قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: دراسة نقدية أسلوبية - سيميائية لقصة الأدبية ربيعة جلطي بعنوان:

رقصة "عذرا" الطارقية

تندرج قصة «رقصة عذرا الطارقية» لربيعة جلطي ضمن السرد القصير الذي يزاوج بين الشعرية والحكائية، ويستثمر الجسد والرقص والفضاء الصحراوي لبناء دلالة مركّبة عن السلطة، والرغبة، والانتقام الرمزي. فالنص لا يكتفي بحكاية امرأة ترقص لتغوي رجلاً ثرياً، بل يحوّل الرقص إلى خطاب، والجسد إلى علامة، والفضاء إلى مسرح دلالي تتقاطع فيه الرغبة بالهيمنة، والأنوثة بالمقاومة الناعمة.

تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصة بالمنهجين الأسلوبي والسيميائي، للكشف عن آليات بناء الخطاب السردي، وعن شبكة الرموز التي تشكّل معناها العميق.

الإطار النظري

1. المنهج الأسلوبي

يهتمّ المنهج الأسلوبي بدراسة الخصائص اللغوية والتعبيرية التي تمنح النص فرادته: الإيقاع، الصورة، التكرار، الانزياح، وتشكيل الجملة. وهو ينطلق من أنّ الأسلوب ليس زخرفاً بل هو رؤية للعالم تتجسّد في اللغة.

2. المنهج السيميائي

يركّز المنهج السيميائي على العلامات والرموز داخل النص، وعلى العلاقات التي تنشأ بينها لإنتاج الدلالة. فالجسد، اللباس، اللون، الحركة، المكان، وحتى الصمت، تتحوّل إلى علامات قابلة للتأويل.

التحليل التطبيقي

أولاً: البنية السردية

يعتمد النص بنية تصاعدية تبدأ بفكرة الانتقام الرمزي:

«إن فكرة جهنمية جابت ذهنها فجأة، فأقسمت اليمين أن تصيدهم؛ فكما جاؤوا ليصطادوا، فذنبهم على جنبهم.»

تتأسس العقدة على قلب الأدوار: الصياد يصبح فريسة. ثم ينتقل السرد إلى لحظة الذروة: لحظة الرقص، حيث يتحوّل الجسد إلى أداة سيطرة. وتنتهي القصة بخاتمة هادئة شكلياً، حاسمة دلالياً:

«بعث الثريّ الوسيم إليها بمرسول، وبهدايا ثمينة، لكنّ إجابتها كانت قاطعة.»

الخاتمة تؤكّد أن الغاية لم تكن المال، بل كسر وهم التفوّق الذكوري–الطبقي.

ثانياً: الأسلوب واللغة

لغة جلطي شعرية كثيفة، تعتمد الصورة الحسية:

«كان يشمّها ويتعرّف على أجزائه الواقفة فيها، يتناثر ويمدّ ذرّاته شِفاهًا راغبة في لثمها.»

يتجلّى الانزياح في تشخيص التراب، وتحويله إلى كائن راغب، ما يوسّع دائرة الإيروسية لتشمل الطبيعة كلها. كما يكثر التكرار الإيقاعي: «لم تلمسه.. اقتربت… لم تلمسه..» وهو تكرار يولّد توتراً حسّياً، ويؤكّد سلطة الإغواء غير المكتمل.

ثالثاً: الجسد كعلامة

الجسد هنا ليس موضوعاً للنظر فقط، بل أداة خطاب:

«كانت ترقص بكلّ شيء يستطيع أن يتحرّك في جسمها.»

الجسد يتحوّل إلى لغة، وكل حركة فيه علامة: الشعر، الحاجبان، الأصابع، أخمص القدم. الامتناع عن اللمس علامة أقوى من اللمس، لأنّه يؤسس لهيمنة رمزية قائمة على الحرمان.

رابعاً: الرموز والدلالات

اللون الأزرق:

«يشعّ ثوبها الأزرق اللماع كأن المرايا تسكنه.»

الأزرق رمز للصفاء والعلو، لكنه هنا يغدو أداة فتنة وسيطرة.

العطر والبخور والحناء:

تمثّل علامات ثقافية وهووية، وفي الوقت نفسه أدوات تخدير حسي:

«كانت روائح الحُليّ… تملأ عينيه وفمه وخياشيمه.»

الصيد:

الاستعارة المركزية في النص. الرجل جاء ليصطاد، لكنها تصطاده رمزياً:

«ضيّقتُ أهداب العين… مثل قوس على سهم، ورميتُه فأصبته!»

الصيد هنا ليس جسدياً بل نفسياً: الاستيلاء على اللبّ، على مركز الإرادة.

خامساً: الدلالة الفكرية

القصة تعيد توزيع السلطة: المرأة، القادمة من الهامش الصحراوي، تهزم الرجل الثري القادم من المركز. لكنها لا تفعل ذلك بالعنف، بل بالجمال والرقص، أي بأدوات تُحسب تقليدياً على الضعف. هكذا يتحوّل “الأنثوي” إلى قوّة ناعمة قادرة على كسر هيمنة المال والنسب والذكورة.

النتائج

البنية السردية تقوم على قلب الأدوار بين الصياد والفريسة.

الأسلوب الشعري الكثيف يحوّل السرد إلى تجربة حسّية لا إلى حكاية فقط.

الجسد علامة مركزية، والرقص لغة بديلة عن الكلام.

الرموز (اللون، العطر، الصيد) تبني شبكة دلالية عن السلطة والرغبة.

القصة تحمل رؤية فكرية عن إمكانية مقاومة الهيمنة عبر الجمال والذكاء الرمزي.

خاتمة

ليست «رقصة عذرا الطارقية» مجرّد قصة عن الإغواء، بل نصّ عن السلطة حين تتبدّل أقنعتها. الرقص فيها خطاب، والجسد بيان، والأنوثة استراتيجية مقاومة. وبالتحليل الأسلوبي والسيميائي يتبيّن أنّ جلطي تكتب نصاً يحتفي بالهوية، ويقوّض من الداخل أسطورة المركز والقوة، عبر لغة مشبعة بالإيقاع، وعلاماتٍ تنفتح على تأويل لا ينتهي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

...................

رقصة “عذرا” الطارقية!

ربيعة جلطي:

{.. تقول عذرا، وهي رافعة حاجبيها، تدحرج عينيها يمنة ويسرة، وعلى وجهها ابتسامة ساهِمة:

إن فكرة جهنمية جابت ذهنها فجأة، فأقسمت اليمين أن تصيدهم؛ فكما جاؤوا ليصطادوا، "فذنبهم على جنبهم". بدورها سترمي بشباكها، وليذهب إلى الجحيم مضيفُهم، وهم ما هم عليه من الثراء والبذخ الذي ما انفكّوا يُظهرونه، وكأن به ستستسلم لهم الرمال وغزالات الصحراء بكل أنواعها.

– تعالوا، سأُريكم!

*

كان الغناء يصل عنان السماء المفتوحة على الغيب والغياب، والرقص في أوج جنونه، ورائحة البخور والحنّاء تتسرّب إلى أبعد خلية في أجسام الحاضرين.

*

– حَطِّيتْ عيني على واحدٍ منهم. كان أجملهم وجهًا وجسدًا. عيني العارفة عرَّتْه في طرفة رمش. علمتُ فيما بعد أن أباه تزوّج أمه من بلاد تُدعى السويد.. الحق يُقال: كان آسِرًا؛ تتداخل سُمرته النحاسية بما يشبه حليب النوق الرائب. شفتاه تلمعان من بعيد مثل تمرة براقة وسط عِرجونٍ معلّق في أعالي نخلة.

*

.. بحسّاسيتها الطارقية العليمة، اختارت “عذرا” الوقت المناسب واللحظة القاتلة بعد أن سخن الحفل.

في ذروة لحظاته النارية، ترجلت من جلستها الملوكية، فارتفعت الزغاريد.. وكيف لا؟ أليست هي عروس الحفل؟!

*

توسّطت الجميلة عذرا، المحتفى بها، الحضور، فوسّعوا لها ساحة الرقص، وباعدوا بينهم حتى فرغت الحلبة لها وحدها. وانطلقت في رقصة يمامةٍ برّية زرقاء، يشعّ ثوبها الأزرق اللماع كأن المرايا تسكنه. أسقطت منديلها الأسود الفاحم عن شعرها المُحنّى، واشتدّت الموسيقى سرعةً، فازداد توحّشها الجميل..

*

كانت ترقص بكلّ شيء يستطيع أن يتحرّك في جسمها: من شعرها المُحنّى، إلى حاجبيها، إلى أخمص قدميها. تدوس الأرض بالكاد، حتى إنّ التراب كأنه استفاق تحت خطواتها؛ كان يشمّها ويتعرّف على أجزائه الواقفة فيها، يتناثر ويمدّ ذرّاته شِفاهًا راغبة في لثمها، متسرّبًا من بين الحُصُر والزّرابي الحمراء المبسوطة.

*

كانت ترفرف بأطراف أصابعها في رقصتها الطارقية المدهشة، وكأنها تسبّح بحمد خالقها..

ثم اقتربت من صيدها.. اقتربت منه كثيرًا.. لم تلمسه، بل أرسلت حرارة جسدها المتعرّق حوله. كانت روائح الحُليّ من الأحجار العطرية، والعطور القوية الملتصقة بالجسد، تتحلّل إلى ذرّات تحت حرارة الطقس وطقس الرقص، تملأ عينيه وفمه وخياشيمه ورئتيه وبطنه وكيانه، لتبلغ حتى أعمق جزءٍ فيه..

لم تلمسه.. اقتربت منه أكثر، ورفعت ذراعيها قريبًا جدًا منه دون أن تنظر إليه، ثم أرسلت من بين أهدابها برقًا حادًّا قاصمًا.

– ضيّقتُ أهداب العين منّي هكذا.. مثل قوسٍ على سهم، ورميتُه فأصبته!

*

دارت حوله مثل زوبعة، وكأنها تطوّقه بنارها.. كاد أن يُغمى عليه.. لم تلامسه أبدًا.. اقتربت، حتى خُيّل له أنهما يتداخلان.. كأنها تسمع تنهّده وأنينه.. لم يعد الحاضرون الكُثر حاضرين.. غيابٌ هم جميعهم.. لم يعد يرى أحدًا غير هذه الطارقية ترقص بحفلة طلاقها.

*

بدا الغريب الثريّ القادم من شبه الجزيرة أو الخليج متشنّجًا؛ كلّ ما فيه أضحى مشدودًا على آخره. مدّ يده المرتجفة دون إرادةٍ منه.. إلا أنها ابتعدت راقصة، ثم جلست بهدوء في مكانها العالي وسط الزغاريد، وقد تأكّدت أن المهمة انتهت، وأنها أخذت لُبَّه ووضعته تحت الوسادة.. هكذا! ثم ألقت إليه نظرةً تؤكّد انتصارها عليه.

*

كان الوسيم يقف مشدوها، مهزومًا، وحيدًا، مُفردًا. ذراعاه منسدلَتان، وحبّات عرق تتمرّغ على السُمرة النحاسية لجبينه وصدغيه.. شفتاه، اللتان تشبهان تمرةً يانعة على شفا السقوط، اشتدّ بريقهما، وكان على وجهه تعبيرُ من أضاع للتوّ شيئًا ثمينًا كان ملكه قبل لحظات، مخبوءًا بين جوانحه.

*

وفي الغد.. وكما كانت تنتظر، بعث الثريّ الوسيم إليها بمرسول، وبهدايا ثمينة، لكنّ إجابتها كانت قاطعة}

***

........................

* ربيعة جلطي (نادي الصنوبر)، الطبعة البيروتية الأولى 2012  ثم طبعات أخرى.

 

في المثقف اليوم