قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: الشعرُ بوصفهِ إقامةً في الباطن
نحو أنطولوجيا الحضور في اللغة
ليس الشعرُ— في جوهره العميق —ارتحالاً نحو الغياب، ولا تعقّباً لأثرٍ تلاشى في عتمة العدم، بل هو عودةٌ مشحونةٌ إلى الداخل، إقامةٌ في كثافة الحضور، حيثُ تنكشف الذاتُ لذاتها بوصفها موضعَ المعنى ومنبعَ الإشراق. فالشاعر لا يبحث عمّا ليس، بل يُصغي لما هو كائنٌ فيه، مستترٌ بفرط القرب، مُحجَّبٌ بكثرة الألفة. وهنا تتأسّس المفارقة الأولى للشعر: أن أقربَ الأشياء إلينا هو أشدُّها خفاءً، وأن الحضور— حين يفيض —يتقنّعُ بصورة الغياب.
إنّ اللغةَ الشعرية لا تُحيل إلى الخارج بوصفه مرجعاً نهائياً، بل تُعيد العالم إلى باطن قائله، فتغدو الكلماتُ مرايا، لا لتعكس الأشياء، بل لتُكثّف الوعي بها. فالشعر، في أحد أعمق تعريفاته، هو تحويلُ المدرك إلى مُدرِك، وإعادةُ الموضوع إلى ذاتٍ حيّةٍ نابضة. ولذلك فإن الرائي—حتى لو توهّم أنه يعانق المطلق—لا يخرج عن مدار روحه، إذ لا يرى إلا بقدر ما يتّسع فيه أفقُ الرؤية، ولا يحتضن إلا ما يتهيّأ في داخله لاستقبال المطلق. إنّ كلَّ تعالٍ يُرى إنما يُرى من داخل، وكلَّ مطلقٍ يُدرك إنما يُدرك بوساطة ذاتٍ تتّقدُ به.
ومن هنا، يغدو القلب—لا بوصفه عضواً بيولوجياً، بل كياناً رمزياً جامعاً—هو الموطن الوحيد للحضور. فيه تتلاقى الأزمنة، وتتصالح المتناقضات، وتنبثق المعاني في لحظةٍ لا زمنية. فالحاضر الذي نتوهّم البحث عنه في الخارج، إنما يقيم في هذا المركز الخفيّ من الكينونة؛ حيثُ تتجلّى الحقيقة لا كمعطى جاهز، بل كاشتعالٍ داخليّ، كـ"بصيرةٍ" لا تُرى بقدر ما تُرى بها الأشياء.
والشعر، بهذا المعنى، ليس وصفاً للحقيقة، بل تحوّلٌ إليها؛ ليس خطاباً عنها، بل انخراطاً فيها. إنّه فعلُ انكشافٍ يطال الذات قبل العالم، ويُعيد ترتيب العلاقة بين الرائي والمرئي، بحيثُ يغدو النظرُ ضرباً من التجلّي، لا مجرّد إدراكٍ حسّي. وحين يبلغ الشاعر هذه العتبة، لا يعود يميّز بين ما يراه وما يكونه، إذ تصير الرؤيةُ امتداداً للوجود، ويغدو الوجودُ لغةً تتكلّم في كيان الشاعر.
على هذا الأساس، يمكن القول إنّ الشعر يؤسّس لما يمكن تسميته بـ"أنطولوجيا الحضور"، حيث لا يكون الوجودُ شيئاً خارجياً نُحيله إلى كلمات، بل تجربةً معاشة تُعيد اللغةُ تشكيلها في هيئة إيقاعٍ وصورةٍ ودلالة. فالكلمةُ الشعرية لا تُحيل إلى غائب، بل تُحضِر ما هو كامن، وتستدعي ما هو متوارٍ في طبقات الشعور واللاوعي، لتُقيمه في فضاء القول.
وإذا كانت الفلسفةُ تسعى إلى القبض على الحقيقة بمفاهيمها، فإنّ الشعر يُدركها بوميضه، بتلك اللحظة الخاطفة التي ينكشف فيها الكلُّ في الجزء، واللامتناهي في اللفظة. إنّه لا يُشيّد أنظمةً فكرية، بل يُوقظ فينا القدرة على التجلّي، على أن نرى العالم لا كما هو معطى، بل كما يُعاد خلقه في أعماقنا.
وهكذا، لا يعود الشعرُ بحثًا عن معنى مفقود، بل اكتشافاً لمعنى مُقيم؛ لا يكون غوصاً في العدم، بل إبحاراً في الامتلاء. إنّه رحلةٌ إلى الذات، لكنّها ذاتٌ لا تنغلق على نفسها، بل تنفتح—من فرط عمقها —على الوجود بأسره. وفي هذا الانفتاح، يتبدّى السرّ الأكبر للشعر: أنّه كلّما ازداد توغّلاً في الداخل، ازداد اتّساعاً نحو الخارج، حتى يغدو الباطنُ أفقاً، ويصير الحضورُ أبداً لا تحدّه تخوم.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







