قراءات نقدية
نبيه القاسم: رواية كوليت سهيل خوري التي أهملها النّقاد "كيان"
في مقدّمتها لكتابها «أيّام معه» كتبت كوليت سهيل خوري: "سأهبُ حياتي للحرف.. سأجعل منه إلهي ورفيقي وعبدي ساجدة.. وأعبده سيّدة.. وأشكو إليه همومي كانسان حبيب".
كان ذلك عام ١٩٥٩، حين ثارت العاصفة الهوجاء حول كوليت وكتابها، لكن الكاتبة الشابة المؤمنة برسالتها لم تهتم لهذه الفرقعات المُعتادة، وواصلت طريقها لتكتب لنا قصة "ليلة واحدة" ومجموعة قصص قصيرة جمعتها في كتاب أسمته "أنا والمَدى".
ومع صدور كل كتاب، كان اسم كوليت يعود ليحتل العناوين الأولى في الصفحات الأدبية، وتعود الأقلام، الأصيلة منها، والمشبوهة لتكتب عن كوليت، وأدب كوليت.
لكن الشيء الغريب هو، أن كتابا جديدا صدر لكوليت، بعد الصمت الطويل الذي أحاط بالأديبة المُتفتّحة، ولم نسمع أيّ تعليق عليه. وقد اختارت الكاتبة اسم "كيان" لكتابها الجديد الذي صدر في أيلول عام ٠١٩٦٨
وكوليت التي تزيد مرغمة كلمة "أسطورة" على عنوان قصّتها تُهدي كتابها إلى ابنتها الغالية «ناره، وإلى جيلها، أطفالنا العرب في كل مكان».
ومُلخّص قصة "كيان":
كيان فتاة في العشرين من العمر، فقدت أبويها بعد ولادتها مباشرة، تحمل قلبا مريضا، وتعيش في قرية غير قريتها. قرية سكانها لا يعرفون الكلام، يقضون أوقاتهم في مضغ البَقلة، فمنذ آلاف السنين صمَت أهالي القرية، تكلّموا في البدء، تكلّموا جميعهم في آن واحد، تكلموا كثيرا، فما سمعهم أحد ولا سمع بعضهم بعضا، وسخطوا. وعندما اهتدوا إلى البَقلة تحوّلت طاقاتُ ألسنتهم إلى التلذّذ بالطّعم المألوف، ونسوا النُطق.
وكيان الغريبة عن القرية، والتي نُسجَت حولها الأساطير العديدة، كانت المريضة الوحيدة بين أهالي القرية، ووحدها بين أهالي القرية كانت لها أمنية غريبة: أن تُنبت النغماتُ الصافية أشجار محبّة على الكوى، وفوق الهضبة، وفي النسمات، وحنايا النفوس. ولهذا فكانت تغني، وترنم:
بالحبّ وحدَه يحيا الإنسان، بالحب وحده.
وتتوطّد الصداقة بين «كيان»، وفتى في السابعة من عمره يُدعى «ميلاد»، يرفض هو أيضا مَضْغ البَقلة ويُفضّل عليها الياسمين، ويعشق صوت كيان الملائكي، وينفر من الأصوات الناشزة.
وفي القرية تعيش فتاة جميلة باسم (ريا) تمضغ البَقلة كباقي أهل القرية وتحلم بمجيء القمر مثلهم، لكنها تحب وبعنف شابا لا يُعيرها اهتمامَه باسم «يزَن» ويزَن هذا يقضي وقته في الرسم، هرَبا من الواقع الذي لا يستطيع أنْ يُؤثّر فيه.
وتلاحظ كيان أمرا غريبا، أنَّ سكان القرية يكرهون سكان الهضبة، وتحاول جاهدة أن تعرف شيئا عن سكان الهضبة، ولكن دون فائدة. فالجميع يرفضون أن يُكلّموها عن أهل الهضبة، حتى ريا وميلاد الصغير.
وتشاء الصدف أن تحبّ كيان واحدا من أهل الهضبة، لكنها تَتَنبّه إلى شيء غريب لم تجد له تفسيرا، هو أنَّ حبيبها لا يُجيبها على أسئلتها الكثيرة التي تُوجّهها إليه، لكنها تعرف الحقيقة في يوم عيد القمر. ففي هذا اليوم يجتمع سكان القرية، ويأتي سكان الهضبة كلهم وعددهم أربعة عشر رجلا، وتراه بينهم، وتشعر بالسعادة لكنها سرعان ما تُصاب بالدّهشة عندما تراه كرفقائه يُصفّق لصوت الفرقة النشاز التي شكلت، وتسأل يزَن عن ذلك، فيقول لها:
- إنّهم لا يسمعون.
وتُدرك كيان أنَّ أهل الهضبة وحبيبها بينهم لا يسمعون، وتلتقي بحبيبها، وتحاول جاهدة أن تجبره على سماع صوتها، لكنه يعتذر عن عدم مقدرته، وتُصاب كيان بالصدمة، وتنهار قواها وتصمت عن الغناء.
وتُفاجا في الصباح بصوت الذئاب المُجاورة، وتتساءل عن سبب ذلك، وتعلم أن النهر الوحيد الذي يُعطي الحياة للقرية وسكانها قد جفّ، لكنّ احدا لا يريد أن يُخبرها لماذا جفَّ النهر؟!
وتقف كيان قلقة حيرى وتصيح:
- النّهر وريدُ السهل، سيموت السهل وستدخل الذئاب إلى قريتنا، وسيضطر السكان إلى الرّحيل.
وتثور كيان عندما يرفض أيّ منهم جوابَها، وتتّجه إلى يزن الذي تثق بأنه سيُجيبُها وتسأله، ويُخبرها بأن سكان الهضبة حجزوا المطر وأنّ لا فائدة من الكلام معهم، وتتعالى في تلك اللحظة أصوات الجوقة التي شكّلها سكان الهضبة:
- سنقتل الذئاب، ستتخلص القرية من الذئاب، سنمحو وجود الذئاب.
ويعود السكان القلقون إلى بيوتهم ليمضغوا البقلة، وتنام كيان في سريرها لتستيقظ في الصباح على جلبة الأطفال الذين أتوا ليخبروها بأن ميلاد مريض. وتركض إليه، وإذ تصل إليه تعلم أنَّ فقدان الياسمين سبب مرضه. وتتركه لتحضر له الياسمين، لكن الياسمين غير مُتوفِّر، فقد مات بعد أن جفّ النهر، وتركض إلى الهضبة وقد علمت بأنه متوفر هناك وبكثرة، وخلفها تركض ريّا دون وعي، ويستغرب سكان الهضبة وبينهم حبيب كيان إذ يرون الفتاتين منهمكتين في قطف الياسمين.
وتعود كيان وبرفقتها ريا لتجدا يزن بالقرب من ميلاد، وتعود الحياة لتدبّ من جديد في جسم ميلاد، ويجلس بالقرب من كيان التي تفرح بتجدّد صحته فرحا شديدا وتروي له كعادتها قصة.
ويرهف الصبي الصغير أذنيه، وكيان تروي له قصة الشجرة التي زرعها الرجل الذي أرادها أن تكون المُوَفِّرةَ الأولى لسعادة أولاده، وكيف أن هذه الشجرة قد ذوت، ومعها ذوَت سعادة الأبناء. وحزن الرجل، ولم يجد له حيلة في إعادة الحياة إلى الشجرة.
وأخيرا، ولحبّه الشديد لأولاده اقترب من الشجرة، وبإيمان قوي فتح لها صدرَه ورواها من مهجته، وظل يرويها حتى آخر قطرة من دمه. وإذ رأى الضياء يعود إلى عيون أطفاله، عندئذ فقط، ابتسم راضيا وأغمض عينيه.
وإذ تلاحظ كيان أن هذه النهاية المُحزنة لم تعجب ميلاد تقول له:
- يا حبيبي، الأطفال هم المستقبل. ما قيمة حياة الكبير حين يكون مستقبله مطفأ؟ موت الكبير يحلو إذا كان سيضيئ بسمة على ثغر مُبرعم.
وينزعج ميلاد إذ يرى صديقته الكبيرة تَترنّح ساقطة.
ويبتعد عنها بعد أن اطمأن عليها وقد وُضِعت في سريرها، وريا ويزَن بالقرب منها، ليدعو حبيبها ساكن الهضبة، ويحضر الحبيب وهو يحمل ميلاد بين يديه، ويدخل عليها ليُخبرها أنه يسمعها، وأنه استعاد حاسة السمع، وأنه لن يرد لها طلبا بعد الآن. لكن كيان التي ترنو إليه بحب كبير، والثقة بكلامه بادية في عينيها، تنتفض إذ تسمع صوتا شجيّا يعلو من البعيد، وتصيح:
- إنه صوت ميلاد، ميلاد يغني، إذا لن يموت الياسمين بعد الآن.
ولن يجف النهر، ولن تدخل الذئاب إلى القرية.
وتسلم أنفاسها الأخيرة، وهي سعيدة قريرة العين، بأن المستقبل مضمون، وكلماتها تتردد في أرجاء القرية:
- لا لن أموت يا حبيبي، لن أموت، ميلاد يغني، وسيظل للقرية كيان.
**
هذه هي قصة كيان، القصة التي أرادت بها كوليت خوري أن تُصوّر لنا عالمنا العربي قبل وبعد نكسة حزيران، فكيان التي روت قصتها ليست إلّا أبناء شعبنا الذين ذاقوا ذلّ عام ١٩٤٨، وما جرّته عليهم الأيام فيما بعد. وميلاد ليس إلّا أطفالنا، الذين يثقون بالمستقبل، ويرفضون مضغ البقلة التي اعتادها أهلُهم، وأهل الهضبة الذين ابتعدوا عن أهل القرية تَرفُعاً، ليسوا إلا قادتنا ورؤساءنا الذين نسوا شعوبهم عندما استقروا في مقاعدهم.
تظهر الكاتبة في قصتها أنّها فاقدة الثقة بأبناء الجيل الذين يُحركون الأحداث الآن، فهي تقول على لسان كيان مخاطبة ميلاد:
- ربما كان عليّ أن أروي هذه القصة للكبار، لكن الكبار يا حبيبي لا يحبّون القصص، وفوق هذا لا يسمعون، وإذا سمعوا يتجاهلون.
لكن كوليت التي تفقد ثقتها برجال اليوم، لا تُصاب باليأس نتيجة النّكسة وإنما تعتبرها تجربة لا بُدّ من التغلّب عليها لبلوغ الهدف، فهي تقول على لسان كيان، رافضة البكاء ومُصرّة على الغناء المشرق:
- ومتى كان الدّمعُ إلا مُخدّرا للعذاب الخَلاق ؟ فالعذاب يا صغيري يُبدع الحلول، وإذا كان لا بُدّ من الموت فليمت وهو يغني بدلا من أن يموت باكيا.
والكاتبة لا تتّهم كلّ المسؤولين، إذ أن هناك مَن ضُلْلوا عن غير قصد، وبالإمكان الصفح عنهم بعد اعترافهم بخطئهم كصَدّام حبيب كيان الذي عاد مُستغفرا، مُؤكداً إصراره على تصليح أخطائه. والرجل المُسن الذي نظر إلى كيان التي تقطف الياسمين
وقال بحزن عميق مُظهرا طينته الطاهرة:
- غريبة هذه الفتاة، غريبة مشعة كالكيان. جريئة كالحرية، تُذكرني، تُذكرني بالإنسان.
ثم قال وهو يُرافقها بنظره في أثناء ركضها عائدة إلى السهل:
- هذه الشقراء غريبة، غريبة، مُشرقة كالشمس وطيّبة كالأرض، تذكرني، تذكرني بقريتنا.
والكاتبة ناقمة على الأوضاع التي تسود عالمها، فهي تصرخ على لسان كيان:
- ما قيمة الحياة حين تكون مجرّد انتظار للموت؟ ما قيمة الحياة حين يحياها الإنسان على الهامش، على الهامش.
وهي ترفع صوتها، ليسمعها كل مَن يستطيع فهمها مُتحدّية، متهمة، ومتفائلة إلى أقصى حدود التفاؤل:
- أنتم أيضا ستموتون. بل أنتم ميّتون، لكنّ ميلاد لن يموت لن يموت.
كما أنّ الكاتبة لا تتّهم المسؤولين «سكان الهضبة» فقط، وإنّما تُلقي بالمسؤولية على عامة الناس أيضا. فهي تسأل وبخبث على لسان كيان:
- هل يحب سكان السهل بعضُهم بعضا ؟
وفي مكان آخر تقول على لسان كيان أيضا التي تُجيب صدّام على سؤاله لها إذا كان سكان السهل يحبّونها قائلة:
- لست أدري، أنا لا أشبههم، فأنا أغني.
إذن، فالمشكلة عند الكاتبة ليست مشكلة زعماء، وقادة فاشلين، وإنما مشكلة شعب، شعب بحاجة إلى صقل، وإلى وعي.
فهي تُريد أن تقول لنا:
- إننا طالما بقينا لا نضمر الخير لبعضنا، فلن ننجح.
فهي تُؤمن أنّ الشعب الواعي هو الذي يخلق القادة الواعين، والذي يُجبر القادة على العمل، هي تريد أن تخلق جيلا متفائلا، مُجِداً، لا جيلا مُتواكلا، يمضغ البقلة، فهي تصرخ على لسان كيان التي تُخاطب ريا:
- امضغي البقلة وكوني سعيدة، أما أنا، فالموت بالنسبة لي أفضل من الحياة على الهامش.
وبعد كل هذا نستطيع أن نفهم لماذا كانت الكاتبة المُتمرّدة مُرغمة على زيادة كلمة «أسطورة» على عنوان قصتها. فهي كغيرها من كتّابنا، تعرف الواقع، لكنّها لا تجرؤ على التكلّم عنه بصراحة. لأنّ الذئاب لها ولغيرها بالمرصاد، كما أننا نستطيع أن ندرك لماذا لم يُثر كتاب كوليت الأخير التفات الصحف المُدارة.
وحتى تظلّ لنا "كيان" في الحياة، وحتى لا تُوَعْوِع الذئاب خلف التلال. ولا يُهاجم المرضُ ميلاد مرة ثانية، وحتى لا تُضطر كاتبتنا وغيرها من مفكرينا وشعرائنا إلى الاحتماء بكلمة «أسطورة» ساعة كتابتهم لائحة اتهاماتهم.. تعالوا معي لنُلقى بالبَقلة من أفواهنا.. ولنُغنّي مع كيان وأمّ كيان:
«بالحبّ.. بالحب يحيا الإنسان».
***
د. نبيه القاسم






