عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

رمضان بن رمضان: قراءة في قصيد "ما لم يقله بيدبا" لعبد المجيد بن سالم البرغوثي

تقنيع الوجوه وسبر الكينونة

الذئب:

ما نهشت أنيابه لحما

غير جثته

و لا داست أرجله شبرا

غير جبهته

عواؤه صدى الأشواق

في لجج الأبد

نواجذه بريق

يستفز الموتى

في ليل الكمد

أنفه مهووس بأشذاء الوطن

عيناه جمرتان في الصقيع

كلابهم تلاحقه شروقا

وحتى الهزيع.

الأرنب:

واصل منامك هانئا

و آنعم بأطياف المنى

إلزم مكانك ههنا

نم وآستعد في الحلم

أمجادا خلت

إرفع لواء البارحة

إعرض عن الإعصار

إن دوى

لا آهة في الصدر

ترسلها

و لا دمعا يراق.

الجمل:

صبورا يظل ولو حرموه طعامه

صبورا يظل ولو إمتطى الفاسقون سنامه

صبورا وإن صلبوا الشوق في مقلتيه

و غالوا مرامه

و هاذي الصحاري التي لم يجبها سواه

تجدد مهما قست حلمه

و تذكي لدى كل فجر هيامه

و لكن إذا آغتيل فيه رغاء

يهز الدجى ويقيم القيامة.

التقديم: نشر هذا القصيد في مجلة الحياة الثقافية التي تصدر عن وزارة الشؤون الثقافية بتونس، العدد109  / نوفمبر 1999، ص 89 ، قصيد " ما لم يقله بيدبا "، بعنوانها المبني على النفي، نص مخاتل مغر بقدرات يستدعي الماضي، يفلت منه إلى آفاق قصية يؤسس في رحمها المختلف ليدهش ويباده. ستستنفر القصيدة كل الجوارح وتذكي الحدس وتلهب شعلة العقل والمعرفة حتى نستقبل عناصرها ومفرداتها. إتصلت القصيدة بعالم الحيوان الرحب إتصالا تقصده الشاعر وتعمده، فآنتقى منه ثلاثة حيوانات هي الذئب والأرنب والجمل دون أن يكون هناك رابط يجمعها سوى ذات الشاعر التي تلج تلك العوالم لتعيد صياغتها من جديد بما يتيحه الطقس الشعري من وسائل ورؤى فنية.

1 – تماهي الجسدي بالشعري

في المقطع الأول ينهض القول الشعري منشدا إلى ماهية الكائنات لينتشلها من التشيؤ والموت حين ترتكس في الإجترار وتترهل بفعل المألوف والمعتاد. منذ السطر الأول تتوالى الألفاظ التي تحيل إلى جوهر الكائن / الذئب " نهش " " أنياب " " جثة ". تتكثف حينئذ الإحالة على كل ما هو جسدي. ولعل ذلك ما يمنح القصيدة بعدها الحداثي. يرتد الجسدي على الجسدي نفسه ليحده في حركة دائرية تعود من حيث بدأت، من خلال أسلوب الحصر " ما...غير "، " لا...سوى " مثلما يكون القول الشعري فعلا لازما لا يتجاوز ذاته يقول الشاعر:

ما نهشت أنيابه لحما

غير جثته

ولا داست أرجله شبرا

غير جبهته.( 89)

إنه جسد متوحش لم تفعل فيه الثقافة بعد فعلها. إنه الكائن المتحفز دوما لإشباع غرائزه، فهو صورة للطبيعة في توحشها، إنه إنشداد الشاعر إلى لحظة البدء حيث مازالت الكينونة بكرا لم تمسسها الحضارة، التي ما إنفكت تصوغ الوجود الحيواني / الإنساني وفق معارف ومعتقدات وفنون وقوانين يستبطنها الإنسان في مجتمع ما، يقول الشاعر:

عواؤه صدى الأشواق

في لجج الأبد

نواجذه بريق

يستفز الموتى

في ليل الكمد ( ص 89)

صورة الثقافة في هذا المقطع صورة سلبية، لأنها مضادة للطبيعة في نزوعها المتوهج نحو الإنفلات من كل ما هو مؤسسة / نظام وقوانين. إنها ذلك السيل الجارف نحو تنميط المجتمع/ الوطن وفق رؤية إيديولوجية تظل إحدى صور القمع الكابح للحرية والإختلاف. إنه تدجين لتلك الإنطلاقة الأولى في عفويتها وبراءتها. ولكن الذات التي لا تنظر إلى الوجود على كونه لعنة حلت بها وإنما تراه مغامرة تخوضها بكل مسؤولية وشجاعة لا تني تعمل على نحت كيانها بآستمرار وفق شروط تضعها بنفسها لنفسها دون وصاية من جهاز ثقافي تنتجه المؤسسة. يقول الشاعر:

أنفه مهووس

بأشذاء الوطن

عيناه جمرتان في الصقيع

كلابهم مازالت تلاحقه

شروقا

و حتى الهزيع ( ص 89 )

2 – قلب الماهية/ مأساة الكائن

يدهشك المقطع الثاني بهيمنة أساليب الأنشاء التي طبعته بطابعها، فآستقام مشهدا قد إنقلبت فيه صورة الكائن/ الأرنب رأسا على عقب. لقد إستطاع الشاعر أن ينشئء بفضل مسوغات القول الشعري خطابا مضادا لما رسخته الحكاية الشعبية في ملفوظها الشفاهي المتداول. إننا إزاء كائن جديد قد نحته طقس القصيدة، فآستوى قائما بماهيته الجديدة. إنه مسخ مس جوهر الكائن دون أن ينال من شكله. تخترق صيغ الأمر وصيغة النفي تراكيب المقطع الثاني ووحداته لتسمه بسمة العجز عن الفعل: واصل منامك/ إلزم مكانك/ إعرض لا آهة.../ لا دمعا...إن الذات التي أنهكها إمتلاؤها بنفسها حد الغرور، ركنت للموجود تجتره، حتى فقدت خصائصها المميزة، ليتحول ما كان طارئا في حياتها إلى ثابت يتلون به جوهرها. يقول الشاعر:

واصل منامك هانئا

و آنعم بأطياف المنى(ص 89)

من سجلات القول التي آثر الشاعر اللجوء إليها في هذا المقطع لتعميق أبعاد الخطاب المضاد، سجل يحيل على الإستكانة والحلم والماضي: أطياف المنى / نم.../ الحلم / أمجاد خلت.../ البارحة. لقد إستعصى على الكائن الذي وهنت عزائمه وتفتت إرادته أن يستجمع قواه لينهض من جديد، فآنقلبت حركة الجسد المتوثب – تلك الطاقة المتمحضة دوما للفعل- إلى حركة حبيسة داخل الذات تستعذب في منامها ما تجود به الذاكرة من أمجاد الماضي حتى تنسى هزائم الحاضر ونكباته. يقول الشاعر:

إلزم مكانك ههنا

نم وآستعد في الحلم

أمجادا خلت (ص 89)

إننا إزاء كائن موسوم بالزيف قد فقد كل علاقة حميمة بالوجود، إعترت حواسه حالة من الذهان تغيب فيها الذات عن عالمها المحسوس. إنها مأساة الكائن الذي لا يقدر على الإضطلاع بمسؤولية الوجود، فيحتمي بشعارات الماضي، إنه الفرار من خوض الصراع، يقول الشاعر:

إرفع لواء البارحة

إعرض عن الإعصار إن دوى

لا آهة في الصدر ترسلها

و لا دمعا يراق.( ص 89)

3 – إستبطان الكائن: الهدوء/ الثورة

للمقطع الثالث والأخير نزوع إستبطاني، فالجمل – الكائن الذي إتصف إتصافا شديدا بالصبر. غاص الشاعر في كينونته يسبر أغوارها، حتى إختلطت صفة الصبر بجوهره فأصبحت السمة المميزة له، يعرف بها وتعرف به. فصيغة المبالغة – صبور التي تصدرت كل وحدة معنوية. أصبحت الماهية التي سبقت وجود الكائن، لا تختبرها التجربة بقدرما تؤكدها. لقد لامست هذه التجارب الجانب البيولوجي: "صبورا يظل ولو حرموه طعامه"، ثم الجانب الأخلاقي: " صبورا يظل ولو يمتطي الفاسقون سنامه "، كما لامست الجانب الوجداني: صبورا...و إن صلبوا الشوق في مقلتيه وغالوا مرامه. رغم قسوة الطبيعة: " الصحاري...قست " وتقلباتها: " أمطرتها...العواصف تعوي " تظل ماهية الكائن ثابتة، صامدة متناغمة مع محيطها تستمد القدرة على إستشراف الآتي عبر الحلم والقدرة على تغذية الوجدان وهزه. يقول الشاعر:

و هاذي الصحاري التي

لم يجبها سواه

تجدد مهما قست

حلمه

و تذكي لدى كل فجر

هيامه. (ص 89)

إلا أن الوحدة الأخيرة في هذا المقطع تضع حدا لتلك الجوهرانية الثابتة والتي تقصد الشاعر إيهامنا بديمومتها وإستحالة تبدلها. تقف أداة الإستدراك " لكن " على رأس هذه الوحدة مصحوبة بأداة الشرط " إذا "، فتتلاشى تبعا لذلك تلك الطاقة الجبارة على الصبر والتحمل لتنقلب إلى ثورة عارمة لا تبقي ولا تذر. إن تحليل مضمون جملة الشرط ودلالتها يكشف لنا سبب هذا الانقلاب فيكون العنف الذي إصطبغ به جواب الشرط حينئذ مشروعا. الكائن إذ يتكلم يسمع حفيف نفسه، لأن المسافة بين الفم والأذن قريبة جدا، فيكون الحضور الكامل للذات مع الذات من خلال الصوت والكلام الشفهي. ويكون الوعي بالحميمية الداخلية. ولكن حين يمنع الكائن من الكلام – الرغاء- فذلك يعني فقدانه للإحساس بالإمتلاء / إمتلاء المعنى والحضور الكامل، إنه يعني الاطلالة على الخواء والفراغ، إنها فظاعة الإحساس بالرعب ينتفض لأجلها الكائن أيما إنتفاضة، يقول الشاعر:

و لكن إذا إغتيل فيه رغاء

يهز الدجى

و يقيم القيامة (ص 89)

ملاحظات أخيرة:

تمحضت قصيدة " ما لم يقله بيدبا " لإضفاء المعنى على بعض المخلوقات من خلال سبر كينونتها، والشعر أقدر الفنون على ذالك. فالإنسان كما يقول الأنتروبولوجيون قد يحتمل شظف العيش وكل ألوان الحرمان، لكنه لا يحتمل غياب المعنى.هنا تكمن أهمية الشعر في إضفاء المعنى على الوجود، ولا عجب أن تكون القصيدة حينئذ ضوءا ينبجس من رحم اللغة الشعرية ليضيء الإنساني في الإنسان عبر الحيوان. فلم يعد الحيوان في رؤية الشاعر مجرد قناع يمكن الكاتب كما في القديم من ممارسة النقد السياسي والإجتماعي تحت ستار من الحيطة والحذر، بل أصبح القناع وسيلة فنية ورؤية جمالية، يعرفه عبد الوهاب البياتي بقوله: " والقناع هو الإسم الذي يتحدث من خلاله الشاعر نفسه متجردا من ذاتيه، أي أن يعمد الشاعر إلى خلق وجود مستقل عن ذاته وبذلك يبتعد عن حدود الغنائية والرومانسية. " (1) لقد أضحت الحيوانات بمقتضى هذه الرؤية – الأرنب، الذئب والجمل – ورغم ما تأصل ما تشيعه من دلالات ومعاني في القصص والأمثال الشعبية، كائنات تسنى للشاعر أن يرصدها وهي تخوض تجارب وجودية مختلفة ليكتشف ما يصيب كينونتها من تصدع وتبدل وإنقلاب ضمن رؤية شعرية تغير مفهوم الشعر مع تغير كل مقطع من مقاطع القصيدة، فالشعر في المقطع الخاص بالذئب مثول في جوهر الموجودات ومجاورة دائمة لكيانها ( 2 )، وفي المقطع الخاص بالأرنب تحويل لماهية الكائن، فيكون وسيلة لتحرير رؤيتنا للأشياء من المألوف والمعتاد، وفي المقطع الخاص بالجمل يكون الشعر تكريسا للمختلف عبر صياغة رؤية جديدة لكائن/ رمز قد إستهلكه الاستعمال اليومي حد الإهتراء فإذا الشعر مبادهة ودهشة

***

رمضان بن رمضان

.......................

الهوامش:

1 – ديوان عبد الوهاب البياتي، المجلد الثاني، تجربتي الشعرية، دار العودة، بيروت، 1979، صص 37 – 38.

2 – محمد لطفي اليوسفي، لحظة المكاشفة الشعرية، الدار التونسية للنشر، تونس، 1992، ص 273.