عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

علاء حمد: البنية الدلالية والتصورية في قصيدة إيواءات للشاعر العراقي طالب حسن

إنّ العلاقة التي تربط البنية الدلاليّة بالبنية التصوّرية، هي علاقة تأويليّة من خلال اللغة الشعريّة النصّية، وما يحمله النصّ من مؤثرات تؤدّي إلى حركة الألفاظ، ومن الطبيعي أن تحوي النصوص حركات فعليّة، بعضها تنبيهيّة وأخرى تواصليّة، تجمعهم موضوع الصلة في المساحة النصّية.

من طبيعة النصّ الشعري ومن خلال ثقله يتجاوز الواقع المحدود بصفاته، لذلك يعتمد الشاعر على القول التنبيهي والتحريضي، ويعتبر مثل هذا القول دلالة غير واضحة، وإنّما يستمدّ عمله من خلال السياقات الدلاليّة التي تتجاوز زمنيتها، فيظهر النصّ الشعري مطرزاً بإشاراته ورموزه وذلك من خلال بنائه اللغوي. إنّ النظرية التصورية ترتكز على مبدأ التصوّرات المتمثلة بالمعاني المتواجدة في ذهنية الشاعر، وهي تعود للفيلسوف الانكليزي (جون لوك) وأطلق عليها بالنظرية العقليّة. (وهذه النظرية تعتبر اللغة "وسيلة أو أداة لتوصيل الأفكار". وما يعطي تعبيراً لغوياً معنى معينا استعماله بإطراد "في التفاهم" كعلامة على فكرة معيّنة. الأفكار التي تدور في أذهاننا تملك وجوداً مستقلاً. – د. أحمد مختار – علم الدلالة – ط5 لسنة 1998م - ص 57).

نتواصل مع الشاعر العراقي طالب حسن وقصيدته (إيواءات)، حيث أنّه اعتمد التقطيع المرقّم، وهذا يعني أن تواجهنا عدّة نصوص تحت مسمّى واحد، أي أنّ الغرفة النصّية التي تحضن تلك النصوص تلوّح للمتلقي وما يقدّمه من انزياحات ورموز ودلالات واستعارات تصوّرية، صنّـفها ضمن علم التركيب النصّي.

1= النواميس المستعادة + أقاويل فقدت + بصيرتها

2= عظامك هشة + أيتها البلاد + مثل حلم قابل + للأنكسار

3= لماذا في كل موسم + تتعرين كما الأشجار + وتفتحين فخذيك لقلق + ولادة جديدة؟

إنّ بيان قيمة النصّ تأتي بالدرجة الأولى عندما يتكئ الشاعر على العجائبيّة والغرائبيّة، ويبتعد عن الواقع المباشر، ومن هنا يُدخلنا إلى فلسفة المعنى التي لا تجد اتفاقاً معيّناً بين النظريات والأطروحات المتعدّدة، لذلك تختلط في النصّ بصيغته الاندماجيّة علاقات تصويريّة بعضها تأتي من الخارج على شكل محسوس يقتحم الذات، وبعضها يكون متعلقا بالذات الحقيقيّة، والذاكرة لا تبتعد عن المتعلقات والأفكار والهواجس، كلّها لخدمة المعنى وكيفية توصيله للمتلقي. (إذن فالتصوّرات المختلفة التي تحقق نتيجة عملية واحدة، والتصوّرات التي لا ينتج عنها آثار لا معنى لها. – د. محمود فهمي زيدان – في فلسفة اللغة – ط1 لسنة 1985م، دار النهضة العربية، بيروت - ص 97).

نلاحظ أنّ الشاعر طالب حسن، يمثل البلاد بالكائن، كائن حسّي حركيّ، ومن خلال هذه التشبيهات والتصوّرات تتمركز أيقونة المعنى على نتائج معيّنة، (عظامك هشّة)، إذن نتيجة الهشاشة عدم التحرّك بالصيغة التي يتصوّرها المرء.

4 = قبل أن أعرفها + لم أكن أفهم كيف  أو لماذا + القتلة.... + والسفلة... + يتناسلون

5 = لا أستطيع التخلص + من قوائم أسماء الشهداء + فهم حتى بعد رحيلهم + لا زالوا يسقون براعم حلمي

6 = الخطأ ليس في الكرسي + ولا بالجالس عليه... + الخطأ في ذاكرة الأشجار + التي شاخت مبكرا

من خلال دلالة المفاهيم النصّية ينطلق الشاعر بأسئلة، وكلّ سؤال جواب لهذا المفهوم، فالقتلة مثلا، لا تحتاج إلى مبيّنات تدعم المفردة، بل هي ضمن المفهوم الدلالي للنصّ، أي تابعة لسياق معيّن ولا يمكننا تجزئة المفردة، وكذلك ربط هذا المفهوم بالمقطع الثاني (لا أستطيع التخلص + من قوائم أسماء الشهداء)؛ إذن العلاقة متوازنة بين القتلة وبين الشهداء. فالأولى حنطها بالاستفسار (وأراد أن ينتقص من المفردة) بينما نلاحظ أنّه جعل الثانية في إطار الاحترام (لا أستطيع التخلص/ فهم حتى بعد رحيلهم + لا زالوا يسقون براعم حلمي).

إن صورة الحياة الكائنة أمام الشاعر هي نفسها اللعبة اللغويّة التي دجّنها في منظور الدلالة اللغويّة من جهةٍ، وفي دلالة المعنى من جهة ثانية. وإنّ فكرة الوجود التي أطلقها الشاعر لا معنى لها إلا ضمن إطار التصوّرات، حيث تمتدّ المعاني عبر النصوص المقطعة والتي أراد أن تكون ضمن اللغة بالضرورة.

7 = العالم يضج بالحماقات + حتى وإن تظاهر + بالبراءة 

8 = حين تشظى وجهه في المرايا + صار يتلقى الصفعات + من بغايا الأرصفة 

9 = ذنوبهم كبيرة + أولئك الذين قنصوا الطيور + من على الأشجار + والورود من على الحدائق

تنتمي بعض المقاطع إلى القوّة الدلالية من خلال تغييرات التواصل اللغوي، مثلا هناك القوّة العقلية للتفكير، وقوّة المفردة التي تحافظ على المعنى (المفردة الذكيّة)، وقوّة الأشياء، والتي تنتمي إلى الطبيعة، وقوّة الكائن، وتنتمي إلى القوّة النفسية. تتوزّع هذه الدلائل على المعاني من جهة، وعلى قوّة الأفعال وحركتها النصّية من جهةٍ ثانية. لذلك عندما تطرق الشاعر إلى العالم، فإنّنا نعبّر عن ذلك بقوّة الملاحظة، وتعتبر الدلالة التواصليّة ذات علاقة مع قوّة الإدراك الذاتي. ومن ثمّ لم يتوقف الشاعر في مجال معيّن بل دمج بعض الأشياء من خلال قوّتها التركيبيّة في النصّ المكتوب.

10 = الذئاب التي أدمنت الافتراس + تعلمت القنص من دمى + السيرك 

11 = هكذا يمضون + لا حلم في اليد + لا جهة يشيرون + إليها..

سحر الجملة، أو الحيلة الكلاميّة التي يرافقها الانزياح أو بعض الأشياء الرمزيّة التبادليّة، كلّها تؤدّي إلى غرائبيّة اللغة، فاللغة النصّية تعتمد بصيغتها القصديّة على تغيير المعنى اللفظي، لذلك فالمعاني المكتومة، تكون دائماً خلف سياقات لغوية تخصّ النصّ ولو كانت من خارجه.

إنّ عناصر التشبيه واعتماد بعض الرموز ومنها مثلا (الذئاب، السيرك والحلم) هي مفردات أراد منها الشاعر أن يشكّل نسقاً معيناً موازياً للمعاني والتأويلات النصّية.

لقد قدّم الشاعر العراقي طالب حسن نصّاً اعتمد على شبكة من العلاقات الداخليّة والخارجيّة المتداخلة، وقد أثر المحسوس الخارجي على فطنته في الدخول إلى وحدات من المعاني وأخرى وحدات لغويّة، وحرّك الأحاسيس والتكوينات واللوازم التي تؤدّي إلى الخلق النصّي.

***

كتابة: علاء حمد

..........................

إيواءات

النواميس المستعادة

أقاويل فقدت

بصيرتها

2

عظامك هشة

أيتها البلاد

مثل حلم قابل

للأنكسار

3

لماذا في كل موسم

تتعرين كما الأشجار

وتفتحين فخذيك لقلق

ولادة جديدة؟

4

قبل أن أعرفها

لم أكن أفهم كيف أو لماذا

القتلة....

والسفلة...

يتناسلون

5

لا أستطيع التخلص

من قوائم أسماء الشهداء

فهم حتى بعد رحيلهم

لا زالوا يسقون براعم حلمي

6

الخطأ ليس في الكرسي

ولا بالجالس عليه...

الخطأ في ذاكرة الأشجار

التي شاخت مبكرا

7

العالم يضج بالحماقات

حتى وإن تظاهر

بالبراءة 

8

حين تشظى وجهه في المرايا

صار يتلقى الصفعات

من بغايا الأرصفة 

9

ذنوبهم كبيرة

أولئك الذين قنصوا الطيور

من على الأشجار

والورود من على الحدائق 

10

الذئاب التي أدمنت الافتراس

تعلمت القنص من دمى

السيرك 

11

هكذا يمضون

لا حلم في اليد

لا جهة يشيرون

إليها..

***

طالب حسن - العراق