عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

سليم جواد الفهد: طبيعة "الدولة الدينية" الثيوقراطية وإشكالياتها البنيوية

مقدمة: جوهر الموضوع الذي نناقشه في هذه الدراسة يكمن في العلاقة بين الحرية والسلطة. هذه الثنائية من أهم الإشكالات الفلسفية والسياسية في الفكر الإنساني إذ تمثل الحرية غاية الفرد وطموحه الأصيل نحو تحقيق ذاته وتطوير إمكانياته بينما تمثل السلطة - خصوصا في شكلها المؤسسي- أداة التنظيم والإكراه الضرورية - لضمان النظام واستمرار المجتمع.

لفهم هذه العلاقة وتحديد حدود تدخل الدولة الحديثة في المجتمع - وهي من الأمور الشائكة في كثير من الأذهان - نفتتح القول بالآتي:

أولا: طبيعة العلاقة بين الحرية والسلطة:

تراوحت النظريات الفلسفية والسياسية في تفسير طبيعة هذه العلاقة بين منظورين أساسيين:

1. منظور التضاد الصراعي: وجهة نظر الليبرالية الكلاسيكية والفوضوية.

في اعتقادهم أن العلاقة هي علاقة "نفي متبادل" فكلما زادت مساحة السلطة وتدخلت الدولة انحسرت حرية الفرد.

ويرى أنصار هذا الاتجاه مثل "جون لوك" و"هربرت سبنسر" أن الدولة في أصلها خطر محتمل على حريات الأفراد ولذلك يجب تقليص صلاحياتها إلى الحد الأدنى ويسمونها (دولة الحراسة أو الدولة الحدية).

2. منظور التكامل والتمكين: وجهة نظر الليبرالية الحديثة والجمهورية.

ترى هذه المدرسة أن السلطة -باعتبارها تعبيرا عن القانون والنظام العام- ليست بالضرورة نقيضا للحرية بل هي الضامن الفعلي لها. فبدلا من غياب القوانين تضمن الدولة شروط الحرية المتساوية عبر منع الأقوياء الأشرار من استعباد الضعفاء. هنا تصبح الدولة أداة لتوفير "الحرية الإيجابية" وتعني هذه الحرية القدرة الفعلية على الاختيار والفعل. وليست فقط "الحرية السلبية" التي تعني مجرد غياب التدخل.

3. منظور الهيمنة والضبط: المقاربات النقدية والبنيوية.

تنظر هذه المدارس مثل طروحات "ميشيل فوكو" إلى السلطة بوصفها شبكة معقدة من الخطابات والمؤسسات التي لا تقتصر على القمع الفوقي بل تتغلغل في صياغة الوعي وتوجيه السلوك مما يجعل إشكالية الحرية مرتبطة بمدى قدرة الفاعلين الاجتماعيين والنخب على تفكيك هذه الهيمنة وإعادة صياغة العقد الاجتماعي.

ثانيا: معايير حدود تدخل الدولة:

تحديد الحدود الفاصلة بين ما هو "شأن عام" تملكه الدولة وما هو "شأن خاص" يحميه حق الفرد في الحرية خضع لعدة معايير فلسفية وتاريخية مثل:

1. مبدأ الضرر:

يُعد هذا المعيار الأساس الأبرز في الليبرالية المعاصرة إذ ينص على أن الحرية الفردية لا تُقيد إلا لمنع إلحاق الضرر بالآخرين. بناءً على ذلك ليس للدولة الحق في التدخل في خيارات الأفراد المعنوية أو أسلوب حياتهم أو معتقداتهم طالما أن تلك الممارسات لا تتسبب في أذى ملموس ومباشر لأعضاء المجتمع الآخرين.

وتختصر مقولة الفيلسوف الأنگليزي جون ستيوارت ميل هذا المبدأ بالقول: "تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الناس الآخرين".

2. الاستقلالية الذاتية والأخلاقية للفرد:

تضع الفلسفات الإنسانية خطاً أحمر أمام تدخل الدولة في الضمير والمعتقد وحرية التفكير والاعتقاد الديني أو الفلسفي والتعبير عن الآراء.

والحياة الخاصة أي الفضاءات التي لا تشكل تهديدا للنظام العام أو السلم الاجتماعي.

3. الوظائف الأساسية للدولة: الحدود الدنيا والقصوى.

1. الحد الأدنى الدولة الحارسة:

يقتصر دور الدولة على حفظ الأمن الداخلي والدفاع الخارجي وإنفاذ العقود وفض النزاعات القضائية.

2. الحد الأوسع:

يتسع تدخل الدولة ليشمل تنظيم الاقتصاد توفير التعليم والرعاية الصحية وتقليل التفاوتات الطبقية. ويُبرر هذا التدخل من قِبل الدولة بأن الفقر المدقع والمرض يمثلان قيودا هيكلية تُلغي حرية الإنسان الفعلية وتجعله عرضة للاستغلال.

ثالثا: التحديات المعاصرة في رسم الحدود:

تواجه المجتمعات المعاصرة تعقيدات متزايدة في إعادة رسم هذه الحدود ومن أبرزها:

الأمن مقابل الحرية:

في أوقات الأزمات والتهديدات كالجرائم السيبرانية والإرهاب أو الأوبئة الصحية هنا تميل الدول إلى توسيع نطاق صلاحياتها الرقابية والأمنية مما يفتح باب النقاش حول مدى مشروعية التضحية بالحقوق المدنية لحماية الاستقرار الجماعي.

السلطة والمجتمع المدني: من المعروف أن التحديث الاجتماعي الحقيقي لا يتحقق فقط عبر تشريعات الدولة الفوقية بل يتطلب بناء مجتمع مدني قوي ونخب مستقلة قادرة على مأسسة الحوار العقلاني لكي لا تتحول الدولة إلى وصي مطلق على الهوية الثقافية والاجتماعية للأفراد. وهذا ما تفعله الدولة الدينية في المجتمع محولة إِياه إلى مجتمع مأزوم محطم ومريض بأنواع العقد النفسية كارها للغير حاقدا على كل جميل من قول أو فعل.

بعد هذه المقدمة نأتي إلى موضوعنا الأساس:

طبيعة "الدولة الدينية" الثيوقراطية وإشكالياتها البنيوية:

أولا: طبيعة الدولة الدينية:

نستطيع أن نختصر طبيعة "الدولة الدينية" بالدولة التي تقوم على تمثيل فكرة "المقدس" وتطبيق تعاليمه وهي بذلك تمثل تقويضا ذاتيا لمفهوم العقل الحر النقدي فهي بحكم تكوينها المعتمد على تعاليم الدين الصارمة التي لا تقبل التغيير والتبديل تحتكر الحقيقة المطلقة وتقوم بطبيعتها على تبني رؤية مقدسة ومطلقة للعالم مما يحول قوانينها إلى نصوص قطعية لا تقبل التغيير أو المراجعة النقدية. هذا الاحتكار للحق في التشريع يقيد حرية الفرد في الاختيار والأنكى أنه يلغي فكرة "الفاعل التاريخي المستقل" الذي يصنع قيمه بنفسه.

وعلى هذا الأساس تقوم "الدولة الدينية" بإلغاء الفصل بين الفضاءين "العام والخاص" بعكس الدولة العلمانية التي تكتفي بتنظيم الشأن العام وفق عقود توافقية وتترك الشأن الخاص كالدين والمعتقدات والأخلاق الفردية للضمير الشخصي.

كذلك تمارس الدولة الدينية وصاية شاملة تتغلغل في الحياة الخاصة والضمير والملبس والمأكل والمشرب والسلوكيات معتبرة كل اختلاف عن تعاليم دينها انحرافا يجب تقويمه ولو بالقوة والإكراه حيث يتفنن رجال الدين بطيف واسع من المحرمات حتى تتحول حياة الناس إلى جحيم.

من هذا الباب تدخل "الدولة الدينية" في أزمة "الشرعية" و"التغيير" نظرا لأن الخطاب الديني المؤسسي غالبا ما يرتبط بثوابت مذهبية تاريخية يصعب عليها مع الاحتفاظ بها مواكبة التغيرات الاجتماعية المتسارعة فتصبح الدولة الدينية عاجزة عن التطور العضوي مما يجعلها تلجأ إلى آليات الإكراه والقمع البوليسي لفرض بقائها واستمراريتها.

مختصر القول: الطبيعة البنيوية للدولة الدينية يمكن تلخيصها بالشكل التالي:

1. تخدم حقيقة متعالية.

2. تحتكم إلى شريعة مقدسة.

3. جهاز تأويل رسمي:

فقاء مجتهدين - مؤسسة دينية "حوزة".

4. ولي فقيه يكون مرشدا للدولة.

5. مجلس شرعي يسن قوانين مُلزمة للدولة.

6. سلطة سياسية دينية تمارس الإكراه على مجتمع متنوع في الاعتقاد والتأويل وتفرض اعتقادا واحدا. هذه هي طبيعة أي دولة دينية.

ثانيا: إشكاليات "الدولة الدينية":

يمكن فهم "الدولة الدينية" بوصفها نمطا من التنظيم السياسي لا يكتفي بأن يكون المجتمع متدينا أو أن تستلهم الدولة بعض القيم الدينية بل يجعل مصدر الشرعية العليا ومرجعية القانون وتحديد المجال العام مرتبطا بدين معين ومذهب معين - لأن أي دولة دينية هي دولة طائفية بالضرورة - أو بتأويل رسمي له. بهذا المعنى تقترب الدولة الدينية من مفهوم "الثيوقراطية" حيث تُنسب السلطة إلى الهداية الإلهية أو إلى مسؤولين مقدسين يُنظر إليهم بوصفهم ناطقين باسمها وغالبا ما يكون القانون فيها مؤسسا على الشريعة الدينية.

من المهم هنا التمييز منهجيا بين الدولة ذات المرجعية الدينية والمجتمع المتدين والدولة التي تعترف بدين رسمي. فليست كل صيغة دستورية تعترف بدين ما ثيوقراطية كاملة. الإشكال يبدأ حين لا يعود الدين مجرد عنصر ثقافي أو أخلاقي في المجال العام بل يتحول إلى مبدأ تأسيسي للدولة يحدد من أين تأتي الشرعية ومن يملك حق التأويل الملزم وكيف تُسن القوانين وتُفرض على الجميع.

الإشكال البنيوي الأول: هنا هو مشكلة الشرعية: ففي الدولة الحديثة يُفترض أن يكون الإكراه القانوني مبررا أمام المواطنين بوصفهم مواطنين لا بوصفهم أتباع عقيدة واحدة. أما إذا استند القانون إلى أسباب دينية خالصة تظهر معضلة هي: كيف يكون القانون ملزما أخلاقيا لمن لا يعتقد بهذا الإيمان أو لا يشارك التأويل الرسمي له؟

هذا هو قلب ما تسميه الفلسفة السياسية المعاصرة مشكلة العلاقة بين الدين والسلطة السياسية. فهل تكفي الأسباب الدينية وحدها لتبرير قوانين قسرية في مجتمع تعددي؟

ومن هنا تنشأ إشكالية التعددية: فالدولة الدينية تميل بنيويا إلى تحويل الاختلاف الديني والمذهبي من تنوع مشروع إلى نقص في الشرعية أو انحراف عن الحقيقة الرسمية. ولذلك لا تكون المشكلة مجرد تعصب أخلاقي عابر بل إن البنية الدينية للدولة نفسها تدفع نحو تراتبية بين المواطنين: مؤمن - مخالف-مرتد- أكثرية مذهبية- أقلية مذهبية. وكلما توحدت المواطنة مع الهوية الدينية الرسمية صار من المستحيل حماية المساواة السياسية الحقة الكاملة.

الإشكال البنيوي الثاني:

هو احتكار التأويل. فالدولة الدينية لا تستطيع الاكتفاء بقول "الحكم لله" إذ لا بد أن يظهر فورا سؤال: ومن يفسر ويحدد حكم الله؟ هنا تتشكل طبقة أو مؤسسة أو هرم تأويلي يملك سلطة تحويل النص المقدس إلى قواعد تنفيذية. وبما أن النصوص الدينية بطبيعتها قابلة لتعدد الفهم فإن الدولة الدينية تنقل الصراع من المجال الفكري إلى المجال السيادي حيث يصبح الخلاف في التأويل خلافا على السلطة نفسها لا مجرد اختلاف علمي. لذلك تظهر "حروب تفسير" شبيهة بما يحدث في تفسير الدساتير لكن حدتها أكبر في الدولة الدينية لأن النزاع هنا يمس "المقدس" والسيادة معا.

الإشكال البنيوي الثالث:

هو ازدواج السيادة أو ما يمكن تسميته صراع "النظامين": نظام الدولة الدستورية من جهة والنظام الديني من جهة أخرى. فالدين حين يتحول إلى بنية سياسية لا يقدم مجرد قيم عامة بل يقدم نظاما قانونيا موازيا ومرجعية قضائية موازية ومفهوما مستقلا للشرعية والعدالة والالتزام.

فعندها يقع التنازع بين  أي مؤسستين في الدولة تكون الكلمة النهائية للهيئة الدينية المهيمنة على الحكم الشرعي!

هذا التنافس المؤسسي ليس عرضا جانبيا بل هو من صلب بنية الدولة الدينية.

الإشكال البنيوي الرابع:

هو أن تدين الدولة يسيس الدين ولا يدين السياسة فقط. فحين تلتزم الدولة بدين بعينه يتحول هذا الدين من كونه مجالا مستقلا نسبيا إلى جزء من الجهاز الحكومي فيفقد القدرة على تعريف ذاته بذاته وتصبح هويته ومضامينه رهينة للمؤسسات السياسية وقراراتها. والسياسة محكومة بمنطق الأغلبية والمساومات وإدارة النفوذ بينما الدين يدعي الانشغال بالحقيقة العقدية أو الصواب اللاهوتي. لذلك فإن الاندماج بينهما يفضي غالبا إلى إفساد الدين سياسيا بقدر ما يفضي إلى تقديس السلطة دينيا.

الإشكال البنيوي الخامس: هو تحويل المعارضة السياسية إلى شبهة دينية. ففي الدولة المدنية يمكن الاعتراض على الحكومة دون الطعن في أصل الشرعية الوطنية. أما في الدولة الدينية فالمعارضة قد تُقرأ بوصفها اعتراضا على "الشرع" أو "الإرادة الإلهية" كما تفسرها السلطة. وهنا تضعف قابلية النظام لتداول السلطة وللنقد العمومي لأن الحاكم لا يظهر فقط كمدير للشأن العام بل كحارس "للمقدس" أو ممثل له. هذه البنية تغري بالاستبداد حتى إن لم يكن كل نظام ديني مستبدا بالضرورة في كل لحظة.

الإشكال البنيوي السادس: هو الميل إلى تقييد المجال الخاص والعام معا. بما أن الدين في الخبرة الإيمانية قد يمتد إلى كل تفاصيل الحياة فإن الدولة الدينية تميل إلى توسيع نطاق التقنين الأخلاقي: الأسرة، الجسد، الملبس، التعليم، الفن، التعبير، والمعتقد الشخصي. وهنا لا تعود الدولة حَكما بين حريات متعارضة بل تصبح وصية على صورة "الحياة القويمة". وهذا ما يجعل التوتر حادا بينها وبين الحريات الحديثة خصوصا حرية الضمير وحرية التعبير وحقوق الأقليات.

ولو أردنا تكثيف المسألة في صيغة نظرية واحدة يمكن القول: إن الدولة الدينية تعاني من مفارقة تأسيسية: فهي تريد أن تجعل المطلق الديني أساسا لنظام سياسي يحتاج عمليا إلى إدارة النسبي والتعدد والتفاوض وتبدل المصالح وتغير الأحوال. أي أنها تحاول صب الحقيقة النهائية في مؤسسات هي بطبيعتها تاريخية وقابلة للخطأ والصراع.

ومن هنا تنبع أزماتها البنيوية: أزمة شرعية وأزمة تأويل وأزمة مواطنة وأزمة سيادة وأزمة علاقة بين المقدس والسياسي.

أخيرا أقول: أن الدولة الدينية ليست فقط "دولة تطبق الدين" بل هي دولة تعيد تعريف القانون والشرعية والمواطنة من داخل مرجعية مقدسة مؤسسة سياسيا. ومشكلتها الأساسية ليست أخلاقية فقط بل بنيوية: لأنها تجعل الدولة طرفا في الحقيقة وتجعل الحقيقة طرفا في السلطة فتُنتج توترا دائما بين الإيمان والتعدد وبين التأويل والسيادة وبين القداسة والنقد. ودولة كهذه لا تستطيع البقاء إلا بالقمع والأكراه الذي لا يدوم حتما وزوالها واقع لا محالة وإن أطال عمرها السيطرة بالقوة الغاشمة.

***

سليم جواد الفهد

في المثقف اليوم