعيد تعريف الهدايا والحياة والعيد نفسه، العيد هنا ليس احتفالًا، بل هو استعادة لما تبقى من العائلة، والهدايا ليست مجرد أشياء، بل هي شواهد على وجود من رحلوا.
بين الذاكرة والنجاة
هبة ليست مجرد شخصية.. بل صوتًا لكل الأطفال الذين نشأوا وينشأون وسط الدمار.. فلا يجدون في الركام إلا ما يربطهم بماضٍ كان ينبغي أن يكون حاضرهم ومستقبلهم.
القصة تلقي الضوء على مأساة تتكرر بلا انقطاع، حيث الحروب ليست فقط معارك على الأرض، بل صلب مستمر للطفولة، وتحويل للأحلام إلى ركام.
يد هبة الصغيرة، لا تحمل مجرد حجارة، بل تاريخًا مشبعًا بالألم، وذكرى ترفض أن تُنسى، تمامًا كما تأبى غزة أن تُمحى رغم كل ما يحيط بها من ظلام.
هكذا تتحول أبسط الأشياء إلى أعمق الرموز، وتصير الحجارة ذاكرة.. والدبوس ذكرى.. والإبزيم رابطًا أخيرًا بعالم لم يعد موجودًا.
لقد نجحت القاصة الراعي سعاد في ان تسلمنا الى هبة التي أخذتنا في جولتها لسماع حكاية غزة كاملة..
**
طارق الحلفي
..............................
الرابط:
https://www.almothaqaf.com/nesos/980644