قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: دراسة نقدية لقصيدة الشاعر العراقي علاء سعود الدليمي:

«ضربتانِ على رأسِ شاعرٍ»

في عالم الشعر الحديث، يظل النص الشعري مرآةً تعكس تجربة الذات الفردية والجماعية، وتترجم الصراع بين الإنسان وواقعه، بين الحرية والخوف، بين الكلمة والواقع. قصيدة علاء سعود الدليمي «ضربتانِ على رأسِ شاعرٍ» تمثل مثالاً حيًا على النص الشعري الذي يجمع بين الصياغة الفنية الدقيقة والعمق النفسي والفلسفي، لتكشف عن التجربة الإنسانية في مواجهة الغدر والخيبة والإعلام الزائف والخداع الاجتماعي، وكل ما يعكّر صفو الحقيقة ويحدّ من قدرة الإنسان على التصدي للزيف والظلم.

تتميز هذه القصيدة بالقدرة على المزج بين اللغة الجمالية والفكرية، بين الرمز والمشهد، وبين الصراخ الداخلي والوعي النقدي، مما يجعلها نصاً خصباً للتحليل الهيرمينوطيقي. فالشاعر هنا لا يكتفي برسم مشاهد الصراع النفسي والاجتماعي، بل يقوم بعملية تأويلية للعالم من خلال وعيه الشعوري والفكري، فيطرح القضايا الكبرى المتعلقة بالصدق والخيانة، بالحرية والانكسار، وبمسؤولية الفرد والمجتمع.

تأتي هذه الدراسة النقدية الهيرمينوطيقية لتسلط الضوء على بنية النص اللغوية والبلاغية، على معمار الصور والإيقاع والموسيقى الداخلية، وعلى الطاقات الرمزية والفلسفية والفكرية للنص، كما تهدف إلى كشف طبقات المعنى الخفية، واستكشاف العلاقة بين النص وسياقه الثقافي والاجتماعي، فضلاً عن تحليل الانزياحات الجمالية والنفسية التي تنسج تجربة الشاعر وتشكّل رؤيته للعالم.

إن هذه المقدمة تمهّد للقراءة العميقة للنص، بحيث تتحقق الغاية من الدراسة في تقديم فهم شمولي للنص، يربط بين جمالية اللغة وعمق الفكر، ويكشف عن قدرة الشعر على أن يكون تجربة وجودية وفكرية في آن واحد.

 هذه القراءة تنطلق أيضاً من مقاربة هيرمينوطيقية تركيبية، تمزج بين:

المنهج الأسلوبي، والتحليل البلاغي، والتأويل الدلالي العميق، مع استحضار الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية.

فالقصيدة لا تُقرأ بوصفها بنية لغوية فقط، بل بوصفها حدثاً وجودياً تتقاطع فيه الذات، واللغة، والواقع، والرمز.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب.

النص في مجمله سليم لغوياً، متماسك التراكيب، قائم على جُمل قصيرة متوترة الإيقاع، تُحاكي حالة الصدمة والاحتجاج.

مثل:

«ضربةُ غدرٍ / تسلّلت كأفعى سامّة»

تركيب اسمي يشي بالثبوت والرسوخ، يقابله فعل متحرك: تسللت، ليخلق توتراً بين السكون والاختراق.

الانزياح اللغوي يظهر في تراكيب مثل:

«أدخّن لحظات فراغي»

حيث تُنقل مفردة التدخين من ماديتها إلى بعدها الزمني والنفسي.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

١- اللغة جزلة، واضحة، متوازنة بين الفصاحة والحداثة.

٢- الألفاظ مختارة بعناية لتناسب موضوع القهر والخديعة والانكسار:

«غدر، سمّ، هزيمة، الريح، الثعالب، الظل، النور، البؤس، الفراغ»

كلها حقول دلالية سوداوية تُكرّس أفق المأساة.

مثال إعرابي:

«ضربةُ غدرٍ»

ضربةُ: مبتدأ مرفوع بالضمة

غدرٍ: مضاف إليه مجرور

«كمحاربٍ يأبى الهزيمةَ»

كـ: حرف تشبيه

محاربٍ: اسم مجرور بالكاف

يأبى: فعل مضارع مرفوع

الهزيمةَ: مفعول به منصوب

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية:

1. البنية الفنية للنص:

القصيدة قائمة على بنية مقطعية، كل مقطع يضيف طبقة شعورية جديدة:

١- مقطع الصدمة: (ضربة الغدر)

٢- مقطع المواجهة: (كمحارب أمام الريح)

٣- مقطع الخداع الاجتماعي: (الثعالب، الحمل، الصورة)

٤- مقطع العزلة: (أنا فراغ…)

٥- مقطع الرؤية الأخلاقية: (يد بيضاء تحارب لغد)

لا سرد تقليدي، بل شذرات شعورية تتجاور وفق منطق نفسي لا زمني.

2. الرؤية الفنية:

الشاعر علاء سعود الدليمي يرى العالم ساحة صراع بين:

١- الصدق / النفاق

٢- الضوء / الظل

٣- الشاعر / السوق

٤- الكلمة / الصورة

والانسجام بين الشكل والمضمون واضح: التكسّر الشكلي يوازي تكسّر المعنى.

3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:

تتجلّى الدهشة في صور مثل:

١- «أدخّن لحظات فراغي»

٢- «أنا فراغ لم يمرّ به يراع»

٣- «شياطين الشعر»

وهي صور تنقل الكتابة من الوصف إلى الرؤيا.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية:

1. الموقف الفكري.

القصيدة تطرح أسئلة:

١- من يحمي الكلمة في عالم الزيف؟

٢- ما مصير الشاعر في زمن الصورة؟

٣- هل ما زال للصدق مكان؟

2. الأفق المعرفي:

يتقاطع النص مع:

١- تراث الاحتجاج الشعري (المتنبي، المعري)

٢- خطاب المثقف المهمَّش

٣- نقد الاستهلاك الإعلامي الحديث

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا):

الضربتان ليستا جسديتين فقط، بل:

١- ضربة الواقع.

٢- وضربة الخيانة الرمزية.

والشاعر هو صورة للوعي الجريح.

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

النص يُقرأ في سياق:

١- خيبات ما بعد الحروب

٢- انكسار المثقف العربي

٣- هيمنة الصورة والإعلام

ويقع ضمن مسار الشعر العربي الحديث الذي يجمع بين:

١- الحسّ الاحتجاجي

٢- والنبرة الوجودية.

خامساً: الأسس النفسية:

1. البنية الشعورية

القصيدة مشبعة بـ:

١- القلق

٢- الخيبة

٣- الشعور بالخذلان

٤- العزلة

2. الشخصية الشعرية:

الشاعر يظهر:

١- منفيًا رمزيًا.

٢- محاربًا بالكلمة.

٣- ضحيةً للغدر الجمعي.

3. النبرة النفسية

تتراوح بين:

١- الاحتجاج

٢- الأسى

٣- التهكم المرّ

٤- والرجاء الأخلاقي

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص ينتقد:

١- النفاق الاجتماعي

٢- ثقافة الصورة

٣- تلميع الفارغين

٤- تهميش القيم

ويضع الشاعر بوصفه:

فاعلًا نقديًا

ضميرًا معذَّبًا للجماعة.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز:

١- الأفعى: الخيانة

٢- الثعالب: المكر

٣- الظل/النور: الزيف/الحقيقة

٤- اليد البيضاء: الأمل الأخلاقي

2. الثنائيات:

١- الحياة / الفراغ

٢- الكلمة / الصورة

٣- الشاعر / الجمهور

٤- الغياب / الذكرى

3. النظام الرمزي.

الأشياء اليومية تتحوّل إلى علامات كونية للخذلان.

ثامناً: الأسس المنهجية

القراءة اعتمدت:

١- المنهج الأسلوبي في تحليل اللغة.

٢- المنهج النفسي في قراءة الذات.

٣- المنهج التأويلي في كشف المعنى العميق.

٤- المنهج السوسيولوجي في ربط النص بالواقع.

خاتمة:

«ضربتانِ على رأسِ شاعرٍ» ليست مجرد قصيدة شكوى، بل بيان وجودي ضد عالمٍ يقتل الكلمة مرتين:

مرة بالخيانة، ومرة بالتجاهل.

هي نصّ يحتج، ويشهد، ويؤلم، ويُبقي للشاعر وظيفة أخيرة:

أن يكون وجع الحقيقة حين يصير الصدق جريمة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

ضربتانِ على رأسِ شاعرٍ

علاء سعود الدليمي

ضربةُ غدرٍ

تسلّلتْ كأفعى سامّةٍ

لتغرسَ أنيابَها في رأسي،

فكأنَّ السمَّ يأخذني إلى عالمٍ

لا أريدُه أبداً!

كمحاربٍ يأبى الهزيمةَ،

وقفَ أمامَ الريحِ،

سلاحُه صدقُ الكلمةِ،

فكان الأملُ يكبحُ جماحَ اليأسِ،

في المعركةِ طرفٌ خاسرٌ

ولا بدَّ من غالبٍ!

بعضُ الثعالبِ ترقصُ في الظلِّ،

لا تقوى على مواجهةِ النورِ،

بعد غروبين وثلاثةِ نهاراتٍ

عادَ بثيابِ الحملِ؛

ليسرقَ فرحةَ النصرِ،

فما مالَ البختُ،

والخالُ الشيخُ حاضرٌ.

قربَ مدفأةِ الثقةِ

تلجُ أمنياتٌ وتتبدّلُ أقدارٌ،

بعضُ الولاداتِ عسيرةٌ،

لم ترَ الحياةَ لولا رحمةُ اللهِ،

سخيفةٌ أقدارُ زماننا،

بعضُ الأوغادِ يلمّعون دارَ فلانٍ وفلانٍ

ليجلسوا قريباً من الصورةِ،

فيصبحون منشوراً مؤقّتاً

يُقرأُ مع الوقتِ.

كنصٍّ في رأسِ صاحبه،

كقصيدةٍ لم تلجْ جيدَ الحبيبةِ،

أغنّي بعيداً عن ربيعِ الشعرِ

في روضةٍ من رياضِ القريةِ،

أدخّنُ لحظاتِ فراغي

بأصابعَ باردةٍ!

أنا فراغٌ لم يمرَّ به يراعٌ،

سطرٌ خطّه صبيٌّ فمحته الريحُ،

فأيُّ محبرةٍ تنسكبُ فوق أوراقي المبعثرة؟

بين قوسين وبقايا رجلٍ

مسّته شياطينُ الشعرِ،

يدٌ بيضاءُ تحاربُ من أجل غدٍ

فيه من آياتِ الفعلِ ذِكرى

تدورُ على ألسنةِ الناسِ

إذا ما غابَ.

 

في المثقف اليوم