يأتي نص "مومس تائبة" للشاعرة مجيدة محمدي بوصفه اعترافًا شعريًا كثيفًا، لا يقف عند حدود الحكاية المباشرة لامرأة أنهكتها الخطيئة، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة إنسانية عميقة حول الجوع الروحي، والعزلة، وإمكان الخلاص. فالعنوان نفسه يفتح منذ البدء أفقًا تأويليًا واسعًا؛ إذ يجمع بين مفردتين متقابلتين: "المومس" بوصفها رمزًا للسقوط الاجتماعي والأخلاقي في المخيال الجمعي، و"التائبة" بوصفها وعدًا بالتطهر واستعادة المعنى. ومن هذا التوتر بين القاع والأفق يتولد النص كله.
تبدأ الشاعرة بصورة جارحة:
"هذا الليل يأكل من خاصرتي، كما تأكل النار آخر أوراق الخريف."
فالليل هنا ليس ظرفًا زمانيًا، بل كائن مفترس يلتهم ما تبقى من الجسد والروح. أما "أوراق الخريف" فهي استعارة لما تبقى من العمر والبراءة والأمل؛ وكأن الذات تقف في فصلها الأخير، تراقب احتراق ما تبقى منها. إنها صورة تجمع بين هشاشة الورق ووحشية النار، لتؤسس منذ السطر الأول مناخ الخراب الداخلي.
ثم تبلغ المأساة ذروتها في قولها:
"لا رغيف لي، سوى الجوع المعلّق على مسمار الروح."
وهنا يتجلى أحد أجمل الانزياحات في النص؛ فالجوع لم يعد جوعًا بيولوجيًا، بل صار قدرًا وجوديًا معلقًا في أعماق الكيان. إنه جوع إلى الطمأنينة، وإلى الغفران، وإلى الاعتراف بالإنسان المختبئ خلف الوصمة.
وتتوالى الصور في نسق حلمي كابوسي:
"الظلال تتناسل من ظل إلى ظل، كقبيلة من الأسئلة ضلت طريق اليقين."
وهي صورة بالغة الذكاء؛ إذ تحوّل الشكوك والهواجس إلى قبيلة كاملة، تتكاثر وتتيه بعيدًا عن يقين مفقود. فالذات لا تعاني فقط من خطيئة الماضي، بل من عجزها عن العثور على معنى يفسر وجودها ويمنحها السلام.
أما الذئاب الشبقة التي:
"تدور كالكواكب حول خطيئة قديمة"
فهي ليست مجرد شخوص خارجية، بل يمكن قراءتها بوصفها استعارة للمجتمع الذي لا يغفر، أو للشهوات التي تعاود افتراس الإنسان حتى بعد إرادته التوبة، أو لذاكرة الذنب نفسها حين تتحول إلى مطاردة أبدية. واللافت أن الشاعرة تمنح هذه الذئاب بعدًا كونيًا؛ فهي تدور "كالكواكب"، في إشارة إلى أن الخطيئة تدخل أحيانًا في نظام مغلق من التكرار والقهر يصعب الفكاك منه.
وفي المقطع الذي تقول فيه:
"لا أحد يرتب الفوضى في عيوني، ولا أحد يجمع شظايا النجوم..."
تبلغ الوحدة أقصى تجلياتها؛ فالذات لا تطلب خلاصًا كبيرًا، بل يدًا حانية تعيد ترتيب الفوضى الداخلية. غير أن النجوم نفسها أصبحت شظايا متناثرة على أرصفة الانتظار، في صورة تجمع بين سمو الحلم وابتذال الواقع، بين السماء والرصيف، بين الأمل المكسور وطول الترقب.
غير أن أجمل ما في النص يكمن في نهايته؛ إذ لا تستسلم الذات تمامًا للخطيئة التي:
"تقدم لي كأسها المعتمة..."
فالخطيئة هنا تتكلم، وتغوي، وتبشر باليأس، لكنها تُواجَه بابتسامة معرِضة:
"فأبتسم لها، معرضة، كغريق يحيي موجته الأخيرة، وأمضي..."
إنها نهاية مفتوحة على مفارقة مدهشة؛ فالغريق يعلم هشاشته، لكنه لا يفقد حريته الأخيرة في الاختيار. يحيي موجته، لا استسلامًا لها، بل اعترافًا بأنه أدرك حقيقتها ومضى متجاوزًا إياها. ولذلك فإن فعل "أمضي" هو الكلمة الأكثر إشراقًا في النص كله؛ إذ ينقل الشخصية من موقع الضحية إلى موقع الفاعل، ومن أسر الخطيئة إلى أفق التوبة الممكنة.
لقد نجحت مجيدة محمدي في بناء نص يعتمد على كثافة الصورة، وتشخيص المجردات، والانزياح الدلالي، والإيقاع الداخلي المتولد من تكرار النفي والأسئلة المؤجلة. وهو نص لا يدين امرأة بعينها، بقدر ما يكشف هشاشة الإنسان حين يضيع في متاهة الجوع والخوف والنبذ، ثم يجرؤ – رغم كل شيء – على أن يمضي نحو احتمال الخلاص.
إن "مومس تائبة" ليست قصيدة عن الخطيئة بقدر ما هي قصيدة عن كرامة الروح وهي تحاول النهوض من بين أنقاضها؛ فالتوبة هنا ليست حدثًا دينيًا عابرًا، بل فعل مقاومة وجودية، وانتصار خافت للإنسان على أكثر ظلاله عتمة. وفي هذا يكمن جمال النص وفرادته: أنه يجعلنا نشفق على الساقط، لا لأنه بلا خطيئة، بل لأنه لم يكف عن البحث، وسط هذا الليل الآكل، عن نافذة صغيرة تؤدي إلى الضوء.
***
أ. د. محمد عيسى مهنى - أديب وناقد ليبي
..........................
"مومس تائبة "
قالَتْ،
هذَا اللَّيْلُ يَأْكُلُ مِنْ خَاصِرَتِي،
كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ آخِرَ أَوْرَاقِ الخَرِيفِ.
لَا رَغِيفَ لِي،
سِوَى الجُوعِ المُعَلَّقِ عَلَى مِسْمَارِ الرُّوحِ.
أُنْصِتُ إِلَى خُطُوَاتِ العَتَمَةِ، وَهِيَ تَجُرُّ أَذْيَالَهَا فِي مَمَرَّاتِ القَلْبِ،
فَأَرَى الظِّلَالَ تَتَنَاسَلُ مِنْ ظِلٍّ إِلَى ظِلٍّ، كَقَبِيلَة مِنَ الأَسْئِلَةِ ضَلَّتْ طَرِيقَ اليَقِينِ.
حَوْلِي ذِئَابٌ شَبِقَةٌ،
تَدُورُ كَالكَوَاكِبِ حَوْلَ خَطِيئَةٍ قَدِيمَةٍ،
تَشُمُّ رَائِحَةَ الخَوْفِ فِي أَكْمَامِ اللَّيْلِ،
وَتَغْرِسُ أَنْيَابَهَا فِي جِهَاتِ الصَّمْتِ.
ولَا رَفِيقَ لِي.
لَا أَحَدَ يُرَتِّبُ الفَوْضَى فِي عُيُونِي،
وَلَا أَحَدَ يَجْمَعُ شَظَايَا النُّجُومِ المُتَنَاثِرَةِ عَلَى أَرْصِفَةِ انْتِظَارِي.
وَحْدَهَا الخَطِيئَةُ المُرَّةُ تَنهش جسدي .
تُقَدِّمُ لِي كَأْسَهَا المُعْتِمَةَ، وَتَقُولُ ، اشْرَبِي مِنْ هَذَا الأَسَى،
فَإِنَّ الطُّرُقَ الطَّوِيلَةَ لَا تُنْبِتُ غَيْرَ الأَشْوَاكِ.
فَأَبْتَسِمُ لَهَا، مُعْرِضَةٌ،
كَغَرِيقٍ يُحَيِّي مَوْجَتَهُ الأَخِيرَةَ، وَأَمْضِي...
***
|مجيدة محمدي







