عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عبد النبي بزاز: مُكَوِّن الاستطراد والتفاصيل في رواية "خروج من الشرنقة"

يقوم البناء السردي لرواية " خروج من الشرنقة " للروائية التونسية بثينة طراد على عناصر ومقومات الحكي الأساسية والمعروفة، من شخوص، وأحداث، ومكان، وحوار ووصف... مع إضافة متغيرات على مستوى تعدد الرواة، وتناوبهم على الحكي، وتنويع أساليب السرد، وتقاطع مهام الشخصيات من تطويق للحدث، واستحضار وتعالق في الالتفاف حول ما يحيط به، ويؤثر على نسق وسيرورة مجرياته، مما يكسر رتابة السرد، ويحد من دفق استطراداته وتفاصيله.

ولعل ما يميز الرواية هو وفرة الشخوص، وكثرة الأحداث، وتعدد الرواة، إلا أن هناك شخصيات محددة هي التي أسهمت، وتحكمت في دفة تسيير الوقائع، ورسم مجرياتها ؛ ويبقى الحدث الأبرز منصب حول موضوع المرأة داخل وسط أسري يكبلها بقيود مواضعات لا تراعي إمكاناتها وقدراتها الشخصية، وتحد من حريتها الفردية، وتجهز على كل رغباتها الوجدانية، ومؤهلاتها المعرفية، وهو ما أثر على شخصية ثريا، وصديقاتها نور، وفاتن، وإشراق اللواتي تناوبن على رواية قصصهن، كاشفات على ما يوحدهن من معاناة، وما يجمعهن من هدف يختزله التمرد على نمط حياة أسرية واجتماعية لا تؤمن بإمكاناتهن الذاتية، وحقوقهن القائمة على مبدأ الحرية والاختيار. وكان لمُكوّن الشخصية حضور بارز ولافت في الرواية، وبالأخص ثريا ففي فصولها الثلاث عشرة لم يخل من حضورها سوى الفصل الثاني في انزياح عن خطية السرد، الذي لم تحضر فيه كشخصية محورية، لتبرز شخصيات مثل بسمة / نوارة، والأم خديجة، وابنتها زينب، وأم بسمة، وأختها الصغرى، وشقيقها الأكبر، وصديقتها ريم وجدها عبد المجيد الذي تساعده في تسيير أمور المتجر الوحيد بالقرية الذي خلفه والدها المتوفى، وأمها التي تهتم بشؤون البيت موازاة مع نسج الزرابي، وتربية الدجاج وبيع البيض، لتتماهى شخصية بسمة / نوارة مع شخصية ثريا في العديد من المواقف والوقائع، ويسهم الجد عبد المجيد بحكايته إلى جانب باقي الرواة الذين تناوبوا على سرد قصصهم في الفصول الأخيرة من الرواية كفاتن، وإشراق، ونور وثريا التي تظل محور الشخصيات التي تمسك بزمام الحكي وخيوطه، والتي تدور حولها أحداثه ووقائعه انطلاقا من محيطها الأسري، وطبيعة، وتنوع علاقتها بأفراده ؛ من زوج وأبناء، إلى تماهي هذه العلاقة ببسمة / نوارة خارج إيقاع خطية السرد ومجرياته، وصديقاتها نور، وفاتن وإشراق، فضلا عن شخصيات أخرى ارتبطت ببسمة مثل والديها، وأختها الصغرى، وأخيها الأكبر، وصديقتها ريم وجدها عبد المجيد لتظل ثريا المسيطرة على جل فصول الرواية وتفاصيلها منذ الفصل الأول الذي دشنته بوقوفها قبالة المرآة متأملة وجهها، وما صاحب ذلك من إحساس بما طرأ عليه من تغييرات: " ونظرت في المرآة وجدت شخصا آخر لا تعرفه غريبا عنها... " ص11، وما انتابها من استغراب تمثل في اصطدامها بوجه آخر غريب عنها ؛ كسته التجاعيد، وخفت توهج نظراته: " شخصا في العقد الخامس من عمره شعر فضي وتضاريس متنوعة تغطي كامل جسمها، مع وجه لعب به الزمن وملأه بالأخاديد وعيون منطفئة يسكنها الظلام والتيه " ص 11، إلى الفصل الثالث عشر والأخير والذي تضمن قصتها التي روتها بنفسها إتماما وتتويجا لرواية صديقاتها، تواليا، قصص حياتهن الزوجية بالخصوص فلا تتردد عن سرد حلمها الأخير لنوارة التي طلبت منها ذلك ذات تجلّ وتمظهر: " ـ هو حلم غريب، شعرت بأنني أسقط من أحد المرتفعات. وجدت نفسي بين أناس يحملون داخل صدورهم قلوبا ثقيلة كثقل الجبال، عكسنا تماما، نحن قلوبنا خفيفة كالفراش. " ص342. ومن أهم الأحداث التي تضمنتها الرواية، والمرتبطة ب ثريا حين تعرضت لانهيار عصبي ونفسي: " لم تتحمل المسكينة كل ذلك الضغط المسلط عليها والذي فاق قدرتها، فانهارت كالجرف على الأرضية وأغمي عليها. " ص19، مما جعلها تدخل في نوم امتد لثلاثة أيام والذي أشاع موجة من الخوف والهلع في نفوس أبنائها إلى أن طمأنهم الطبيب على حالتها بعد أن فحصها وسأله ابنها سفيان: " أخبره أنها بصحة جيدة وأن كل الذي تمر به عابرا وستتحسن قريبا بعد أخذها للعلاج اللازم... " ص48، كما أوصاهم بعرضها على أخصائي نفسي: " ثم أكد عليه عرضها على مختص نفسي لفهم الحالة ولمعرفة أسبابها، وحبذا أن يكون ذلك في أقرب وقت ممكن. " ص48. وعند زيارتها للطبيب النفسي كشفت الكثير من تفاصيل معاناتها قبل أن تتخذ قرار التمرد على وضع أغرقها في دوامة إهمال ذاتها وخدمة الآخرين: " لقد مرت مدة لا بأس بها وأنا على هاته الحالة، وها أنا في العقد الخامس من عمري وما زلت أنازع الرغبة في تحرير نفسي... أنا زوجة وأم مستميتة في أداء الدور المنوط بعهدتي. شديدة الحرص بأن لا أقصر في واجباتي تجاه البيت وكل أفراد الأسرة... كنت نسيت أن هناك شخصا آخر تستحق مني الرعاية والعناية... شخص آخر كان عليه أن يكون من أول أولوياتي... هذا الكائن المنسي هو أنا... " ص129، ثم مافتئت تتدارك الوضع لتعمل وتعمد بإصرار على الانتقال من حياة الرضوخ والخنوع إلى حياة مغايرة تهتم فيها بذاتها، وتوفر لها ما تستحق وتتطلب من سبل عيش أكثر انفتاحا وتحررا واتساعا، وقد أُعْجِب الطبيب بوعيها بحالتها، من خلال رؤيتها وتطلعها لحياة جديدة مختلفة عن تلك عاشتها لفترة طويلة حين أقر بذلك: " حقا إن دواءك بين يديك فمثلما شخصت العلة سارعي بتشخيص الدواء ثم القيام بخطوات فعالة، ما تريدينه موجود بداخلك، فقط ركزي على نفسك وستجدين تلك اللؤلؤة المفقودة التي تبحثين عنها... " ص138، لتمر زيارتها للطبيب النفسي بيسر وسلاسة بعيدا عن أي صعوبات أو تعقيدات بما أبدته وعبرت عنه من تفهم لوضعها النفسي بالخصوص، وما رسمته من خطط تغيير نابع من رغبة راسخة وقوية. وفي سياق ما تعيشه من إرهاصات تحول ولجت مكتبة زوجها التي ألهمها فضاؤها كتابة شعر مستوحى مما تمربه الثقافة من أوضاع مزرية، ثم فتحت كتابا ل تشيخوف على صفحة مطوية لقصة " المغفلة "، وهي قصة خادمة اعتبرت ضعيفة وهو عكس ما رأته ثريا كما صرحت بذلك: " بالنسبة لي فإن قراءتي مختلفة تماما فما رأيته أن " يوليا " لم تكن ضعيفة ولا مغفلة، وأيضا لم تكن خائفة وخانعة، بل كانت مستوعبة تماما الوضع والظروف والبيئة والثقافة التي تعيش داخلها، وأن ذلك الذي تراءى للقارئ ضعفا، إنما هو ضعف الحق الذي غاب في قلوب الطبقة الأرستقراطية وضعف القوانين التي تحمي الأشخاص وضعف الوحدة في الأفراد المستضعفين للمطالبة بحقوقهم مع غياب الضمير إن الصمت لا يعني دائما الخنوع. " ص150، مما حفزها للتفاعل والتجاوب مع هذه القصة: " جعلتها هاته القصة تفكر مليا في وضعها...فقد أسقطتها على حياتها وعلى حياة الكثير من النساء. " 154. هذا التغيير هبت رياحه لاجتراح أفق مواجهة غير مسبوقة مع زوجها: "ارتفعت درجة صوتها وقالت: ـ نعم غاضبة... أنا غاضبة ومغتاظة، منذ أن علمت بوعكتي كم مرة اتصلت بي...؟... ألهذه الدرجة صرت لا أعني لك شيئا ولا أستحق بعض مكالمات......؟ ص164، فتصدع بقرارها على التحول في علاقتها معه بدرجة أولى، ومع أفراد أسرتها بدرجة ثانية: " سأعيش لنفسي بعد الآن... سأصبح أنانية... نعم أنانية ولو لمرة واحدة في حياتي... سأتعلم ذلك... أجل سأتعلم كيف أصبح أنانية !؟ " ص 164، وشرعت فعلا في تغيير مجرى حياتها باتخاذ قرارات فردية وشخصية في الخروج وحدها لتختلي بنفسها، وهو سلوك أثار استغراب زوجها: " لم يصدق زوجها ذلك. استغرب أن تقدم زوجته على مثل ذلك وأن تذهب بمفردها إلى تلك الأماكن. فسألها إن كانت صحبة إحدى الأصدقاء، فأجابته أنها قد قالت له أنها أرادت أن تختلي بنفسها وأنها لوحدها. اقترح عليها بأن يلتحق بها ويمضيان اليوم معا، رفضت وأعلمته أنها تهم بالعودة للمنزل. " ص174، فتتوج خرجاتها الفردية برحلة جماعية رفقة صديقاتها أيام الدراسة ( نور، وإشراق، وفاتن ) وتقترح نور عليهن الحديث عن حياتهن بعد الانتهاء من مرحلة الدراسة ؛ ف إشراق اشتغلت كأستاذة للغة العربية، تزوجت وأنجبت طفلين ثم تطلقت... أما فاتن فقد أصبحت طبيبة أطفال ولم تتزوج، وثريا أول من تزوجت بعد أن انقطعت عن الدراسة مبكرا وهي أم لثلاثة أبناء، ونور التي تخرجت من الجامعة كمحاسبة وتشتغل هي وزوجها في مصنع للملابس الجاهزة. وكانت وجهتهن السياحية مدينة جبلية ساحلية تطل على البحر من اليمين، وعلى بحيرة بين الجبال وسط الغابة من اليسار حيث قضين أوقاتا جميلة تمتعن فيها بسحر الطبيعة وجمالها، وقمن برحلات في محيطها الخلاب، وما يتميز به من تنوع في المناظر والفضاءات، لتشرع بعدها كل واحدة منهن في سرد وقائع حياتها. فقصة فاتن تلخصت في إنهاء علاقة جمعتها مع أحد زملائها بكلية الطب بعد أن تخلى عنها وارتبط بفتاة من اختيار والدته حسب ادعائه، فتفرغت لعملها كطبيبة أطفال منفتحة مؤخرا على طلب زواج من رجل خمسيني مطلق له مركز محترم إلا أن الموضوع ظل معلقا بسبب والدتها التي تعيش معها ووالده الذي لا يمكن أن يتخلى عنه بحكم أنه ابنه الوحيد. تليها قصة إشراق التي تزوجت بعد إنهاء دراستها العليا برجل نرجسي قررت طلب الطلاق منه إلا أن ذلك لم يؤثر على حياتها الأسرية بخصوص الأولاد: " ـ لقد فكرنا مليا قبل الطلاق وقررنا ألا يكون طلاقا على حساب الأولاد، سيكون فقط انفصالنا نحن الاثنين وليس تحطيما لعلاقتنا الاجتماعية ولا لأولادنا فهما أثمن شيء لدينا... " ص255، أما نور فقد كانت تشتغل رفقة زوجها في مصنع للألبسة الجاهزة، إلا أن المشكل الذي واجههما فتمثل في عدم الإنجاب الذي كان من جانب الزوج، ولم تخبره بذلك في بداية الأمر، وما عاشاه بسبب ذلك من مشاكل من قِبَل عائلته، فقررا تبني توأمين ( ذكر وأنثى )، إلى أن علمت بإصابتها بمرض خبيث في الدم، وأن حظوظ التعافي منه كبيرة مادام في بدايته وما خلفه ذلك من أثر على صديقاتها اللائي تمنين لها الشفاء. وكان الختم بقصة ثريا والتي لخصتها في دوافع العمل على تغيير نمط حياتها المتمثلة فيما طوقها من عزلة ورتابة ورضوخ وخنوع لالتزامات الأسرة، وما يترتب عنه من إرضاء لأفرادها حفاظا على نظام عيش وحياة تقوم على الهدوء والطمأنينة، ملخصة ذلك في قولها: " كم هو جميل أن يحرر الإنسان نفسه وروحه ويطلقها في سماء الحياة بأجنحة ينسجها بنفسه " ص327. وما دام أن ثريا تعتبر الشخصية المحورية التي تدور حولها جل الوقائع والأحداث، بل تمسك بخيوطها الأساسية، فقد ارتأينا أن نتطرق باختصار لأهم علاقاتها بباقي الشخوص، وفي مقدمتهم زوجها الذي تمردت على ما يربطها به من وشائج تقوم على مهادنة وقبول تحول إلى استسلام وخنوع، فرغم تقديره لها إلا أن ذلك لم يكن كافيا بحيث لم يكن يقنع رغباتها فيما هو وجداني وعاطفي، ويكتفي بما هو مادي: " هي تعلم أيضا أنه يحبها ويوفر لها كل وسائل الراحة ولا يبخل عليها بشيء... فقد كان يقدم لها مشاعره في شكل أشياء مادية في الوقت الذي كانت تتمنى أن يكون لها أذنا تسمعها وحضنا يحتوي قلقها وحزنها وكتفا تضع عليه رأسها حين تعبها... ويهتم بها كشخصية مستقلة ولها كيانها وذاتها وليس ذلك التملك والحب الأناني الذي يجبرها على إلغاء ذاتها لإرضائه... " ص55، هذا الزوج الذي كرس كل وقته وجهده للعمل: " العمل الذي يأخذ الاهتمام والنصيب الأكبر لديه... " ص155، مما يفضي إلى إهمال مسؤولياته غير المادية تجاه زوجته بالخصوص، وأولاده إلى حد ما: " وقد كان في كل مرة يهرب ويفلت كالزئبق متعللا بضرورة تأمين مستقبل أفضل للعائلة... هي ترى أنه لا قيمة للمستقبل إذا خسر الإنسان حاضره وفوت الاستمتاع بأوقاته مع أولاده كذلك زوجته التي تشعر بالغربة تجاهه، أما هو فهوسه بتأمين مستقبل مريح جعله يضحي بحاضره... " ص155، كلها عوامل وأسباب دفعتها إلى الوقوف في وجهه راكبة غمار التحدي، مقررة العيش لنفسها، وأن تصير أنانية مهما كلفها ذلك: " سأعيش لنفسي بعد الآن... سأصبح أنانية... سأتعلم كيف أصبح أنانية !؟ أقسم أنني لن أتراجع ولن أتنازل عن حقي هذه المرة... " ص164، لترسم مسارا خاصا بها من خلال ما قامت به من خرجات بمفردها، إلى المشاركة في رحلة مع صديقاتها دون أن تعبأ بملاحظات زوجها واستفساراته مما أرغمه على الإذعان لقراراتها لما لمسه فيها من إصرار على تغيير علاقاتها معه بالخصوص. ومن أبرز العلاقات أيضا التي جمعتها ب بسمة / نوارة عبر تقاطع نفسي ووجداني غير محدد الملامح والمعالم ؛ ابتداء من الفصل الثاني الذي كسر هيمنة ثريا على مجريات السرد ومشهدياته، حيث برزت شخصيات من قبيل بسمة / نوارة، وصديقتها ريم وجدها عبد المجيد الذي تناوب في الحكي مع ثريا وصديقاتها بقصته الأسطورية عن الفتاة التي اختفت في حوض الحمام ليلة زفافها، وما نسج حولها من حكايات، وقصتها مع الجن الأحمر الذي سيخطفها وسيبقيها تحت الأرض، وما انتاب العريس من ردود أفعال صادرة عن شدة انفعال وغيظ وتذمر بسبب اختفاء العروس. وقد أبدت بسمة / نوارة اهتماما ومتابعة كبيرة لقصص الجد عبد المجيد التي تمزج بين الغيب والخيال. وقد كانت تظهر في العديد من المواقف في حياة ثريا كما حدث في سياق النصائح التى قدمها لها الطبيب النفسي بحيث تقاطعت مع نفس النصائح التي أدلت بها نوارة: " ثم قدم لي بعض النصائح التي شوشت تفكيري... كانت نفسها التي قدمتها لي نوارة وكأنه يعيد كلماتها أو ربما هي من كانت تعلم ماذا سيقول لي الطبيب ؟ " ص138، فيفتح جسرا للتماهي بين ثريا ونوارة عبر زيارتها للطبيب، وحضورها في موقف استبقت فيه نصائحه فغدت وكأنها هي التي أملتها عليه وزودته بها، لتغدو هي المسيطرة على تفكيرها، والممسكة بزمامه: " احتلت نوارة النصيب الأكبر من تفكيري. لقد كان أمر تلك المرأة لغزا حيث شخصت حالتي أكثر من الطبيب ذاته وكأنها تقول لي أن الطريقة الوحيدة للراحة أن تتصالحي مع نفسك ومع محيطك وأن تعيشي الحاضر بدون ماض يسحبك إلى الوراء أو مستقبل يجرك إلى الأمام داخل موجة من القلق والهموم. " ص139، ليتضح مدى التأثير الذي يحيطها به حضور نوارة عبر مختلف التجليات والتمظهرات خصوصا المتعلقة منها بوضعيتها الصحية، لتسألها في آخر الرواية أن تحكي ما شاهدته من أحلام في نومها: " وأضافت نوارة قائلة: ـ أين ذهبت بأحلامك هذه المرة ؟...هيا أتحفينا. " ص342.

وقد اعتمدت الرواية في بنائها السردي على العناصر المعروفة من حوار خارجي: " وسألته عن القصة فرد قائلا: ـ لن أروي لك هذه الأسطورة. سألته عن السبب، فأجابني: ـ ستكرهين الحمام وستخافين منه... " ص32، والداخلي (المونولوغ ): " ثم سألت نفسها: هل الكائنات الموجودة على هذه المجرة يشعرون بقيمة هذه النعمة ؟ " ص26، واسترجاع: " أخذتها الذكريات إلى سنوات زواجها الأولى، وكيف كانا لا يستطيعان تحمل البعد عن بعضهما البعض... " ص160، ووصف كما جاء في وصفها للأم خديجة: " وهي امرأة في العقد السادس من عمرها، لها جسم ممتلئ، قصيرة القامة، بيضاء البشرة وجهها مستدير... ولها عينان ناعستان يتوسطهما وشم أخضر فوق خطوط غائرة... كما كان فمها صغيرا بشفتين رقيقتين يحيط به زوج من التجاعيد العميقة... " ص27، ووصف الجد عبد المجيد: " كان الجد عبد المجيد قد تجاوز عقده السابع، وكان فوضويا وأشعث وكانت عيناه غائرتين جدا... امتلأ كل خط من خطوط تجاعيده بغبار رمادي... " ص31. كما تميزت لغة الرواية بانزياح عن خطها الواقعي إلى لغة ذات طابع رومانسي رهيف وجذاب: " وتنطلق نحو التلة التي خلف المنزل لتراقب طلوع الشمس وكيف تبزغ من وراء الجبال متقدمة شيئا فشيئا تتهادى ناشرة النور حولها باعثة الحياة في الأرجاء لتبدأ سمفونية الحياة بالعزف... صياح الديكة... زقزقة العصافير... ثغاء الخراف والأغنام مع خوار قطعان البقر وهي متجهة نحو المراعي الشاسعة والغضة... " ص26، فتتآلف عناصر الطبيعة مشكلة مشهدا لبزوغ الشمس من خلف الجبال، وجوقة يتناغم فيها صياح الديكة بشدو الطيور، بثغاء الخرفان والشياه، بخوار البقر فتطرب لوقعها الآذان، وتنشرح النفوس.

فأمام وفرة شخوص الرواية، وتعدد أحداثها، وتنوع سياقاتها لم تسعفنا الإمكانات المتاحة لمقاربتها بشكل مستفيض وشامل إلا أنه لابد من الإشارة أخيرا إلى تميز إيقاعها السردي بتوالي الاستطرادات والتفاصيل التي اقتضتها طبيعة بعض المستجدات، وما أفرزته من تحولات ومتغيرات.

***

عبد النبي بزاز