عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

بولص آدم: من الجماعة إلى الفرد.. تحولات الأدب الطبقي في السرد المعاصر

تأتي دراسة تحولات الأدب الطبقي من الحاجة إلى فهم التغيرات العميقة التي أصابت العلاقة بين الأدب والبنية الاجتماعية خلال العقود الأخيرة. فقد شهد العالم منذ أواخر القرن العشرين تحولات اقتصادية وثقافية واسعة، رافقتها إعادة تشكيل لمفهوم العمل، وتراجع للصناعات الثقيلة، واتساع لاقتصاد الخدمات والعمل المؤقت، إلى جانب صعود الفردانية وتراجع الأطر الجماعية التقليدية. وقد انعكست هذه التحولات مباشرة على الأدب، الذي وجد نفسه أمام واقع لم تعد الطبقة فيه كتلة اجتماعية متماسكة يسهل تمثيلها ضمن سردية تاريخية واحدة، وإنما شبكة معقدة من التجارب الفردية التي تتقاطع فيها الظروف الاقتصادية مع أسئلة الهوية، والهجرة، والجندر، والثقافة.

لهذا لم يعد السؤال المطروح أمام الأدب: كيف يمثل الطبقة العاملة بوصفها قوة تاريخية موحدة؟ وإنما: كيف يكتب الإنسان الذي يعيش هشاشة العمل، وقلق السكن، والاغتراب، والخوف من التهميش، في عالم فقد كثيرًا من يقينياته الاجتماعية؟ ومن هنا تكتسب دراسة تحولات الأدب الطبقي أهميتها؛ لأنها تتيح قراءة انتقال الأدب من تمثيل الجماعة إلى استكشاف التجربة الفردية، ومن السرديات الكبرى إلى التفاصيل اليومية، ومن المشروع التاريخي إلى معيش الإنسان داخل واقع شديد التعقيد.

يمثل هذا التحول امتدادًا لتاريخ طويل من العلاقة بين الأدب والطبقة الاجتماعية. فقد احتلت الواقعية الاشتراكية مكانة بارزة في القرن العشرين بوصفها أحد أكثر المشاريع الأدبية تنظيمًا وتأثيرًا في ربط الإبداع بالبنية الاجتماعية. وقد انطلقت من تصور يرى أن الأدب قادر على المساهمة في تشكيل الوعي الجمعي، وأن الكاتب شريك في التعبير عن التحولات التاريخية للمجتمع. ولهذا قدمت صورة البطل الجماعي، وربطت مصير الفرد بمصير الجماعة، وجعلت من العمل والإنتاج والتحول الاجتماعي موضوعات مركزية في البناء السردي.

وتتجسد هذه الرؤية في أعمال مكسيم غوركي، حيث يظهر العامل أو الفقير جزءًا من حركة اجتماعية واسعة تتجاوز مصيره الفردي، كما تتجلى في روايات ميخائيل شولوخوف التي وسعت أفق السرد ليشمل تحولات الريف والمجتمع الروسي ضمن سياق تاريخي شامل. وفي ألمانيا الشرقية برز هذا التصور أيضًا في أعمال بريجيت رايمان وكريستا وولف، حيث احتلت قضايا العمل والإنتاج والاندماج في المشروع الاشتراكي موقعًا محوريًا داخل البناء الروائي، مع اختلاف واضح بين الكاتبتين في درجة الانفتاح على الأسئلة الوجودية والنقد الداخلي للتجربة الاشتراكية. وقد منحت هذه التجارب الأدب قدرة كبيرة على بناء سرديات تاريخية متماسكة، حتى وإن ارتبطت بمرجعيات أيديولوجية محددة، فإنها تركت أثرًا عميقًا في تاريخ الأدب الاجتماعي.

غير أن التحولات التي شهدها العالم بعد نهاية الحرب الباردة، وصعود الاقتصاد النيوليبرالي، وتفكك كثير من البنى الصناعية التقليدية، أعادت تشكيل مفهوم الطبقة نفسه. فلم تعد الطبقة تُدرك باعتبارها هوية جماعية مستقرة، وإنما بوصفها تجربة معيشة تتسم بالحركة وعدم اليقين، وتتشكل من خلال علاقات عمل متغيرة، وأوضاع اقتصادية هشة، وأشكال جديدة من الاغتراب الاجتماعي. وهنا بدأ الأدب يعيد صياغة أسئلته، متجهًا نحو الإنسان الفرد الذي يعيش آثار هذه التحولات في تفاصيل حياته اليومية.

وفي هذا السياق ظهرت في أوروبا، وخاصة في ألمانيا، محاولات جديدة لإحياء الكتابة الطبقية خارج الأطر التقليدية، من أبرزها الكولكتيف الأدبي Nous – konfrontative Literatur، الذي يمكن ترجمته إلى العربية بـ«نحن – الأدب التصادمي». ويقوم هذا المشروع على كتابة التجربة الاجتماعية من داخلها، عبر لغة مباشرة، وتفاصيل ملموسة، تجعل من الإيجار، والعمل المؤقت، والإرهاق الجسدي، والهشاشة الاقتصادية، عناصر أساسية في البناء الأدبي. فالواقع هنا لا يُستدعى بوصفه خلفية للنص، وإنما يصبح مادته الأولى.. وقد أثار هذا المشروع نقاشًا واسعًا في الأوساط الأدبية الألمانية. فقد رأى بعض النقاد أن التركيز المكثف على تفاصيل الحياة اليومية قد يقلص المسافة الجمالية بين الأدب والواقع، ويقرب النص من التسجيل الاجتماعي أو الشهادة المباشرة أكثر من اقترابه من البناء الفني المركب. كما طُرحت تساؤلات حول مدى قدرة هذه الكتابة على تمثيل التنوع الطبقي دون اختزال التجارب المختلفة في صورة واحدة للمعاناة.

في المقابل، يرى مؤيدو هذا الاتجاه أن المجتمع نفسه تغير بصورة جعلت الأشكال السردية القديمة أقل قدرة على تمثيل الواقع الجديد. فالعمل لم يعد مستقراً كما كان، والانتماءات الاجتماعية أصبحت أكثر سيولة، والتفاوت الاقتصادي اتخذ صورًا أكثر تعقيدًا، الأمر الذي يستدعي أشكالًا كتابية جديدة تستطيع التقاط هذه التحولات. ومن ثم يُنظر إلى تجربة Nous بوصفها محاولة لإعادة تعريف الأدب الاجتماعي، لا عبر إحياء النماذج القديمة، وإنما عبر إعادة بناء العلاقة بين النص والحياة اليومية.

وفي فرنسا ظهر مسار موازٍ تمثل في أعمال إدوار لويس وديدييه إريبون، حيث تحولت السيرة الذاتية إلى وسيلة لتحليل التجربة الطبقية. فالصعود الاجتماعي لا يُقدَّم بوصفه نجاحًا فرديًا خالصًا، وإنما باعتباره تجربة يرافقها شعور دائم بالانقسام بين عالمين، وبالخزي الطبقي، وبالانفصال عن البيئة الأولى دون اندماج كامل في البيئة الجديدة. وهكذا أصبحت الكتابة وسيلة لفهم الأثر النفسي والثقافي الذي تتركه الطبقة في اللغة والذاكرة والعلاقات الإنسانية.

ويتعزز هذا الفهم من خلال السوسيولوجيا المعاصرة، ولا سيما لدى بيير بورديو، الذي أوضح عبر مفهوم «الهابيتوس» أن الطبقة لا تُختزل في الدخل أو المهنة، وإنما تترسخ في أنماط التفكير والذوق واللغة والسلوك اليومي، بحيث يحمل الفرد أثر موقعه الاجتماعي حتى بعد انتقاله إلى طبقة مختلفة. ومن هنا يغدو الأدب قادرًا على الكشف عن الطبقة باعتبارها تجربة معيشة، أكثر من كونها تصنيفًا اقتصاديًا مجردًا.

كما توسعت الدراسات الثقافية في تفسير هذه التجارب من خلال مفهوم التقاطعية الذي طورته كيمبرلي كرينشو، والذي يبين أن التهميش لا ينتج عن عامل واحد، وإنما عن تداخل عوامل متعددة تتفاعل فيما بينها داخل التجربة الإنسانية الواحدة.

وفي هذا السياق تكتسب أعمال الكاتبة والمفكرة الألمانية البريطانية ميثو سانيال أهمية خاصة؛ إذ تقدم تصورًا أدبيًا وثقافيًا يرى أن التجربة الإنسانية تتشكل عند نقطة التقاء الطبقة والجندر، والأصل الثقافي والهوية والهجرة. لذلك تكشف أعمال ميثو سانيال أن التهميش يتحرك داخل خرائط اجتماعية متشابكة، تتقاطع فيها الطبقة مع الجندر، والعرق، والأصل، والهوية الثقافية، فتتشكل تجربة الإنسان عند نقطة التقاء هذه العلاقات جميعًا، الأمر الذي يمنح الأدب الطبقي المعاصر أفقًا أوسع من القراءة الاقتصادية التقليدية، ويجعله أكثر اقترابًا من تعقيد الواقع الإنساني.

ولذلك لم يعد الأدب الطبقي المعاصر يبحث عن بطل يمثل جماعة كاملة، وإنما عن فرد يحمل في داخله آثار التحولات الاجتماعية. فالخوف من السقوط الاقتصادي، والشعور بعدم الانتماء، والاغتراب الناتج عن الصعود الاجتماعي، وصعوبة الانتقال بين البيئات الثقافية، أصبحت جميعها موضوعات مركزية في السرد الحديث. ولم يعد السؤال الأساسي: كيف تناضل الطبقة؟ وإنما: كيف يعيش الإنسان طبقته؟ وكيف تترك البنية الاجتماعية أثرها في لغته وذاكرته وعلاقاته ونظرته إلى نفسه؟

أما في العالم العربي، فتأخذ هذه التحولات طابعًا خاصًا، حيث تنبع الكتابة الطبقية من سياقات العمل الهش، والبطالة، والهجرة، والاقتصاد غير المستقر، أكثر مما تنبع من حركات عمالية منظمة كما كان الحال في أوروبا الصناعية. ولذلك تظهر نصوص كثيرة تكتب من هوامش المدن، ومن المقاهي، ومن فضاءات التواصل الرقمي، حيث تصبح الكتابة تسجيلًا لتجربة العيش اليومي تحت ضغط القلق الاقتصادي والاجتماعي، وتغلب عليها اللغة المكثفة التي تقترب من الشهادة الشخصية دون أن تفقد بعدها الأدبي.

ومع ذلك، فإن هذه التحولات لا تعني القطيعة مع الإرث البروليتاري أو الواقعية الاشتراكية. فهذه التجربة التاريخية تظل إحدى اللحظات المؤسسة في تاريخ الأدب الاجتماعي، لأنها أرست تصورًا متكاملاً للعلاقة بين الأدب والمجتمع، وطرحت أسئلة العدالة والعمل والتحول التاريخي بصيغة سردية واسعة. كما تبقى مرجعًا نقديًا مهمًا تُقاس إليه التحولات اللاحقة، سواء من حيث قدرة الأدب على تمثيل البنى الاجتماعية، أم من حيث موقعه داخل المجال العام.

ومن ثم فإن الانتقال من الواقعية الاشتراكية إلى السرديات الطبقية المعاصرة يمثل تحولًا في أشكال التعبير أكثر مما يمثل تحولًا في جوهر السؤال الاجتماعي. فالأدب ما يزال منشغلًا بالعلاقة بين الإنسان والسلطة والاقتصاد والعمل والعدالة، غير أنه يعالج هذه القضايا اليوم من خلال الفرد، لا الجماعة، ومن خلال التجربة اليومية، لا السردية التاريخية الكبرى. وهكذا يغدو الأدب الطبقي المعاصر فضاءً للكشف عن الإنسان في هشاشته، ولإعادة التفكير في معنى الطبقة داخل عالم تتبدل فيه الحدود الاجتماعية باستمرار، دون أن يتخلى عن سؤاله القديم: كيف يمكن للأدب أن يمنح صوتًا لمن يعيشون على تخوم المجتمع، وأن يحول التجربة الفردية إلى معرفة إنسانية مشتركة؟

***

بولص آدم

في المثقف اليوم