قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: عبقريةُ الناقد وبناءُ المعنى.. من تركيب اللغة إلى كليّات المقاصد
ليس النقد الأدبي فعلاً تابعاً للنص، ولا وظيفةً شارحةً لما استغلق من عباراته، بل هو ـ في جوهره العميق ـ إعادةُ خلقٍ معرفيٍّ للنص داخل أفقٍ أوسع من لغته الظاهرة. فالناقد الحقّ لا يقف عند حدود التذوّق أو الانطباع، بل يمتلك عبقرية التركيب اللغوي التي تمكّنه من تحويل القراءة إلى فعلٍ تأويليٍّ مركّب، يجمع بين الحسّ اللغوي والبصيرة الفلسفية، وبين علم الدلالة وسياقات الاجتماع والثقافة.
إن اللغة ليست مادّةً محايدة؛ إنها نظامُ علاقاتٍ وتاريخُ وعيٍ متراكم. ومن هنا كان على الناقد أن يمتلك قدرةً فائقة على افتِحاص النص المنقود؛ أي تفكيك طبقاته الصوتية والتركيبية والدلالية، والانتقال من ظاهر القول إلى باطنه، ومن العلامة إلى مقصدها، ومن الأسلوب إلى بنيته المعرفية. فالنص الأدبي لا يُقرأ في مفرداته، بل في توتّراته الداخلية، وفي صمته بقدر ما يُقرأ في نطقه.
وقد أدرك البلاغيون العرب هذه الحقيقة مبكراً حين ربطوا المعنى بالنظم، فأسّسوا لنقدٍ لغويٍّ عميق بلغ ذروته عند عبد القاهر الجرجاني الذي رأى أن جمال النص لا يكمن في المفردات منفردة، بل في العلاقات التي تنتظمها داخل السياق. فالنظم عنده ليس ترتيباً لفظياً فحسب، بل هندسة عقلية تتجاور فيها الدلالة والنحو والبلاغة. وهنا تتجلّى عبقرية الناقد: أن يرى العلاقات الخفية التي لا يراها القارئ العابر.
غير أنّ النقد الحديث لم يقف عند حدود البلاغة؛ إذ توسّع ليصبح مجالاً تلتقي فيه أطراف العلوم والفلسفة. فالناقد المعاصر مطالب بأن يجمع ما أخذ من علوم الإنسان المختلفة تأثّراً وتأثيراً وتجاذباً وإمداداً واستمداداً؛ من اللسانيات إلى علم النفس، ومن التاريخ إلى الأنثروبولوجيا. وقد أسهمت البنيوية وما بعدها في توسيع هذا الأفق، حين تعاملت مع النص بوصفه شبكةً من العلامات لا مرآةً للواقع فحسب، كما نجد عند
رولان بارت الذي نقل مركز الثقل من المؤلف إلى اللغة ذاتها، وجعل القراءة فعلاً إنتاجياً لا استهلاكياً.
لكن هذا الاتساع المعرفي لا يستقيم دون الاستناد إلى علم الكلام بوصفه علماً كلياً أكبر؛ إذ إن جوهره قائم على الجدل العقلي وبناء الحجّة وتحليل المفاهيم الكلّية. فالكلاميون لم يناقشوا النصوص الدينية وحدها، بل أسّسوا لمنهجٍ في النظر يقوم على مساءلة المعنى وإقامة البرهان وموازنة الظاهر بالباطن. ومن هنا يتأثّر علم المقاصد بهذا المنهج تأثيراً عميقاً؛ إذ ينتقل من الجزئي إلى الكلي، ومن الفرع إلى الأصل.
وعلم المقاصد ـ في بعده المعرفي ـ لا يقتصر على التشريع، بل يمكن توظيفه نقدياً لفهم النص الأدبي؛ لأنه يبحث عن الغاية الكامنة وراء البنية. فالناقد حين يتتبّع مشاوير النص إنما يسأل: إلى أي أفقٍ يتجه المعنى؟ وما الذي يريد النص قوله عبر ما لا يقوله صراحة؟ وهنا يتكامل الباطني والظاهر، إذ يصبح الأسلوب جسراً بين المقصد الخفي والبنية المعلنة.
وقد مارس بعض النقاد العرب هذا الوعي المركّب، كما عند طه حسين الذي جعل النقد بحثاً في التاريخ الاجتماعي للعقل العربي، لا مجرد تقويمٍ للأساليب. فالنص عنده ابنُ بيئته، واللغة انعكاس لتحوّل المجتمع. وكذلك نجد في النقد الفلسفي الغربي أثراً واضحاً لتحليل الخطاب بوصفه ممارسة سلطة ومعرفة، كما بيّن ميشيل فوكالت حين ربط اللغة بأنظمة التفكير التي تنتجها المؤسسات والثقافات.
وإذا عدنا إلى الجذور الأولى للنقد، وجدنا أن الفلسفة نفسها قد وضعت أسسه حين جعلت المحاكاة والتمثيل أساس الحكم الجمالي، كما في تنظير أرسطو الذي نظر إلى الأدب باعتباره بنيةً ذات قوانين داخلية يمكن تحليلها عقلياً. ومنذ ذلك الحين، ظلّ النقد يتحرك بين قطبين: قطب الجمال وقطب الحقيقة.
أما المذاهب النقدية، على اختلافها، فهي محاولات للإجابة عن سؤال واحد: أين يقيم المعنى؟ فالواقعية تبحث عنه في المجتمع، والرومانسية في الذات، والبنيوية في اللغة، والتفكيكية في الاختلاف والانزياح. غير أن الناقد المتمكّن لا يستعبد نفسه لمذهبٍ واحد؛ بل يجعل المذاهب أدواتٍ لا قيوداً، يستنطق بها النص وفق مقتضى حاله.
ومن هنا تبرز ضرورة حثّ الأديب على تتبّع حالة الازدهار اللغوي وبنيانه؛ لأن اللغة كائنٌ اجتماعيٌّ حيّ، لا زخرفٌ معزول. فالكاتب الذي لا يفهم بنية ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه يكتب خارج الزمن، ويصنع نصوصاً بلا جذور. غير أنّ هذا الفهم لا يعني الوقوع في أسر العامية أو الابتذال، كما لا يبرّر الانزلاق إلى لغةٍ مقعّرة متكلّفة أو محدّبة متعالية على القارئ؛ لأن البلاغة الحقيقية هي اقتصاد التعبير لا تضخّمه، وشفافية المعنى لا غموضه المصطنع.
إن الناقد ـ في نهاية المطاف ـ هو مهندسُ المعنى؛ يجمع بين عقل المتكلّم، وبصيرة المقاصدي، وحسّ اللغوي، وجرأة الفيلسوف. فإذا امتلك عبقرية التركيب، صار النقد ضرباً من الحكمة العملية؛ يضيء النص، ويكشف المجتمع، ويعيد إلى اللغة قدرتها الأولى: أن تكون بيتاً للفكر لا متحفاً للألفاظ.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







