عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: المونيم.. أصغر وحدة دلالية في التحليل اللساني

بين اللسانيات البنيوية والتراث اللغوي العربي.. قراءة في ضوء اللسانيات الحديثة وفقه اللغة العربية

لم تعد اللغة في الدرس اللساني الحديث مجرد وعاءٍ للأفكار أو أداةٍ للتواصل، بل أصبحت نظاماً رمزياً بالغ التعقيد، تحكمه قوانين داخلية دقيقة تتشابك فيها الأصوات والصيغ والتراكيب والدلالات. ومن هنا انصرفت اللسانيات البنيوية إلى تفكيك هذا النظام إلى وحداته الأولية، بحثاً عن اللبنات التي يقوم عليها البناء اللغوي. وإذا كان الفونيم يمثل أصغر وحدة صوتية وظيفية، فإن المونيم يمثل أصغر وحدة لغوية ذات قيمة دلالية أو وظيفة نحوية، وهو المفهوم الذي بلوره اللساني الفرنسي أندريه مارتينيه في إطار نظريته في التمفصل المزدوج.

غير أن المتأمل في التراث العربي يدرك أن علماء العربية، وإن لم يستعملوا مصطلح "المونيم"، قد أدركوا مضمونه منذ قرون، حين درسوا الأبنية الصرفية، والزوائد، واللواحق، والضمائر، والحروف، وأثرها في توليد المعاني. فالمونيم في جوهره ليس غريباً عن العقل اللغوي العربي، بل إن جذوره المعرفية مبثوثة في مؤلفات سيبويه، وابن جني، وعبد القاهر الجرجاني، وابن فارس، والراغب الأصفهاني وغيرهم.

المونيم وتمفصل اللغة:

يرى مارتينيه أن اللغة تتميز بخاصية فريدة هي التمفصل المزدوج؛ فالتمفصل الأول يتكون من المونيمات التي تحمل المعنى، أما الثاني فيتكون من الفونيمات التي لا تحمل معنى، وإنما تميز بين الكلمات.

ففي كلمة "كاتب" مثلاً نجد:

كتب: مونيم معجمي يدل على فعل الكتابة.

ـ (صيغة اسم الفاعل): مونيم صرفي يمنح الجذر معنى الفاعلية.

وفي كلمة "المعلمون" نجد ثلاثة مونيمات:

الـ: التعريف.

معلم: الدلالة المعجمية.

ون: جمع المذكر السالم.

ولو حذف أحد هذه المونيمات لتغير المعنى أو الوظيفة النحوية.

أما الفونيم فلا يحمل معنى، وإنما يميز بين الدلالات، فاستبدال - ك-  بـ - ق- في:

كتب -  قطب

ينتج كلمة مختلفة دون أن يكون لأي من الصوتين معنى مستقل.

المونيم في ضوء التراث العربي

سبق علماء العربية إلى إدراك أن الكلمة ليست كتلة جامدة، وإنما هي بنية تتألف من عناصر لكل منها وظيفة.

يقول سيبويه إن الحروف "تدخل لمعانٍ"، وهي عبارة تختصر مفهوم المونيم النحوي بأدق صورة.

ففي قوله تعالى:

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ﴾

نجد أن الباء ليست صوتاً زائداً، وإنما مونيم يدل على الإلصاق أو الاستعانة بحسب السياق.

وكذلك:

﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

فـ"إنَّ" مونيم نحوي يؤدي وظيفة التوكيد.

وفي قوله تعالى:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾

تمثل اللاحقة "ون" مونيم الجمع المذكر، وتمثل "ات" مونيم جمع المؤنث.

وهذه الوحدات كلها ذات وظيفة مستقلة، وهو عين ما تقصده اللسانيات الحديثة بالمونيم.

ابن جني والمونيم:

يعد ابن جني من أكثر اللغويين العرب اقتراباً من التصور البنيوي.

ففي كتابه الخصائص يقرر أن تغير الصيغة يؤدي إلى تغير المعنى.

ويفرق بين:

كتب

كاتب

مكتوب

كتاب

مكتبة

ويرى أن اختلاف الأبنية ليس شكلياً، وإنما يولد دلالات جديدة.

وهذا يعني أن الأوزان الصرفية نفسها تؤدي وظيفة المونيمات.

بل إن ابن جني يذهب إلى أبعد من ذلك حين يربط بين البنية الصوتية والدلالة، وهو ما سيعرف حديثاً بالرمزية الصوتية.

ابن فارس والجذر الدلالي:

يرى ابن فارس في كتاب مقاييس اللغة أن لكل جذر أصلاً دلالياً تتفرع عنه الاستعمالات المختلفة.

فالجذر:

(ك ت ب)

يدل على الجمع والضم.

ومن هذا الأصل تولدت:

كتب

كتاب

كاتب

مكتبة

مكتوب

اكتتاب

مكاتبة

فالجذر يمثل المونيم المعجمي المركزي، بينما تضيف الأبنية واللواحق معاني جديدة.

عبد القاهر الجرجاني ووظيفة العلاقات:

لم يكن اهتمام عبد القاهر منصباً على الكلمة المفردة، بل على العلاقات التي تربط الوحدات داخل الجملة.

وفي نظريته في النظم يؤكد أن المعنى لا ينشأ من الكلمات منفردة، بل من انتظامها.

وهذا ينسجم مع تصور المونيم النحوي الذي يحدد العلاقات بين عناصر الخطاب.

ففي الجملة:

"كتب الطالبُ الدرسَ"

يؤدي ترتيب المونيمات وعلامات الإعراب وظيفة إنتاج المعنى.

ولو قلنا:

"كتب الدرسُ الطالبَ"

لتغيرت العلاقات، ومن ثم تغير المعنى.

الراغب الأصفهاني والدلالة

في المفردات في غريب القرآن يقرر الراغب أن اللفظ لا يكتسب معناه إلا داخل شبكة من العلاقات.

وهذا يقترب من التصور التداولي الحديث الذي يجعل المونيم وحدة وظيفية داخل السياق.

أنواع المونيم:

يمكن تقسيم المونيمات إلى قسمين:

أولاً: المونيمات المعجمية

وهي التي تحمل المعنى الأساسي.

مثل:

علم

شجر

بحر

إنسان

كتب

ثانياً: المونيمات النحوية

وهي التي تؤدي وظائف صرفية أو تركيبية.

مثل:

الـ

من

إلى

سوف

قد

لن

تاء التأنيث

واو الجماعة

نون النسوة

ألف الاثنين

نماذج عربية

المثال الأول

المسلمون

تنقسم إلى:

الـ

مسلم

ون

المثال الثاني

ستكتبون

سـ

كتب

ون

المثال الثالث

مكتبات

مكتب

ات

المثال الرابع

قوله تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

الواو مونيم للعطف.

أل للتعريف.

غفور مونيم معجمي.

رحيم مونيم معجمي.

المونيم واللسانيات الحاسوبية

أصبح مفهوم المونيم من أهم أدوات معالجة اللغة العربية بالحاسوب.

فالبرامج الحديثة تقوم أولاً بتجزئة الكلمات إلى وحداتها الصرفية.

فعند تحليل كلمة:

"وسيكتبونها"

يمكن للحاسوب استخراج:

و (العطف)

س (الاستقبال)

كتب (الجذر المعجمي)

ون (الجمع)

ها (ضمير المفعول)

ومن هنا أصبحت دراسة المونيم أساساً في:

الترجمة الآلية.

الذكاء الاصطناعي.

محركات البحث.

تحليل المشاعر.

بناء المعاجم الإلكترونية.

تعليم العربية للناطقين بغيرها.

المونيم والمدرسة التوليدية

رأى نعوم تشومسكي أن وصف الوحدات اللغوية وحده لا يكفي، وأن الأهم هو تفسير القدرة الذهنية التي تمكن الإنسان من إنتاج عدد لا نهائي من الجمل.

ومع ذلك، بقي المونيم وحدة أساسية في التحليل الصرفي والمعجمي، حتى داخل الدراسات التوليدية واللسانيات الحاسوبية، لأن بناء الجملة يبدأ من الوحدات الدلالية الصغرى قبل انتقالها إلى البنية التركيبية.

خاتمة

يكشف مفهوم المونيم عن عبقرية البناء اللغوي؛ فهو الحلقة التي تصل الصوت بالمعنى، والصرف بالنحو، والمعجم بالسياق. وإذا كان أندريه مارتينيه قد صاغ هذا المفهوم في إطار اللسانيات البنيوية، فإن التراث العربي كان قد مهّد له عملياً من خلال تحليل الجذور، والأوزان، والحروف، والضمائر، والعلاقات النحوية، حتى غدت العربية واحدة من أغنى اللغات التي تتجلى فيها وظيفة المونيم بوضوح ودقة.

ومن ثم فإن الإفادة من هذا المفهوم لا تعني استيراد مصطلح غربي فحسب، بل إعادة قراءة التراث العربي في ضوء المناهج اللسانية الحديثة، بما يكشف عن حيوية الفكر اللغوي العربي وقدرته على الحوار مع النظريات المعاصرة، ويؤكد أن العربية ليست لغةً للماضي، بل لغةٌ قادرة على استيعاب أحدث مناهج البحث اللساني والذكاء الاصطناعي وتحليل الخطاب.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

...................

أهم المراجع

١- مبادئ في اللسانيات العامة.

٢- محاضرات في اللسانيات العامة.

٣- قضايا في اللسانيات المعاصرة.

الخصائص.

الكتاب.

مقاييس اللغة.

دلائل الإعجاز.

المفردات في غريب القرآن.

في المثقف اليوم