عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: مراتبُ المعارف بين العين والقلب

جدلُ الإشارة والعَلَم في تراث النحو العربي

ليست “المعرفة” في الدرس النحوي مجرد تصنيفٍ شكليّ للأسماء، بل هي بناءٌ دلاليّ يكشف عن صلة اللفظ بالعالم، وعن كيفية حضور الشيء في الوعي: أهو حاضرٌ بالعين، أم مُستدعى بالقلب، أم مُشارٌ إليه بوساطةٍ تجمع الحسّ والتجريد؟ ومن هنا، نشأ الخلاف العميق بين المدرستين البصرية والكوفيّة في مراتب المعارف، لا بوصفه تبايناً في التقعيد فحسب، بل باعتباره اختلافاً في فلسفة الإدراك اللغوي.

أولاً: مفهوم “المعرفة” وحدودها

عرّف النحاة “المعرفة” بأنها ما دلّ على معيَّنٍ معروفٍ في الذهن أو الخارج، مقابل النكرة التي تدل على الشيوع والإبهام. غير أنّ هذا “التعيين” ليس درجةً واحدة؛ فالمعرفة تتفاوت بحسب قوّة الدلالة على المعيَّن، وبحسب وسيط الإدراك: أهو حسّيّ مباشر، أم ذهنيّ مستحضر، أم سياقيّ مُنشأ؟

ثانياً: مذهب البصريين – العَلَم ذروةُ التعيين

يرى البصريون، وفي طليعتهم سيبويه، أنّ أعرف المعارف هو اسم العَلَم؛ لأنّه يدلّ على فردٍ بعينه بلا واسطةٍ إضافية ولا قرينةٍ مُلحِقة. فقولنا: الخليل يُحيل مباشرةً إلى شخصية محدّدة لا يشاركها غيرها في هذا اللفظ.

ويؤكّد هذا الاتجاه المبرّد، إذ يجعل العَلَم في قمة الهرم المعرفي، لأنّ دلالته مُعيِّنة بذاتها، لا تحتاج إلى سياقٍ يُتمّها. فالعَلَم – في نظرهم – هو الاسم الذي استقلّ بالتعيين، واكتفى بذاته عن كلّ مُكمِّل.

ثالثاً: مذهب الكوفيين – الإشارة أبلغُ حضوراً

أمّا الكوفيون، وعلى رأسهم الكسائي والفراء، فيذهبون إلى أنّ أعرف المعارف هو اسم الإشارة: هذا، هذه، هذان…، لأنّه يدلّ على المعيَّن دلالةً حسّيّةً مباشرة، مقرونةً بالإشارة العيانية.

فالقول: هذا الرجل لا يكتفي بالتسمية، بل يُحيل إلى حاضرٍ مُشارٍ إليه، تُدركه العين ويثبّته السياق. ومن ثمّ، فاسم الإشارة عندهم يجمع بين:

التعيين الذهني

والتعيين الحسّي

وهنا ينبثق احتجاجهم الشهير:

المعروف بطريقتين (العين والقلب) أعرفُ ممّا يُعرف بطريقةٍ واحدة (القلب وحده).

رابعاً: بين ثعلب والمبرّد – تقاطعُ الرأيين

يمثّل ثعلب (أبو العباس) صوتاً كوفيّاً يميل إلى تقديم اسم الإشارة، تأسيسًا على قوّة حضوره الحسّي، غير أنّه – كغيره من أئمة العربية – لم يُنكر مكانة العَلَم، بل رأى أنّ التفاوت بينهما تفاوتُ درجاتٍ لا تضادّ.

أمّا المبرّد، فظلّ وفيّاً للمنظور البصري، معتبراً أنّ العَلَم أبلغُ في التعيين لأنه لا يفتقر إلى قرينةٍ خارجة، في حين أنّ اسم الإشارة قد يحتاج إلى سياقٍ يُحدِّد المشار إليه إن التبس المقام.

خامساً: المعرفة بين العين والقلب – تأويلٌ فلسفي

يمكن قراءة هذا الخلاف في ضوء ثنائيةٍ أعمق: العين والقلب.

حين نقول: نعرف الخليل بن أحمد الفراهيدي، فإنّ معرفتنا به قلبية/ذهنية؛ إذ نستحضره عبر الذاكرة والتاريخ، لا عبر الحضور الحسيّ.

أمّا حين نقول: هذا الرجل، فنحن نعرفه بالعين والقلب معاً؛ نراه ونُعيّنه في اللحظة ذاتها.

وعلى هذا الأساس، بنى الكوفيون تفضيلهم:

المعرفة المركّبة (حسّ زائد ذهن) أبلغُ من المعرفة الذهنية الصِّرفة.

لكنّ البصريين يردّون بأنّ ثبات التعيين واستقلاله أولى من قوّة الحضور العارض؛ فالعَلَم يبقى مُحدِّداً وإن غاب صاحبه، بينما اسم الإشارة يزول تعيينه بزوال المقام.

سادساً: أثرُ الخلاف في بناء الدرس اللغوي

ليس مصادفةً أن تبدأ كتب النحو بباب أسماء الإشارة؛ ففي ذلك إيماءٌ إلى أنّ اللغة تنطلق من الإشارة إلى العالم قبل تسميته، ومن الحضور قبل التجريد. غير أنّ استقرار الدلالة لا يتمّ إلا بالعَلَم، حيث تنتقل اللغة من “هذا” إلى “من هو هذا”.

وقد أشار ابن جني إلى أنّ اللغة نظامٌ متحرّك، تتفاعل فيه الوسائط الدلالية، فلا يُحسم التفاضل فيها إلا بالنظر إلى السياق والاستعمال، لا إلى التقعيد المجرد.

خاتمة:

إنّ الخلاف بين البصريين والكوفيين في مراتب المعارف ليس خلافاً في ترتيبٍ مدرسيّ، بل هو جدلٌ في طبيعة المعرفة ذاتها:

أهي حضورٌ حسّيّ مباشر؟

أم تعيينٌ ذهنيّ مستقل؟

وبين “هذا” و“الخليل” يتشكّل وعيُ اللغة بالعالم:

من الإشارة التي تُري، إلى التسمية التي تُثبّت.

وهكذا، تظلّ العربية – في عمقها – ساحةً يلتقي فيها الحسّ بالعقل، والعين بالقلب، في محاولةٍ دائمةٍ لإحكام القبض على المعنى.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين